|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
قســــمة ونصيب لم أدع مسابقة تعتب علي، اجتزت معظمها، وكنتُ من الناجحين الأوائل، وتم تجاوزي بسهولة ويسر، فلا مال عندي ولا جاه.. عملتُ ساعياً وحاجباً، ووكيل معلم وكاتب مفردات، ومدرّساً من خارج الملاك، حفيتْ قدماي وأنا أبحث عن عمل يتناسب مع مؤهلي الجامعي، ولكن دون جدوى.. أشفق عليَّ صاحب قديم لوالدي، وكان موظفاً مهماً، فدبر تعييني عنده بعقد مؤقت قابل للتجديد كل ثلاثة أشهر، ونجحت مساعيه الحثيثة، فقابلت الوزير وأقنعته بمدى حاجة الوزارة إلى اختصاصي، فوعدني خيراً: -اعثر لي على شاغر واحد، وسأثّبتك فوراً.. لم يستقر بي المقام، فبدأت لساعتي بمراجعة النظام الداخلي للإدارة، والقوانين النافذة، والقرارات و التعليمات، وسجلات الذاتية، والملاكات والاستثناءات وصكوك التعيين وأسبابها الموجبة، علِّي أعثر على ثغرة أو "خرم إبرة" أنفذ منه إلى شاغر خفيَ عن العيون، لم يطله إنس أو "جان"، فلم أظفر بطائل... كنت معتاداً على حياة وظيفية قلقة، علمتني أن أصبر كأيوب، وسهلت علي أن أتابع البحث والتنقيب، وعند الله التدبير، دون أن أكلّ أو أملّ أو أيأس.. فلكل مجتهد نصيب، ولابد دون الشهد من إبر النحل، وهكذا كان.... وقبل أن تعشو عيناي، ألفيتُ نفسي أصرخ دون وعي مثل أرخميدس... وجدُتها... كُللت جهودي أخيراً بالنجاح، وعثرتُ على شاغر مفصل على "قدّي" تماماً، لموظف منسي، استنفد سنوات استيداعه، وأصبح يعمل في السعودية بشكل دائم... انزاحتْ من صدري الهموم، وانجلت عن عيونيْ السحبُ والغيوم، فأسرعت إلى مكتبه تكاد الدنيا لا تسعني من الفرحة، أزف إليه البشرى، و أضع بين يديه القرائن والوثائق والحجج القانونية التي تدعم ترشيحي لنيل هذا الشاغر... أشرق وجهه بابتسامة وديعة تنمّ عن الارتياح والرضا، وهو يقول لي: -مبروك سلفاً... أبشر، إئت بالأوراق الثبوتية، كاملة غير منقوصة وسأثبتك فوراً"... فوجئت بالترحاب الكبير الذي قابلني به، وبتواضعه ولطفه الذي فاق الحدود، وأذهلني مدى حرصه على خدمتي دون مقابل، اللهم إلاَّ خدمة المصلحة العامة، ومصلحة الوزارة بشكل خاص... فشكرته بأرقّ عبارة جادت بها قريحتي، ودعوت المولى عز وجل أن يرزقه على قدر نيته الصافية، وأن يصون زوجه وأولاده، ويحيطهم برعايته، إنه سميع مجيب... فما كان منه إلا أن أشار إلي بإصبعه أن أسكت، فقد أخجلت تواضعه، وإلا أخذ على خاطره مني. فهو لم يعمل سوى الواجب تجاه صديق والدي الذي يعزه كثيراً، إضافة إلى أن المصلحة العامة تعلو ولا يُعلى عليها. ما إن غيبني باب مكتبه حتى استدعى رئيس الذاتية على عجل، وانهال عليه تقريعاً وتعنيفاً، وقد انتفخت أوداجه، وسال العرق غزيراً من جبينه: ما هذا التسيب؟! هل مات لديك الشعور بالمسؤولية؟! ارتسمت علائم الدهشة على وجه رئيس الذاتية، فسأل بصوت خفيض مرتبك؟! -ماذا جرى يا سيدي؟! ماذا فعلت؟! هل قصرت في حقكم لا سمح الله.. إذن شلّت يميني! فانهال عليه: طبعاً أنت لا تفقه شيئاً.. موظف ابن البارحة يعثرُ لي على شاغر أعجزك أشهراً بطولها. بل سنة كاملة... لقد اسودّ وجه زوجتي مع ابن عمها... في كل يوم تقرّع رأسي، وأنا أهدئها، وأردد كالببغاء من ورائك "ما في شواغر، ما في شواغر"... تلعثم رئيس الذاتية، وهمّ أن يتكلم، لكنه سكت وكأن في فمه ماء، فنظر إليه شزراً وصاح فيه: -مالك استمرأت الجلوس على المقعد مسترخياً متهدلاً، لا مبالياً، قم بسرعة، وأعدّ القرار بتعيينه، و سأوقعه فوراً... -ولكن يا سيدي... صك التعيين... يحتاج.. إلى أوراق ثبوتية، ومؤهلات و... و... ارتجف رئيس الذاتية ولم يعرف كيف يعبر عن رأيه، فأنقذه سيادته من ورطته، وقاطعه بصوت مزمجر كالرعد: لا تبحث عن الشكليات، كم مرة قلت لك: إنيْ سأنسف كل مظاهر "البيروقراطية" في هذه الإدارة من جذورها.. سكت برهة ثم خفض صوته، وقال بلهجة أقل عدائية: -حسناً، إذا كنتَ مصراً، فأمهله ثلاثة أشهر، ريثما يتم تخرجه من الجامعة، ويحضر وقتها الأوراق الثبوتية، ولكن اجلب إليَّ قرار التعيين لأوقعه، فوراً، عندك رقم هاتفه، لا تنس أن تتصل به كي يداوم غداً... لقد جئنا إلى هنا، لتسهيل مصالح الناس، لا لتعقيدها.... أيلول 1997 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |