|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
خمارة هوليود لم ألاقِ صعوبة تُذكر، تعرفت على منزله بسهولة. "فيلا" في حي راق، تحيط بها حديقة غناء، و مرآب اصطف أمامه أسطول من السيارات الحديثة، تبرق ألوانها الفاقعة، كأنها خرجت لتوها من الوكالة... اقتادتني مدبرة المنزل عبر دهليز طويل، رصفت أرضيته بالمرمر، واصطفت على جانبيه أعمدة رخامية.... دلفت إلى صالون فسيح، جلس في صدره، هفهف عليه ثوب "دي شمبر" عريض الأردان، من الحرير الطبيعي.. امتلأ وجهه وتورد، وفاضت نفسه عنفواناً وحيوية... "بأتكيت" مدروس ودبلوماسية نجومية، هزّ رأسه، نضح وجهه هيبة وجلالاً، دلّت على أكابرية عريقة.... حيّاني بكلمات مقتضبة، أوحت بالعزم والوزن، صافحني بود جمع بين الدماثة والعظمة -حتى لكأنه قضى جُلَّ حياته سفيراً متجولاً فوق العادة بين أمريكا وأوربا واليابان-... ركنتُ الكيس الأسود الأنيق بجانبي، على المقعد الوثير الذي أجلسني عليه... ارتاحت نفسي وشعرت أن قراري كان صائباً، إذ استطعت أن أتغلب على "شُحّي" وأجلب معي هدية ثمينة كلفتني حوالي الألفي ليرة، تتناسب مع مظاهر الأبهة والفخامة، التي أحاطتني من كل جانب... -أرجو ألا يكون العنصر الواقف على الباب، قد ضايقك؟! -لا... على العكس، كان مهذباً جداً، ما إن عرف اسمي، حتى سمح لي بالدخول فوراً... تحدثت بلهجة جدية، وصوت خافت، كنت أزن الكلمة قبل أن يتفوه بها لساني. سألني عن أحوالي، من باب المجاملة، وافتعال حديث ما. -إنني ما أزال أعمل مدرساً في ثانوية البلد... -أجل، أجل، صحيح، لقد تذكرت، أنت تهوى التدريس... أما أنا فقد جرّبته، ولم أنسجم... أنت تعرف. ... ساد صمت، دام دقائق، لم نجد ما نتحدث عنه... شردت نظراتي، مسحت أثاث البيت، الأرضية، السقف، الجدران... توقفت عيناي عند صورة قديمة على الحائط المقابل، أشرت إليها... فقال: إيه.. سقى الله أيام الشباب... أوَ تذكر.... كنّا طلاباً... إنها أمام مدرج كلية الآداب في مبنى الجامعة القرميدي.. أيام جميلة لا تُنسى، كانت عفوية، بريئة، سهلة... دون عُقد، ليتها تعود!!. قلتُ في نفسي، الحمد لله، فقد فرجت أخيراً، دخلنا في الخصوصيات، لعله رفع الكلفة بيننا كأيام زمان... نسيتُ نفسي، وأحببت أن أتقرب منه وأتودد، وظننت أنني "أتظارف"، فقلت: والله لقد أعدتني إلى أيام زمان... ليتها تعود كما قلتْ.. أيام الفول النابت، وفلافل "أبو الخال"... وخمارة هوليود، عند عمنا أبي ناصيف.. أو تذكرُها يا صاحبي... تقززتْ نفسه، ظهر الامتعاض جلياً على محياه، دلت ملامح وجهه أنني خرجتُ عن الكياسة، واللياقة والذوق... تشاغل عني، وأظهر أنه لم يسمع كلمة واحدة من "تخريفي"، فقطعتُ حديثي على الفور، وأنقذتني مدبرة المنزل، من ورطتي وفعلتي الشنعاء، فدخلتْ علينا في الوقت المناسب، تحمل ضيافة معتبرة... صينية كريستال فاخرة، عليها كأس مترعة بعصير "جامايكا" وإلى جانبها صحن مذهّب، نُسّقت في وسطه قطع من "البتي فور" والشوكولا الفاخرة... غرقت حتى أذنّي في كأس العصير وقطع الحلوى اللذيذة، أُداري ارتباكي وخجلي وقلقي، أحاول تغطية الفضائح، التي خلّفتها سقطات لساني وزلاّته، وكلّي أمل ألا يكون قد انتبه إليها جيداً.. ما إن هدأت نفسي قليلاً، حتى أرجعتني الصورة المعلقة على الجدار إلى عهد مضى، وكأنه البارحة، يوم كنا معاً في الجامعة أكثر من إخوة، جمعنا الفقر المدقع والخوف من المستقبل. ثيابنا أسمال من البالة. غذاؤنا "مجدرة"، فول، حمص، فلافل... اصفرّت وجوهنا، وهزلت أجسادنا من سوء التغذية، وفغرت أفواهنا حسداً لكل من نراه "مرفهاً"، حتى ليصح فينا المثل "عيون زرق وأسنان فرق، وذقننا مثل الكوساية".... كنت أزدرد آخر قطرة من ذلك العصير اللذيذ، حين قطع حبل الصمت: -أتأخذ كأساً من الشمبانيا، أو الويسكي... -لا... شكراً... هززتُ رأسي، أُظهر الامتنان لعرضه السخي، ولعابي يسيل. كنت أتمنى أن أترك لنفسي العنان. فلم أعرف للشمبانيا "مذاقاً في يوم من الأيام"، أما احتسائي لكأس من الويسكي، فسيكون حدثاً مشهوداً، أُؤرخ لما قبله وما بعده... كرر عرضه، فرفضت بإباء وشمم، علّيْ أظهر شيئاً من الترفع والعفة، وإلا اعتبرها صفاقة، ولربما استهان بي، وسفحت البقية الباقية من ماء وجهي.. ساد صمت طويل بيننا، لم نجد موضوعاً مشتركاً نخوضُ فيه، فالبعد جفاء كما يقولون... شطّ بي الحنين إلى مرافئ قديمة، حطّت بي الرحال في ذلك الزقاق الضيق، الذي كان يمتد غرب البرلمان، لينحرف قليلاً خلف وزارة المواصلات، بين شارع الصالحية* ، وما سمي هذه الأيام بشارع الحمراء** ... بقعة يصعب تحديدها بدقة، فقد هدّمت مع الدور المحيطة بها، وارتفعت مكانها عمارات حديثة وافتُتحت محلات و متاجر... دكان وسط حوش خرب، تجمعت فيه القمامة والنفايات، بنيت من الطين واللّبن، وسجّي السقف بأعمدة خشبية... تشققت جدرانها، وخددتها شروخ أكل عليها الدهر وشرب.. لم تكن أرضها تتسع لأكثر من خمس أو ست طاولات، تكاد تلتصق ببعضها... الطاولة "طبلية" من خشب اسودّ لونه، ونخره السوس، ترتفع قرابة شبرين عن الأرض، أحاطت بها كراسي صغيرة، واطئة، ليس لها مسند للظهر، غطي مقعدها بضفائر من قش. التسعيرة معروفة للقاصي والداني، كأس مزدوج من "العرق" مع حفنة من بزر دوار القمر وقضامة مكسرة، بسبع فرنكات، خمسة وثلاثين قرشاً سورياً فقط لا غير... أعظم متع الدنيا، كانت في سكرةٍ مطنطنة، اجتمع معه في الخمارة وبقية أفراد "الشلّة"... يعتصر الميسور منا سبع فرنكات.. أما المفلسون من أمثالي وأمثاله، فواحد "يعلقها" على زميله، والآخر على "كيس النص" والثالث على "البيعة".. المهم أننا نخرج خالي الوفاض، على أمل اللقاء في مناسبة أخرى... ضحكتُ في أعماقي، وأنا أتذكر لمَ أطلق عليها الشباب اسم خمارة هوليود؟!... صاحب الخمارة، العم أبو ناصيف، نحيل ضامر، أشيب، قصير القامة، جاوز الخامسة والستين. وجهه سمح، حاضر البديهة، يتنقل من طاولة إلى أخرى، يسامر هذا ويداعب ذاك، نشيط دؤوب، كأنه رقاص ساعة، لا يكلُّ ولا يملّ... قصته المشوقة عن الصور الخليعة التي ألصقها على جدران الحانة، لا نملُّ سماعها واستعادتها، ففي كل مرة، يضيف إليها بهارات جديدة.. "مارلين مونرو" تطاير ثوبها الهفهاف الأبيض، وانحسر عن ساقيها العاريتين... "إستر وليامز" السباحة العالمية، تمددت على شاطئ "ميامي" تستر جسدها العاري بورق التوت... "ريتا هيوارث" كادت تتمزق ثيابها الضيقة على جسدها "سبحان الخالق"، تركب حصاناً أشهب يسابق الريح... صوفيا لورين، جينا لولو بريجيدا. أشهر نجوم السينما في مشاهد غرامية حارة مع حبيبات القلب... جيمس دين، روبرت تايلور، روك هدسن، تيرون باور،... كلارك جيبل... بسبعة فرنكات تسافر إلى هوليود، تسهر حتى الصباح مع نجومها ونجماتها، مع الجسد العاري، امرأة من نار، القبلات المجنونة...." فيه أرخص من هذا"... يُتبع أبو ناصيف عبارته الأخيرة، بضحكة مجلجلة، تصطدم بضحكنا، يرتج لها سقف الخمارة وجدرانها، تكاد تُطبق علينا، ونحن لاهون عنها، سلاطين زماننا... انتبهت أن مضيفي، أخذ ينظر إلى ساعته بضيق، خفت أن أتجاوز ربع الساعة المخصص لي، فبادرته على الفور: -سيدي... أبا نضال... كلمتُك لا تصير اثنتين عند وزير التربية، لقد دبرتُ عملاً في الخليج.. لي طلب إحالة على الاستيداع عنده، لن يوافق عليه إلا بتزكية منكم.. هذا رقمه وتاريخه... -عيّن خيراً، بعد أسبوع على الأكثر سأرد لك الخبر.. شكرته، ودعوت المولى عز وجل أن يديمه ذخراً للضعفاء، وصوتاً لمن لا صوت له.. ثم نهضت مستأذناً بالانصراف.. فجاءه الفرج، وافتر ثغره عن ابتسامة عريضة مشرقة... ولا أظنني مخطئاً إذا ما زعمت، أن تلك اللحظة، كانت متعته الوحيدة، طوال هذا اللقاء الممل... عندما وصلت إلى منتصف الصالون، وتسلمتني مدبرة منزلـه، استوقفني وأشار بيده إلى الكيس الأسود الأنيق، المركون على المقعد الوثير الذي كنت أجلس عليه. ثم قال: -لقد نسيته... أومأ إلى مدبرة منزله أن تجلبه.. فاستدركت قائلاً: -إنها هدية رمزية متواضعة، صحيح أنها ليست على "قدّ" المقام، ولكن أرجو أن تجبر بخاطري، وتقبلها مني... تناول الكيس بيده، أخرج منه زجاجة "ويسكي"... قلّبها بين يديه، أعادها إلى الكيس، ثم قال بعفوية ظاهرة: -أرجو أن تقبل اعتذاري.. إنني لا أذوق هذه الأنواع، لا أستسيغ طعمها.... مشروبي "سبيسيال" معتق... إذا تذوقته مرة أدمنت عليه... صحيح أن أسعاره "هاي" تعادل ثلاثة أمثال النوع العادي، ولكنه لذيذ يعدل المزاج.. في القبو عندي صناديق مختومة منه... التفتَ إلى مدبرة المنزل وقال: -افتحي صندوقاً واجلبي زجاجة منه للأستاذ... ثم أردف وهو ينظر إلي: -خذه معك هدية مني.. سيعجبك طعمه حتماً... قلت بأدب: -لا والله شكراً جزيلاً... لقد غمرتمونا بفضلكم... قال: على راحتك.. ولكن هذا لا يمنع أن تجربه مستقبلاً. وستعرف أن معي كل الحق... ولا تنسَ أن تحمل كيسك معك!! تشرين الثاني 1998 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |