|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
لا أســــرار بيننا عدت من عملي، أتمزق غيظاً، قزّمني مديري بتصرف فوقي... لا أخلاقي... لم أجد غيرها أبثه شكواي.. سمعتني حتى النهاية، أطرقت صامتة، توجعت، لم تستسغ ما جرى.. صدرها الحنون ويدها العطوفة بلسم لآلامي، وشفاء لأحزانيْ... انتفضت في وجهي، صبت جام غضبها علي، سفهت آرائي، بينت سقم منطقي... كدت أتسبب لها بصدمة عصبية.... عربد قلبي، كبحت جماحه، حبست أنفاسي، ضغطت صدري بيدي... رسمت ابتسامة، اصطنعتها لوجهي.. ربتُّ على كتفيها، فرشت صفحة عنقي وسادة لدموعها، فتحت صدري لشلالات شهيقها وزفيرها... في النهاية رضيتْ عني، وأخذت تناصرنيْ على طريقتها: -لقد سكتَّ عن حقك، فاستخف بك هذا الخنزير، لو كنتُ مكانك لصفعته.... وبما أنك مسالم تكره الخشونة، فلا أقل من أن تخدش طاووسيته، تحدجه بنظرات قاسية، تصفق باب المكتب في وجهه... -ولكنه يا زوجتي العزيزة، ذو شكيمة ووزن...إنه رئيس المصلحة كلها، ولست سوى موظف بسيط، بإشارة منه، يخرب بيتي على رؤوس الأشهاد... -"البلد فيها نظام... محاكم... وزير... و... ليست فوضى كما تتوهم... إذا تطورت القضية، اشكه إليهم... سينظرون في مظلمتك، وينصفونك حتماً".. حاولتُ من جديد ألا تجلدنيْ بتساؤلاتها وتوضيحاتها وحلولها الناجعة، فقلت: -الموضوع أبسط من أن يحتاج هذه المستويات العليا.. فقد انتهت المشكلة على خير وسلامة، هنا حفرنا وهنا طمرنا... -أوتريد أن تلملم شعث الفضيحة... لقد تأخرت كثيراً يا عزيزي... تذكرت أخيراً، أن كل شيء انتهى، بكل بساطة.. أغمدت تعليقاتها في وجهي نصلها القاطع، واستعاد صوتها حنجرة العاصفة، ورمحت من عينيها مناجل تحصد سقط الكلام: آه، لو نظرتَ في المرآة إلى وجهك المكفهر، ساعة دخلت المنزل، لألفيته أشبه بوجه بومة أو قرد... سكتتْ قليلاً تجمّع نفسها من جديد، وقد انفرجت شفتاها عن مغارة، تقذف حممها، من لسان أشبه بمبرد ذرب، غادره ملمحه الإنسانيْ: ياحسرة.. كنت أنتظرك على الغداء، وقد حضّرت لك طبق طعامك المفضل.. سجينة طوال النهار بين أربعة جدران، أمُنّي النفس أن أتذوق منك همسات حنان، أو حكاية، أو نكتة أو طرفة، حدّثك بها زملاؤك، أو حادثة مهمة، تشعرني بمكانتي عندك أو تلمّح إلى أنك كنت تفكر بي على الأقل، تخفف من غمي وهمي ووحدتي... جئتني كالعادة منهوك القوى متعباً من العمل، تشكو بوجه كالح عبوس ينقّط سماً.. وتحمّلي يا منكودة الحظ، إن بقي لديك رمق كي تتحملي... تورمتْ حنجرتي لكثرة ما ابتلعتْ من تسويغات، لن تجد لها صدى، فاختنق فيها كل رد.. أرتج عليَّ تماماً، لم أعد أدري، بماذا أعتذر أو أتعلل... عرفت أنني مكبل بورطة لعينة، فوجمتُ، وسكتُ، وشلُ دماغي.. أشحت بوجهي، تشاغلتُ عنها.. رتبت ملابسي... فرزت الصحف والمجلات عن الكتب... علها تعتقني لوجه الله... لم تطل تلك الحصة الصامتة السعيدة، إذ سرعان ما أطلقت لسانها من عقاله: العين مغرفة الكلام... مالك أدرت لي قفاك؟!! أقبلت عليها هاشاً باشاً معتذراً.. فعقبتْ: لقد اعتدنا الصراحة، إلى درجة الوقاحة، أليس كذلك؟!... هززتُ رأسي: أي نعم!!.... -لم أظن يوماً أنني تزوجتُ رجلاً ضعيفاً يبتلع الإهانة، ويا دار ما دخلك شر... هذه لا يفعلها إلا الجبان الرعديد، وأنت لست كذلك، لا سمح الله... قطبتْ جبينها، ودورت عينيها، وأخذت تتكلم من مسارب ظنونها، حيث اختلط الشك باليقين: في البيت صوتك يقصف كالرعد، تكاد تضرسني بأنيابك، لأي تصرف، تعتبره غير لائق بحقك... وفي مؤسستك أنت أنعم من بطن القطة... ألا تحس بالتناقض؟! فسره لي... كلي آذان صاغية!!... طالت حفلتنا الكرنفالية، وأُسقط في يدي، واستسلمت صاغراً، بعد أن ناضلت نضال ثعلب كهل، وقع في قبضة صياد ماهر، تاجر فراءٍ محنك... فأين المفر؟!!... من ليلتها عقدت العزم، ألا أبوح لها بسر من مكنونات نفسي، مهما كان تافهاً.. وإذا ما ضُبطت يوماً بالجرم المشهود، فقدوتي سائقو السيارات الفارهة من أنجال المسؤولين، يشعلون غمازة الضوء الأيمن، لينطلقوا يساراً بأقصى سرعة... مرات ينازعنا الحنين، أن نعود سيرتنا الأولى، نفتح بوابتيْ قلبينا المغلقين... فتضيعنا متاهات ثرثرتنا الفارغة... نحس أننا انزوينا في صومعتين متباعدتين... شباط 1999 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |