شـيخ الشباب - سحبان قدري العمر

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

يا ولــد

هدَّأ أبو وليد أعصابه، وقال لزوجته، وهو يحتسي فنجان قهوته الصباحي:‏

-"القضية لا تُحل بالصراخ والعويل والضرب بالعصا، وأن نزرّق بدن الصبي، أو يسلم الروح بين أيدينا، الضرب والصراخ سلاح الضعفاء والعجزة، ومن ليس لهم منطق أو حجة أو قدرة على الإقناع... أحضري ابنك إلى هنا، وسوف أفتح له عقله المغلق بكلمتين هما مربط الفرس"... كوّر أبو وليد قبضة يده اليمنى، وفرد سبابته وضم إليها إبهامه، وأخذ يهزها هزاً متواتراً:‏

-يا ولد!!.. لماذا ترقص قدميك، مثل الراقصة والقرد.. تأدّب، وقفْ باحترام في حضرة الذي "بَزَركْ"...‏

تجهم وجهه واكفهر، وحزم أمره، فقد قرر أخيراً أن يضع نهاية بتّارة، لتصرفات ابنه الصبيانية، التي طال تحمله لها:‏

-يا ولد.. إذا عدت ثانية، وكررت ما فعلته بالأمس، فسوف أخاصمك، وأقاطعك، ولن أتحدث معك أبداً...‏

سكت لحظات، وانتفخ مزهواً بنفسه، وبحسن محاكمته، ووضعه الأمور في نصابها، فقد نسف المشكلة من جذورها... وانتبه إلى زوجته فساءه منظرها، وهي تحاول أن تخفي ضحكة مستخفة، وفاته أن يلاحظ ابتسامة واضحة ارتسمت على وجه وليد...‏

مسحها من رأسها إلى أخمص قدميها، وقال مؤنباً:‏

-يا غشيمة، لو ذهبت إلى المدرسة، وتعلمت كيف تفكين الخط، لأدركت أن الضرب ممنوع، وأن للتربية الحديثة أصولها...‏

-ما شاء الله "يا خزيت العين"، لقد صرت "مثقفاً"، "ابتدائية ما معك"... حاشا لله، لقد نسيت، فأنت كما يعرف الجميع خريج جامعة "أُبصم"...‏

أشاح وجهه عن زوجته بغضب، وخاطب ابنه:‏

-أغرب عن وجهي... المعيشة معك ومع أمك تقصر العمر...‏

مطت زوجته شفتيها وقالت بسخرية:‏

"والله، لقد أحسنت صنعاً، أخفت الصبي، وقطعت نياط قلبه... الحقيقة صار الولد مثل الصلاة على النبي، ماشي مثل الألف.. يا رجل صار عقلك "تنك لوجيا". صفق أبو وليد الباب من خلفه بقوة، وغادر منزله، وتركها تثرثر، وأخذ ينعت حظه العاثر، الذي رماه بامرأة قليلة العقل طويلة اللسان جاهلة.‏

"صبرك عليَّ يا امرأة" ستفرج عما قريب بإذن الله، وسأتزوج عليك، وأجلب لك ضرة تريحني منك"....‏

***‏

وليد الابن البكر، الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، ظل ساهراً مع أصدقائه خارج المنزل حتى الواحدة بعد منتصف الليل، أمه لم يغمض لها جفن، ولم تذق طعم الكرى، بينما غطّ أبوه في نومٍ عميق... كاد صبرها ينفد، عندما سمعت خطواته تتقافز على درج البناية.‏

ارتدت إليها الروح بعودته سالماً، فقفزت من فراشها كمن لدغته أفعى، اختبأت خلف باب الدار، أدار ابنها المفتاح ببطء وحذر، خلع حذاءه، ودخل بخفةٍ على رؤوس أصابعه. وبسرعة البرق انهالت عليه بالعصا... تشنجت أعضاؤه، ارتجف خوفاً لهول المفاجأة. ثم علا نحيبه، استغاث طالباً من ينقذه، واختلط بصراخها....‏

استيقظ الأب مذعوراً على أصوات المعمعة، وعندما صار وسط الميدان، وقف بين الجانبين وصاح فيهما:‏

-اخرسا.. لقد أيقظ عويلكما الجيران في طول الحارة وعرضها، فضحتموني في هدأة الليل، وقرفتموني حياتي... كل يومين ثلاثة، لا يهنأ لكما عيش، إلا إذا مثلتما فيلماً معاداً مكروراً... ساد هدوء نسبي فتابع:‏

-أنت لا تعرفين كيف تربين أولادك.. لست امرأة حضارية... في أوربة حتى الكلاب، لا يتجرأ أحد على ضربها .‏

قاطعته ولما تسترد أنفاسها بعد: يا سلام على تحضّرك وتربيتك، فسّد أخلاق الصبي. كفاك ما أنشدته صباح مساء: لا أريد لأولادي أن يهانوا كما أُهنت في صغري... الحمد لله، الذي لا يحمد على مكروهٍ سواه، لقد طرد الصبي من المدرسة بعد توالي رسوبه، ولم يتقن حتى الصنعة التي يحبها واختارها بنفسه، وصار يسهر حتى الصباح، وربّك وحده يعلم، ما يخبئه الغد....‏

حدجها بنظرةٍ قاسية، ثم التفت إلى وليد ورمش عينيه يهتز: قم واغسل وجهك، ثم اذهب إلى النوم لا تنس أن حسابي معك في الصباح سيكون عسيراً....‏

* * *‏

ما كاد وليد يحسُّ أن أباه قد خرج من المنزل، حتى عاد إلى سريره، وأقفل على نفسه باب غرفته، وعلا شخيره ثانيةً...‏

-يا أمّي، يا حبيبي... لقد تأخرت على عملك، معلمك سيقيم الدنيا ويقعدها، لا نريد أن نسمع من أبيك محاضرة أخرى... انهض يا روحي، قم وتنشّط ولا تتكاسل... أخذت تدق الباب، ثم سرّعت الوتيرة، وأتبعتها خبطاً برجليها، وتسارع شخير الولد كمتوالية هندسية... كاد الباب أن يكسر. نفد صبرها، فازدردت ريقها وانثال لسانها: قم يا حيوان، يا حمار، يا دب... لقد بُحَّ صوتي... هنا بيت وليس زريبة....‏

خاف وليد أن تتكرر قصة العصا على الريق، فهدّد أمه، إذا ضربته ثانية أن يشكوها إلى أبيه، فأعطته الأمان...‏

عندها فتح عينيه وعركهما... تمطّى في فراشه، وتثاءب بملل وضجر، ثم انزلق من السرير ببطء.. تناول طعام الإفطار، ارتدى ملابسه على أقل من مهله، وقف قبالة المرآة طويلاً يرتب هندامه.. ثم سار الهوينا باتجاه الورشة...‏

شردتْ أفكار الصبي، وتكاسلت خطواته، واكتأب، وهو يسمع أذان الظهر "لقد تأخرتُ كثيراً، هذه المرة لن يفوِّتها معلمي بسهولة، سيضربني وتكون بيننا ساعة سماعة"... ولشدة استرساله في هذه الهواجس، كاد يقع في حفرة بجانب الرصيف، ويصطدم بعمود الكهرباء...‏

فجأةً غيَّر الصبيُّ اتجاه سيره، انعطف بسرعة إلى شارع آخر، أخذت تدبُّ في جسده الفتوّة والحيوية والنشاط. توهج دماغه بفكرة ألهبتْ غرائزه، فشعَّتْ عيناه وسال لعابه" لن أخطو نحو الورشة خطوة أخرى، سأكحل عينيَّ وأعين الشباب، بفلم آخر للكبار من أفلام "الفيديو" الدسمة"...‏

آذار 1998‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244