شـيخ الشباب - سحبان قدري العمر

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

وإلا

كنت أظن سيادته، يبث الشائعة بين أقرب مقربيه، يهمس في أُذن سائقه، حاجبه، مدير مكتبه، عامل الهاتف، مسؤول الاستعلامات: فلانٌ حرامٍ مرتش، انشروا هذا الخبر بين الموظفين.‏

كنت أخمّن -كما يخمن غيري- أن هناك مفكرة سنوية، خبأها في مكان أمين، نظمها وخططها وفهرسها، دوَّن عليها أسماء موظفيه الدسمين من ذوي المراكز الحساسة، الذين يسهِلون مصالح عباد الله الصالحين، على مبدأ أَفدني أفادك الله...‏

في أول الصيف يحلو اللقاء مع مدير الإنتاج، وفي منتصفه تتجدد المحاورة مع مدير العلاقات العامة... أما في عزِ برد الشتاء القارص، فلابد من وقفة متأنية مع لجنة المبايعات وشعبة اللوازم، وفي نهاية الخريف وقد سوقت محاصيل الموسم، فهناك مراجعةٌ دقيقة لقيود إدارة المستودعات، ومدير المحاسبة، وسجلات المرآب... الخوف كل الخوف أن يوضع قرش واحد في غير محله...‏

من حسن الطالع أنني بقيتُ طوال عهده غير مقربٍ منه، كنت لا أزوره إلا في المناسبات العامة مع جماهير الموظفين، من العيد إلى العيد إلى المرض الشديد... أسمعُ أخباره من شفاه الزملاء ومن الهمز واللمز، يُجمع الجميع أن القربَ منه نارٌ حارقة، والبعد عنه غنيمة، ومن كان محظوظاً أو مرضيَ الوالدين، لا يتذكرُ اسمه أبداً... لكن الدنيا لا تدوم على حال، فقد شاءت ظروف العمل أن أضطر إلى مذاكرته في موضوع ملح، وأن اجتمع به في جلسة مطولة مع أربعة من كبار موظفيه الدسمين... نصحني زميل غيور علي -جزاه الله عني كل خير- خاف أن تحمر عينه، إذا ما دخلت عليه خالي اليدين...‏

فحملتُ معي هديةً متواضعة، نالت رضاه لحسن حظي، وبقي تسديد ثمنها عبئاً على راتبي لأشهر متتالية. في بداية الاجتماع، وقبل أن نخوض في أية مناقشة أو حديث، بدا سيادته متجهماً قلقاً عبوساً قمطريرا... هز رأسه وقد ظهرت على وجهه علائم الاهتمام والغضب:‏

-"أنا من موقعي المتواضع، وباعتباري حامياً لأموال الشعب، التي هي أمانة في عنقي، في هذا القطاع الهام من الوطن العزيز الغالي... أسمعُ أخباراً لا تبشر بالخير أبداً... نُميَ إليَ من مصادر موثوقة، أن زميلكم العزيز مصطفى حرامٍ ومرتشٍ". سكتَ ملياً يتفرس الوجوه، يطالع فيها تأثير القنبلة التي ألقاها فوق الرؤوس، وقد ازدادت تعابير وجهه جدية ممزوجة بالضيق... فألفى القوم صامتين، كأن على رؤوسهم الطير...‏

ولما اطمأن إلى أن الجو تلبد بالغيوم، وتسربت إلى الوجوه رعدة الخوف، أردف بهدوء وصوت رخيم:‏

-كلام فارغ!! مصطفى فوق الشبهات...‏

سكتَ ثانية وقد خشيَ من بوادر الارتياح التي بدأت تسري في قلوب السامعين، فتصنَّع الجدية والوقار وقال بنبرة حادة:‏

-ولكن!! إذا كثرت أمثال هذه الشائعات، فسوف تؤثر على سمعتنا جميعاً!!!‏

***‏

رن جرس الهاتف في مكتب رئيس مركز التوزيع بمدينة "تل الوسعة"...‏

صرخ عامل الاستعلامات من الجانب الآخر: سيادته على الهاتف،!! ارتعدت أوصال رئيس المركز، تناول السماعة بيد مرتجفة، وقال بلطافة متناهية:‏

-احتراماتي سيدي، كيف صحتكم وصحة العائلة، إن شاء الله الجميع بخير...‏

قاطعه صوت صاعق مزمجر:‏

لا سلام ولا كلام بيننا.. سأرسل لك التفتيش غداً.. وبإذن الله سوف يحيلونك إلى المحكمة الاقتصادية...‏

بالكاد استجمع أبو عصام شتات نفسه وتساءل بلهفة واسترحام:‏

والله لم أفعل شيئاً، لا.. أد.. ري.. يا سيد.. ي.. بالله.. عليك ما هي تهمتي؟!‏

وضع سيادته راحة كفه على سماعة الهاتف، استدار نصف دورة على كرسيّه الوثير، فالتقت عيناه بعيني أقرب جلسائه إليه:‏

-والله لقد نسيتُ من كثرة المشاغل.. صحيح.. ماذا فعل؟!‏

فكر هنيهة ثم همس في أذن سيادته بصوت خفيض:‏

-سيدي، لقد تأخر شهرين كاملين عن إرسال التقرير الإحصائي الربعي!!‏

ظهرت علائم الرضا والاستحسان على وجه سيادته، فصاح في الهاتف، وعيونه تقدح شرراً: إهمالٌ وتقصير وسوء إدارة.. أين الكشوفات الإحصائية؟!‏

ثم أغلق الهاتف في وجهه، قبل أن يسمعه، وهو ينوح ويسترحم على الطرف الآخر من الخط: -"حاضر يا سيدي، على عيني ورأسي.. سأكون أنا والتقرير عندكم، على الفور"... لملم مدير المركز بقاياه المبعثرة، تناول أربع حبات مهدئة، مع إبريق كامل من مغلي اليانسون، حوقل وبسمل على نية الفرج والتوفيق.. ثم جهز حقيبة سفره على عجل، ولم ينسَ أن يحشو حافظته بما يلزم من الفيتامينات المنشطة. توكّل على الله، ركب سيارته الفارهة، وكان عداد السرعة يقفز إلى ما فوق المئة والستين معظم مراحل تلك الرحلة الميمونة...‏

في صباح اليوم التالي، و"قبل الشحادة وابنتها" كان في الصالة الفسيحة ينتظر سيادته على أحرِّ من الجمر... وكالعادة ظل منسياً في زاويته المعهودة يتخبط بين أفكاره وظنونه، تشرِّقُ به وتغرِّب، تنزله من أعلى عليين إلى أسفل سافلين... كاد ينتهي الدوام، ويفقد كل أمل له باللقاء، حين اقترب منه الحاجب وأومأ إليه قائلاً: تفضل ادخل!!...‏

استقبله استقبالاً فاتراً، بابتسامة صفراء باهتة لم تتوضح ملامحها على شفتيه. وقبل أن يجلس على المقعد الوثير حيث أُمر، ناول سيادته حافظة الجلد المنتفخة وقال بمنتهى اللطف والاعتذار:‏

تحياتي سيدي.. والله لم أنسَ نصيبكم من الصفقة الأخيرة...‏

ما أخرني عنكم ظروف طارئة فوق طاقتي، لا أستطيع درأها... مخدومتكم زوجتي ومخدومكم طفلي، كانا في المستشفى... نحن لا نستغني عن أولي الفضل أبداً!!...‏

التفتَ إليه وقد بدأتْ تتبدلُ ملامح وجهه، وتلوح عليه بوادر الانتعاش، أغمضَ عينيه نصف إغماضة، سرَتْ في جسده قشعريرة لذيذة...‏

-الحمد لله على سلامتهما.‏

سكتَ لحظة ثم قال:‏

ولكن يا أبا عصام، لابد من ترشيد الاستهلاك، لا تضطرنا ثانية إلى الإسراف في استعمال الهاتف... وإلا...‏

حزيران 1998‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244