|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
شــــــيخ الشـــباب إنه الحلم الذي كان أمنية، فأضحى حقيقة، سوف تتخلصُ شهراً كاملاً من روتين حياتك المقيت. عِشْ لحظتكْ وتمتعْ، أسدل الستار على ما مضى، واجعل بينكَ وبين المستقبل سداً، أشبه بسورِ الصين العظيم... أنتَ تبتعدُ عن المشكلاتِ والمضايقاتِ في العمل والبيت والشارع، ومعَ الزوجة والأولاد... لقد حطّت الطائرة في المطار، أُنفشْ ريشك كالطاووس، فأنتَ للمرة الأولى ستقضي إجازتك السنوية، أشبه بالأثرياء والأكابر... لولا، ولولا، ولولا، لكلّفت خطاطاً، كتب "بالبونط العريض" عبد الجبار يقضي إجازته في أوربة، نسخة تعلقها في صدر مكتبك المتواضع، والثانية تطبعها على قميصك كلاعبي كرة القدم، والثالثة على جدار منزلك القديم في قريتك الصغيرة... أنتَ اليوم مثل أنجال المسؤولين، الفرقُ بينكما بسيط هم يأخذون حقهم من الحياة، فيغبونَ من المتع ما يشاؤون، وأنت تستغل غفلة من الدهر فتسرقُ أياماً منه. أهلكَ وجيرانك أقصى ما حظوْا به "سيران" إلى عين الخضرة أو الفيجة، زوادتهم البطاطا المسلوقة والمقالي، وربما ظفرَ أحدهم بيوم في الزبداني، ظلّ يحدث عنه أهل قريته طوال الصيفية... أما أنت فسلطانُ زمانك وأوربة طوعُ بنانك... شممت رائحة البحر، وقد دلقَ لسانه إلى البر، واخذَ يرْعفُ بقطراته البيضاء، وزفرتْ أنهارُ الجليد، وهي تنزلقُ متلوية في وديانه، تصطخب أمواجه الرخية، تتلوى بخشوعٍ بين سيقانِ الفتيات المفترشات الأمواج اللجينية، ضحكهنَّ فسحةٌ من المشاعر، وملمسهن نارٌ تصهر قشرتكَ الشرقية الصُلبة... الرملُ المبللُ احتضن وجهكَ... ابتعدت إلى الخلفِ، وارتميتَ على الحشيش مسحوراً بالشذى المتدفق تحت قدميك، ثم اتجهت إلى رابية خضراء والشمسُ الذهبية تشق طريقها مجهودةً عبرَ الغبش الرمادي... مناظرُ خلابة تأخذ بلبّك، غاباتٌ كثيفة تخللتها المروج الخضراء والصفراء، مطرزةٌ بالأزهار من كل صنف ولون... بحيراتٌ طبيعية أَثقلتْ جسدَ الأرض، انسابتْ مياهُها متدافقةً سريعة لاغِطة تصطفق ضفافها، وألسنةُ أمواجها تتدفقُ من أفواه محمومة، في رؤوسها ومضات ماسية البريق، كأنما هي رعشات جفون حور عين... تعبر راحاتها المراكبُ واليخوتُ، تظنُّها للوهلة الأولى بحاراً، تمشط سطحَها عيناك تصيبُهما الغِشاوة، تحاول أن تلملم بداياتها المترامية الأطراف، يرتد إليك بصرك خاسئاً وهو حسير، قبل أن يحيط بذُرا نهاياتها... عند الغروب تقف محتاراً، وقد عقدت الدهشة لسانك، وجمّدت عقلك، فالشمس غرست عينيها في سرير البحر الهادر، تلقي بوشاحها الأرجواني على أديمه... تسأل نفسك أيُّ المتنزهات تقصد، وفي أي المنتجعات تسترخي وتستجم؟! تتسربلك الحيرة، فكل واحد منها، أشهى وألذ من أخيه!! مَتِّع ناظريك بمرأى فتياتها الفارعات الطول، ذواتِ القدود الممشوقة، والصدور الناهدة المكشوفة، عيون زرقاء كالبحر الصافي، أو خضراء كالمروج والحقول يكحِّلها نعاس مستديم... نساء من اشتعال وخصب، شعرهن سنابل قمح أو قطع شفق هاربة عند المغيب، لم تستطع فساتينهن كبح جموح أجسادهن اللاهبة الشبقة، ممن يُسبين بغنجهن ودلالهن القديسين... والأهم من هذا وتلك، أن رجلاً ناضجاً في مثل سنّك، قادماً من بلاد الشرق الحارة، بلاد السحر والأسطورة، يثير شغفهن وشهوتهن ويضحِّين بكل شيء، ليرافقنه إلى آخر الدنيا... ما تزال تظن نفسك في حلم، أنتَ لم تغادر قريتك الصغيرة المتربعة أسفل الوادي، الذي يشمخ فوقهُ قاسيون... التنورُ القديم المهجور يربض في الزاوية الجنوبية من الفسحة الواسعة، التي تمتد قبالة غرفتك المبنية من القش والطين، مرَّتْ عليه السنون، فحولته إلى خراب يباب، بقايا الحطب المسوس المنخور، وشظايا الفحم مرمية في أخاديده وحُفره، بابُه ألواح خشبيةٌ مُهترئة تهزها الريح يمنة ويسرة. ضربات أمك ترقق العجين، هسهسة اندفاعات النار، تلتهم الحطب. -أينَ مددت رأسك؟! أو تظنه قرص عجين؟! أتحبُ أن يُشوى ويغدو رغيف خبز؟!... تلتصق بوالدتك -رحمها الله- وهي تزجرك، لقد أضناها التعب والإجهاد، وهي تخبز آخر وجبة، سفعت وجهها نار التنور، الذي غلى كمرجل لاهب، وسال عرقها ممتزجاً بدمها الأحمر القاني، كاد ينزف أنهاراً من وجنتيها وجبينها... تطاير الشرر من عينيها وهي تحمل طفلها بعيداً عن النار والدخان والرماد... صراخُكَ يترددُ بين جوانحك: ما هذه الحياة القميئةُ، في بيت طيني متهدم، حاصرته عمارات حديثة من جهاته الأربع، إطلالته الوحيدة على هذا التنور اللعين المهجور، تنور الغربان والأفاعي والعفاريت... أنت في "وارسو"... حافظة نقودك فيها تحويشة سنوات بطولها، تؤمن لك سياحة خارقة للعادة، وصديق عمرك فواز عاش هنا خمسة عشر عاماً. إنه الخبير بمفاتيح أوربة ومداخلها ومخارجها. أمورك على خير ما يرام، كنتَ تظن نفسك أبا النحوس، وها أنت تشعر أنك أبو السعود... تتمنطق آلة التصوير، تجري، تبحث، تكتشف، تلهث. تشعر بالإشباع، تدّعي أنك أصبحت أعرف بمعالم البلد الهامة من أهلها. تسترخي أعصابك، وقد ترامقتِ النجومُ خللَ الغيوم المتهدلة. وارتمى القمر بنشوة في أحضان غيمة عاشقة، واختلجتْ المياهُ في القنواتِ، وتسلل إلى سمعك خرير أمواجٍ مبحوح مترقرق بهدوءٍ على شاطئ البحيرة، تلاحقُها بنظراتك حتى تتلاشى بهدوءٍ على الشريط الرملي... -عزيزي فواز، الناس يسهرون في "الديسكو" حتى الصباح، فلتختر لي ألطفها... حيث القصف والصيد واللهو على أشده... والأفضل في فندق خمس نجوم... تسربَتْ إلى نفسك بذور الريبة والشك، فاقتراحك قوبل بفتور منه، ونَّمت ملامحه عن الامتعاض، وشعرت أنه جاملك دون اقتناع، وأنتما تدفعان رسم الدخول الباهظ، وأقنعتَ نفسك: إنه لا يرغب في دفع مبلغ كبير لأماكن ملّ دخولها... وسط "علبة" الليل، استقبلك دخان السجائر الممزوج برائحة المخدرات وأبخرة المشروبات الكحولية الفائحة في الجو... شعرت بالزهو والفخر، فلطالما تفرجت على أمثال هذه الملاهي في السينما والتلفزيون... وتحقق حلمك فشاهدتها عياناً... أطار لبك منظر الراقصين والراقصات على أنغام الريح اللاهبة والحنان والدفء، وقد التحمت أجسادهم ونسوْا العالم.. كدت تختنق لكثرة ما استنشقت من دخان، سعلتَ سعالاً حاداً، أحسستَ أن أحشاءك، تكاد تُقذف من فوهة فمك، لف رأسك دوار مؤلم، عرج على صدغيكَ وأذنيك، وأدمى عينيك وخشَّب منخريك واحتملتَه.. شربتَ بضعة كؤوس، لعبتْ الخمرة برأسك، هببت واقفاً، اقتربتَ من طاولة مجاورة، جلستْ عليها حوريتان من الجنة، مهدت لغة العيون الطريق إلى الشقراء الجالسة إلى اليسار، فتاة ذات نظرة مشجعة، وابتسامة لا تخلو من معنى الاستجابة، تضرَّج خداها بدم مزقه سحاب الشفق في يوم حزيراني رائق، مساحاتُ جسدها المعروضة سلبتْك عقلك... تلقيتَ دعوة صامتة منها إلى الوصال.... كفاكَ ثقلاً، ويكفيها تشوُّقاً.. اقتربْ منها بثقة ورباطة جأش، وأطفئ نار شوقها... اعتذرت منكَ بلطفٍ وعفوية، فلم تبال.. إنه نوع من الدلال الأنثوي، حتى في أوربة المتحررة، يتمنعن وهن راغبات.. من البدهي أن تكرر الدعوة ثانية، برجولة شرقية، تثير شبقها... تمتد إليك يد من خلفك، تسحبك بقوة، وصوت رفيق، يهمس في أذنك بحزم وجدية: - لقد تماديتَ يا صاحبي... نصف ساعة وأنت تُريق ماء وجهك... هنا لا تردد... نعم، نعم... لا، لا.... إنه صوت صديقك فوّاز، الذي أخذ يدفعك أمامَه، وسط جموع الراقصين داخل حلبة الرقص، يداري امتعاضه تجاه تصرفاتك المخجلة بابتسامة مقتضبة، ثم يركنك إلى طاولة متطرفة، "طارت السكرة وجاءت الفكرة".... استيقظتَ من أحلامك الوردية، وصحوت، كأنك لم تشرب قطرة واحدة..... تلك الحادثة، نكأت جراحاً تراكمت.... فمنذ وطئت قدماك أرض أوربة، أحسستَ أنك غريب الوجه واليد واللسان، فانتابك كمدٌ غريب، وقد أُشبعتِ الغيومُ بتدرُج ألوان المغيب.... وكابرتْ... عندما كنتَ على ساحل بحر الشمال، قرب شاطئ مدينة "هامبورغ" رفضتَ أن تخلع ملابسك وترتدي "مايوه" البحر، خجلاً من منظر جسدك المترهل، وأصبحت مثل العين العوراء. بملابسك الكاملة، وسط آلاف الأجساد العارية. وفي النُزل الهادئ، المطلّ على بحيرة "كيكش"(1) ، أحاطك بحر يثرثر فيه الماء على الشطآن، وتدلت أزهار اللّيلك عناقيد بنفسجية تداعِبُ رأسك، والهواء دافئ معطر، ووجهك متقلب بين الماء والسماء في الأفق البعيد يلتهم السحب.... أخذتَ تشعر بانقباض في الصدر وغصة في الحلق لدى استيقاظك في الصباح، فعزوتَ ذلك إلى حسدِ الحُساد وغيرة العذّال من أقرانك في الوطن.... لما تنامى شعورك بالضيق والقلق، وأصبحتَ شروداً، وتناسلت الغربة بين أضلاعك، وتدفقت أنفاسك لاهثة بفوضى عارمة... كنتَ تحاول أن تطرد هذه الأحاسيس، بكل ما أوتيته من قوة ومجالدة... القشة التي قصمت ظهر البعير، كانت في "الديسكو" أنتَ "دون جوان" زمانك، لم تلفِتْ نظرَ أيٍّ منهن... عُدْتَ تتفرس في الوجوه ثانية، الجميع في عمر الورود، ليس بين أسراب الصبايا والشباب، من تجاوز الخامسة والعشرين.... الصورة تزداد وضوحاً رغماً عنك... لقد تجاوزتَ الخمسين، أنتَ وفواز الكهلان الوحيدان هنا.. هذه المرَّة تتبدل الأدوار، أحسستَ أنكَ تحرّرت. تقتاد فوازاً تدفعه أمامك خارج الفندق، تضمكما الساحة العامة المكشوفة، تصفعُ الريح الباردة وجهك، صفعات سوط جمدَّهاُ ثلج نادف، يأكل رؤوس أصابعك، الهواء يصفِر هازئاً منك، ناشراً أشرعتك الممزقة في الفضاء... ورغم كل ذلك أخذتَ للمرة الأولى تستنشق هواءً صحياً نظيفاً... تعتذر من فواز وتعاتبه وجبينك ما يزال يتفصَّدُ عرقاً: -لماذا لم تقل: إن هذا المكان، ككل أمكنة اللهو الماتِعة، لا يرتاده إلاّ صغار السن؟!!... -أوَ تريدُ أن ترجع إلى النكد.... أنتَ شيخُ الشباب.... ألم نتفق أن نخلّف وراءنا كل شيء، وننسى، لنلهو ونمرح كما يحلو لنا... -أظن أننا كنا نطرز أحلامنا.... نخادع أنفسنا.. فنحن نعلم يقيناً أنَّ ذلك لن يحدث، طالما حملنا دماغنا معنا.. ليتنا استطعنا أن نتركه وراءنا في قريتنا الصغيرة.... أتذكُرُ ليلتَها حين رجعتَ إلى غرفتك، وأقفلتَ على نفسك الباب بالمفتاح، تجافى جنبك عن مضجعه، تنظرُ إلى الصحارى وراءك فتتوه، وتنظر إلى البحر أمامك فتتوه... تقرأ شيخوختك في وجوه عباد الله، عُدت تبحث عن شطآن العذاب، وأنت راقد في سفن الضياع تُعبُّك، أخذتْ الأشواكَ تفتح في جسدك دهاليز للريح، تقذفك من بحر إلى بحر، تتهاداك الأمواج، غدوتَ وحيداً لا تجدُ من يرِّجع صدى شكواك، تصرخ كطفل فاجر عنيد. يعزّ عليك النوم، يتسرب من نافذتك شعاع مريض متعَبْ.. أين تلك الشواطئ الآمنة ليرسو فيها وجيف قلبك، ويُبتر فوق أمواجها نزيف روحك.. يا نفسي الكليلة لقد ابتعدتِ كثيراً عن موانئ الحب.... تضيء أنوارُ الصباح، لم يغمضْ لك جفن ولم تطرف لك عين... يهيج بك الشوق إلى التنور المهجور، تتقراه أطراف أصابعك، وتتحسسه رموش عينيك... ترتشف قبالته إبريقاً ممتلئاً من الشاي.... يبلُّ صداك، وتتراقصُ أدخنة لفافتك المشتعلة، قبالةَ نيرانه التي ما تزال ملتهبة في أحشائك... فتتسلل من خلف صديقك، الذي لم يقصِّر لحظة واحدة في رعايتك، وتحجز على أول طائرة مغادرة إلى دمشق، مخلفاً بقية إجازتك وراء ظهرك.... كانون ثاني 1998. (1) تقع قرب مدينة بوزنان البولندية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |