شـيخ الشباب - سحبان قدري العمر

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

خط الاستواء

اغرورقت عينا عبد الرزاق بالدموع، وانهمرت على وجنتيه، جرجر روحا ممزقة، لم يبق منها سوى أطلال متآكلة، مشكلته مستعصية، لم يرَ أيّ بصيص ضوء لحلها. جفف دموعه، دعا ربه: أقل عثرتي، يا مقيل العثار.‏

ما عادت تفيده أية رقىً، "استبد به غضب ملأ كيانه، انكفأ على نفسه، وأخذ يهرف في أعماقه: "لقد تخلينَ عنك في المرة اليتيمة التي طلبتَ فيها العون، ليتك تركتهن يمتن جوعاً، بلا مأوى أو لباس، أو رميتهن في الشارع مع المتسولات والمشردات. كل هذا لا يشفي غليلك، ولا يطفئ نارك اللاهبة، وشواظ قلبك النازف، الدنيا اتشحت بغلالة سوداء، والكون غول مخيف، كشر عن أنيابه، والصبر عجب من صبرك، والوفاء جزيرة قطبية في خط الاستواء....‏

سياط لاهبة يسلطها عليك، أعز الناس إليك- أخواتك من لحمك ودمك- لا طاقة لك على احتمالها أبداً، لو عملت قواداً وشغلتهن بالدعارة مومسات- لكنت اليوم من أصحاب الثراء والنفوذ والجاه، ولا أحاجك الله إليهن، ليتعفر جبينك في التراب، وتذوقَ مرارة الذل، ويكون جزاؤك جزاء سنمَّار...‏

***‏

في ليلة تموزية حارة، عز عليك النوم، واشتدت نوبة الإقياء على زوجك. وقد كانت حاملاً في شهرها الثالث، تجاوزت الساعة منتصف الليل، دُق باب بيتك بعنف، نهضتَ من فراشك مذعوراً وفتحته، وإذ بك وجهاً لوجه أمام أمك وأخواتك الثلاث، صفر الوجوه، وقد تبعثر الشعر على الجباه والأعناق، ووهنت العيون، لكثرة ما جُلدت بسياط الدموع، تناثرت بقع الدم المتخثرة على الخدود والشفاه والجفون، وإلى جانبها كدمات وجروح ما تزال تنزف.‏

احتضنتَ أمك المسكينة، قبل أن تنهار، وتسقط مغشياً عليها، فقد بذلتْ جهوداً تفوق طاقتها، كي تتماسك، ولم تصدق أنها أوصلت أخواتك إلى بيتك سالمات. تحدَّب الجميع حولها، وجلبتَ لها الطبيب الذي فحصها، ثم هز رأسه بقنوط. فقد فارقت الحياة إثر نوبة قلبية لم تحتملها، وشغلك مصابك الأليم بفقدان والدتك، عن فعلة أبيك الشنعاء في تلك الليلة المشؤومة.‏

أبو عبد الرزاق، الذي تجاوز الخامسة والخمسين من عمره، كان مغرماً براقصة صغيرة السن، أغوته وسلبته عقله وإرادته، احتال على ابنه عبد الرزاق، فزوجه بعد أن نال الشهادة الثانوية، وتوظف براتب لا يتجاوز الخمسمائة ليرة شهرياً، أجبره أن يسكن بعيداً عنه، في بيت متواضع استأجره في الضواحي، يتألف من غرفتين ضيقتين، أوَاه مع زوجه، كي يخلو له الجو.‏

عقد أبو عبد الرزاق على الراقصة وتزوجا، وبعد العشاء أقفل دكانه وصحب عروسه إلى منزله الواسع، وأوضح لزوجه وبناته، أنّ لها صدر البيت ولهن عتبته، إذا رضين بالمعيشة معها على هذا الحال، فقد يستطيع تحملهن، وإلا فالشارع في الانتظار....‏

أصيبت أم عبد الرزاق بالذهول، وكانت مريضة بالقلب، فتسارع نبضها، وأحست بحرقة في صدرها، ونشف ريقها، وتناوبها صداع ودوار. لكنها ضغطت على أعصابها، وحاولت استيعاب الوضع الجديد ومعالجته بالحسنى، وبذلت قصارى جهدها، للتوفيق بين زوجها وعروسه من جهة، وبناتها من جهة أخرى، لكن جهودها ذهبت أدراج الرياح، فمن البنات كلمة ومن الضرة كلمة، ومن الأب كلمة، استفحل الأمر ووقعت مقتلة عظيمة، امتدت يد الأب إلى البنات، فضربهن ضرباً مبرحاً، وداسهن بقدميه، وطردهن خارج المنزل، وودعتهن عروسه بألفاظ سوقية ملؤها التهديد والوعيد...‏

أقسم عبد الرزاق على أخواته أن يعشن عنده، ولا ينتقلن إلا إلى منزل أزواجهن....‏

وقسّم راتبه الشهري معهن بالتساوي. استقل بغرفة واحدة وأسكن البنات الغرفة الثانية، وكان قد سجَّل في السنة الأولى بكلية الحقوق، فنسي الدراسة ونسي الجامعة. وعمل مساء دواماً إضافياً، ليؤمن دخلاً ثانياً، يتيح لأخواته متابعة الدراسة.‏

"شهوراً وسنين قضيتَها مع زوجتك وأولادك، إذا أفطرتم صباحاً، وفرّتم وجبة الغداء، وإذا تعشيتم مساءً، ذهبتْ إلى غسق اليوم الثاني... تعفنت أسنانكم من الخبز اليابس، والمقالي شمعت أكبادكم بحمى، لا تخفف السنون أوارها، وإذا ما "تبغددتم" فقطعة من "المكدوس" أو قطعتان لكل فرد.. أما اللحمة المشوية فلطالما عطرت أنوفكم أبخرتُها، وأنتم تمرون عرضاً بدكان جاركم اللحام...‏

عليك أن تثابرَ يا عبد الرزاق، إيّاك أن تقصر بالمصروف، نفقات المدارس والجامعة وحسن المظهر، مطالب ملحة، يجب ألا يشعرنَ أنهن أقل من أقرانهن، وإلا فقد تزوغ العيون ذات اليمين وذات الشمال، فينحرفن لا قدَّر الله.. أخواتك كأولادك، بل أهم.. الولد قد يعوض والأخ لا يعوّض أبداً.. أولادك ما يزالون أطفالاً لا يفقهون شيئاً، أما الصبايا فمتطلباتهن كثيرة، والمجتمع لا يرحم..‏

تخرجت الكبرى من الجامعة واقترنت بأستاذها، ورحلا معاً إلى جنيف، ليعملا في إحدى المنظمات المتفرعة عن الأمم المتحدة، ونالت الوسطى شهادة التأهيل التربوي من دار المعلمين، وتزوجت موظفاً يعمل في الجمارك، أما الصغرى فقد تعثرت في نيل الشهادة الثانوية، فعقدت قرانها على تاجر كبير يعمل في التعهدات، بين الخليج وأوربا...‏

ارتحت أخيراً، فقد أعانك الله أن تساهم في تجهيز البنات، وإيصالهن إلى بيت الزوجية، كريمات، مرفوعات الرأس، كما وعدت، في اليوم الأول الذي طرقن فيه بابك... تحدَّرت دمعتان من عينيك: رحمك الله يا والدتي، فقد مت قهراً، وسامحك الله يا والدي، فلو لم تمت مفلساً، بعد أن سلبتك العاهرة كل ما تملك، لرأيت العز الذي تعيشه بناتك، اللواتي طردتهن ذات يوم من بيتك...‏

***‏

كنت راجعاً إلى بيتك وأنت تفكر، كيف حُلَّت عقدتك، وتخرجت من كلية الحقوق، بعد ست عشرة سنة، مرت بطولها وعرضها، وسخرت من نفسك: يحق لعمادة الكلية أن تطلق عليك لقب، أطول طالب في التاريخ، وقهقهت باقتضاب، فقد عودتك الحياة أن تكون مقتصداً في كل شيء، حتى في الضحك..‏

أخذ يتسرب إلى صدرك انقباض لم تدر كنهه، وضج فؤادك بتساؤلات محمومة: هل انتهت متاعبك حقاً؟! أم أن في جعبة القدر، ما يخبئه لك!! لا تكن متشائماً على طول الخط، أنت تُميتُ باكتئابك مدينة بكاملها هذا رأي زملائك فيك، تفاءل ولو مرة واحدة في حياتك، اضحك تضحك لك الدنيا!!‏

لم تكد تنتهي من ترداد جملتك الأخيرة، حتى دلفت إلى منزلك، والتقت عيناك بعيني زوجك، وقد التصق بها صغيرها، وهو يلهث، وشعرت أن الوضع لا ينبئ بخير أبداً. حاوَلتْ أن تخفي عنك ما بها إلى ما بعد تناول طعام الغداء على الأٌقل، لكنك انفعلت وأصررت، فاستسلمتْ لإرادتك وهمسْت في أذنك، الصبي حالته صعبة، راجعنا الطبيب اليوم، إنه بحاجة ماسة إلى عملية جراحية عاجلة في القلب، أمامنا أسبوع على أبعد حد، والتكاليف في حدود المئتي ألف ليرة...‏

وقع عليك الخبر كالصاعقة، فالبارحة بالذات سددَّت آخر قسط مترتب عليك إلى مصرف التسليف الشعبي، كل ما في جيبك ألف ليرة.. فكيف السبيل إلى تدبير هذا المبلغ الكبير... حاولتَ جهدك أن تتماسك أمام زوجك وأولادك، وفكرت طويلاً، ثم أقنعت نفسك: بمقدورك أن تجد حلاً. لا تخجل، اطلب.... صحيح أنك اعتدت أن تعطي لكن للضرورة أحكاماً.. أتح الفرصة لأخواتك العزيزات، سنوات طويلة وهنَّ يرددْن على مسامعك أنهنَّ يتمنين أن تسنح لهن الفرصة، لردِّ بعض جميلك...‏

أمسكتَ سماعة الهاتف، واتصلت بنزيلة جنيف، وهيأت نفسك سلفاً، أن تتصدى لكل ضغط، كي تقبل أن تعالج الصبي في أوربا على حسابها الخاص. إنك تريد منها أن تساهم في ثلث التكاليف فحسب، أما الثلثان الباقيان، فتتكفل به أختاها... ولحسن حظك فقد ظفرت بها دون صعوبة، وأخذتَ تمهدّ لها بارتباك وعلى استحياء، فلم تمهلك، وأفهمتك أن الأوربيين عمليون، لا يحبذون تدبيج الخطب والمقدمات، وأمرتك أن تدخل في صلب الموضوع مباشرة، ولما أدركتْ مرادك أجابتك بصراحة ووضوح: "الظاهر، ليس لديك فكرة عن الحياة في أوربا أواخر القرن العشرين إنها غالية جداً، وقتي ضيق، آسفة جداً، ثم أغلقت السمّاعة في وجهك....‏

قرعتَ باب أختك الوسطى، فشكت إليك همومها:‏

- يا أخي.. من يستعمل سيارات النقل العام، أو يمشي على قدميه هذه الأيام، لا يقدر النعمة التي هو فيها!! تصوّر.. لقد قللنا عقلنا، وبدلنا سيارتنا، واشترينا مرسيدس "نملة" من طراز هذا العام، دفعنا فيها تحويشة العمر.. صرنا نضغط مصروفنا إلى أقصى حد، وحرمنا أنفسنا من كل الكماليات... الشكوى لله، لقد أفقرتنا تلك السيارة اللعينة، صهرك مضروب بحجر كبير، إنه موظف في الجمارك.. والله.." ما حيلتنا التي "ترن"...‏

مددت يدك إلى جيبك، تناولت خمس ليرات، دسستها في كف أختك، وأدرت ظهرك... قررت ألا تيأس، فعقدتك لا تحل، إلا عند أختك الصغرى، فمنذ حوالي السنة، تقبلت معها العزاء بزوجها المتوفى، وساعدتها مع معارفك الكثر في تسريع الإجراءات القانونية، كي تنتقل إليها تركة زوجها بكاملها، ووفرتَ عليها نفقات طائلة، وأنجزت كافة الإجراءات، لتعيينها وصية على أملاك أبنائها القصر، وأصبحتْ تملك مال قارون: ثمانمئة مليون ليرة...‏

استمعتْ إليك بهدوءٍ ولهفة:‏

"زوجتي باعت قطعة الذهب الوحيدة التي تملكها بعشرين ألف ليرة، صديقي أبو سمير، نقدني ثلاثين‏

ألف ليرة قبل أن آتيك، زميلي خالد وعدني بخمسين‏

ألف ليرة"...‏

صمتَّ، وتناوبَ وجهك وأذنيك احمرار واصفرار، وهمست بصوت وجل:‏

"المئة ألف ليرة الباقية، أستدينها منك، وسيعينني الله على سدك إياها مستقبلاً"،‏

أطرقتْ ملياً وصمتت، ثم أفهمَتك أنها لا تقبل أن تستدين منها، بل إنك تستردَ جزءاً يسيراً من دينك، الذي هو أمانة في عنقها، وأداؤه أقل من الواجب. ثم ألمحتْ لك أن كل من اقترب منها -بعد موت زوجها- صاحب مصلحة، طامع في ثروتها، إلا أنت حاشى لله...‏

لكنها مع الأسف لا تملك قرشاً واحداً، التركة بما - فيها حصتها- ملك لأولادها القصّر، نسل المرحوم العزيز، الذين لا حول لهم ولا قوة، ومن يتصرف في أموال اليتامى، ملعون إلى يوم يُبعثون!! الدين والشرع لا يقرّان ذلك، وسيحاسبها الله يوم القيامة، إذا ما فرّطت في حقٍّ من حقوقهم!!... الحل بسيط، عليك أن تنتظر الأولاد، ليغدوا في سن الرشد، وعندها سيعطونك بلا حساب عن رضىً وطيب نفس...‏

تفرّستَ فيها، عركت عينيك، ظننتَ غشاوة قد غطتهما، غدا وجهها متطاولاً نحيلاً، وانفرج فمها عن لسانٍ ضئيل تناثرت منه قطرات سائل كثيف... انسدل قميصها، انساب جسدها المخروطي، ترقّش أديمها بعشرات الألوان، اهتز ذيلها وتلوَّتْ، فحّت فحيحاً مخيفاً، ساورتك وقد تلظى نابها... فأوجست خيفةً، وأسلمتَ قدميك للريح...‏

آذار 1998‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244