|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الخيزرانـــــة عشرون خيزرانة. ممشوقة القد، علَّقها على جدران القاعة الكبرى، نسَّقها ورتّبها، الأصغر والأنعم، فالأطول والأغلظ. فتنتهُ فتأملها بزهو، نقَل نظراته الزئبقية بينها وبين زوجه، ثغا بشجاعته، التي ذهبت بها الركبان. خيزراناته تعانق قبضته، يوم تَنزِفُ الذكريات... تقوسّت وانحنت، وغدت ملساء كجلد الحيّة، نصل حدُّها، ولمعتْ كسيف مسلول، أضفى عليها هيبة، تبعث الرعشة والرعب، اختبرها في المنازلات والحروب، فكانت خير سند... أصغرها سمٌ زعاف، سقاه عشرة ثيران، خرّت صرعى في موقعة الجسر، أما أم الخمسين فهزيم رعود، قطَّعت أوصال العدو في حرب البسوس... -أنا أبو الفوارس، عرس الشهامة، مفنّ ولا فخر، أقضم رأس الأفعى، وأمزق أنياب النمر، بساعدين مفتولين، شدّا على خيزرانة أم المئة... رجل جهم طويل ضخم الجثة، عريض المنكبين، كتلته البشرية، تسد غرة الأفق... رأسه من صوان تجتاحه دمامل الأمجاد المستباحة، يخفي حقيقته تحت برقع الوهم بالعظمة. ولكن، والشهادة لله، فإن صَلَفه، وتضاريس وجهه، وصوته العكر، توحي بالرهبة... يروي المعلقات عن سنابك الخيل في عصر الفضاء... لو سمعتَه لظننته محمد الفاتح، يختال تيهاً في أبراج القسطنطينية... يجهد نفسه في تنميق الجمل الرنانة المتناقضة، لتنهمر انتصارات تفقأُ عين الحق... يلتهم كل ما تقع عليه يداه، حتى يصعب فرزه عن فصيلة الجراد، ينفخ بعصبية، يلعن، يشتم هذه الدنيا العاهرة، التي لم تنله حقه من الحياة. لم تجهد زوجه في اختبار حذلقته ونشازه، وما فتئت تغوص أنوار يقينها الكاشفة في تلافيف دماغه، فتسطع منها المخازي. تلمَّستْ بيدها دَجله، الذي ورَّم لسانه، فغدا حِملاً مضنياً أثقل كتفيها وكاد يميت قلبها... -يا أبا فارس،... لقد استظهرتُ حديثك عن ظهر قلب، تردده على مسامعي صباح مساء... الحكي والسوالف، لا يطعمان خبزاً، شبعنا منهما وأُتخمنا... قم، تنشّط، إعمل عملاً مفيداً، مرة واحدة في حياتك... لم يبق في البيت حفنة من طحين، لقد جهزت لك الحمار وشوال القمح، خذه إلى الطاحون، كي أعجن وأخبز... الأولاد يتضورون جوعاً... تمطى، تثاءب ببلادة وكسل، تعلل، كي يسترخي ثانية... ويعود ليغلِّفَ قشوره الهلامية، يكسوها مباهاة وتيهاً، يحاول أن يستر نواة عجزه، يرعد لسانه بسيرة الزير سالم وعنترة وأبي زيد... قطعتْ عليه كل طوقٍ للنجاة... هبَّت من ساعتها، حزَّمته بسرواله وثوبه وقفطانه، وألبسته الطربوش والعمامة... حَمَلته بساعديها، وقذفته فوق صهوة حماره، فصاح فيها: -هاتِ ناوليني الخيزرانة أم المئة... -البلدة أمان... ومسافة الطريق إلى الطاحون، لا تعدو الخمسمئة متر... نحن في عزّ الضحى... لن يعترضك أحد... لا حاجة لأية خيزرانة... وإذا كنت تصرّ فتكفيك أمّ العشرين... جادلها جدالاً عسيراً، فلم تلنْ... ضرب كفاً بكف... سبَّ ولعن... أخذتْ تتفرسه بأعين، وسع حدقاتها فضول وترقب... لكز حماره، تنحنح، عزَّم، سار الهوينا، حتى اختفى عن أنظارها... امرأة ذات محيّا ناضج، يمور بيقظة حواسه، وتفتح عقله واختماره، تمد أَنامل عزيمتها، إلى الفيافي القاحلة، فتحيلها خميلة غنّاء... تنكرت بزيّ الرجال، تلثّمت، شدت على وسطها حزاماً عريضاً... انطلقت من المترل، كالسهم إلى دريئته، لفّت حول الحارة من الجهة المعاكسة... التقت بزوجها، وجهاً لوجه، في زنقة ضيقةٍ على كتف الطاحون... انتفض الملثم، كمارد هبط من السماء، فصاح فيه صوتاً صاخباً مشروخاً كالصاعقة... ارتعدت فرائص أبي الفوارس، ندتْ عنه صرخة فزعة، مزّقت ملاءة الشمس... انزلق عن حماره، تدحرج على الأرض،... رمى الخيزرانة بعيداً، سحب ذيل ثوبه، رفعه إلى فمه، عضَّ عليه بنواجذه... ولّى هارباً كبرق السحاب، لا يلوي على شيء... يركض قلبُهُ الواجف كعصفور يرتعش من البلل، يطوي الزواريب الضيقة والأزقة... تصطدم جثته الآدمية الهائلة بأبواب البيوت ونوافذها، يسحب خلفه ذيلاً طويلاً داكناً من الغبار. تدلت شفتاه، تبعّرت عيناه، كعيني بومة، تخزان الأرض،، علّهما تحفران خندقاً، تواري سوءته... اختنق لهاثه، التصقَ بقعر حنجرته كالصمغ... جَلَدَهُ احتقار لنفسه، أحسّ بشاربيه يتمرغان في الرغام، كراية مزّقتها حوافر الخيل، افترسه الخوف... حدّقت به السبل والشعاب؛ أصابع ريبتها تجسُّ أوردة عنقه وشرايينها، تبغي تفجيرهما. غلى كمرجل بخاري، أحسَّ أنه يكاد يقع مغشياً عليه، فتباطأ، ثَنى عِطفه إلى الخلف، فلم يصدق أنه غدا وحيداً في البرية، تكاد بيوت بلدته تتوارى عن أنظاره تماماً... دحرج حجراً أملس، قعد عليه، يلتقط أنفاسه الثكلى... ظل رابضاً في مكانه إلى أن أغمض النهار جفنيه، وخيم الظلام، واطمأن أن الليل توسّد دروب البلدة، وسيعمي عنه عينيّ الملثم... تثاءب الهدوء على أسطحة البلدة وأزقتها، وتجاوبتْ في الأرجاء أصداء نباح الكلاب.... قفل عائداً، متسللاً إلى بيته كالحرامي، وهو يدعو في سرِّه: يا من سترت لا تفضح... نظرت إليه بعينين ملؤهما إشارات استفهام: -أين كنتَ، حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل؟... وبعد... فأين الحمار، وشوال القمح؟!! رفع سبابته إلى شفتيه، أشار إليها أن تصمت، وهو يغلق الباب بهدوء وخفة، ويدربس عليه الأقفال... تقافز على رؤوس أصابعه عبر أرض الدار الواسعة، يكتم أنفاسه، وأشار إليها أن تصنع مثله... عندما استلقى على سريره، وسط القاعة الكبيرة، تظلله خيزراناته، أخذ يتعرف بالمرآة على تضاريس سحنته من الأمام والخلف والجانبين... عادت إليه عنجهيته، وسالت شهيته للقص والشرح والتطويل، فابتسم ابتسامة داعِرَة: -اسكتي يا امرأة، ما جرى معي عجيب غريب... قرب الطاحون، هجمت عليَّ عصابة من اللصوص وقطاع الطرق، ينوف عددها عن الخمسين رجلاً، صارعتهم صراع الأبطال... كسرت الخيزرانة أم العشرين على رؤوس عشرين منهم.... ثم هجم عليّ الباقون، فأرديت بساعديَ هذين خمسة منهم... إيه والله... تلمّظ ومصمص شفتيه، ثم تساءل: ماذا أصنع، وقد تكاثر عليّ من بقي حياً من هؤلاء الأفَّاقين، وأطبقوا عليّ كالكماشة، وأنا أعزل من السلاح مهدود القوى... زاغت عيناه، اصطنع لوجهه نظرة حزم جادة: -لا تسألي عن الركل والصفع الذي انهال عليَّ مثل زخ المطر... وقعت عليّ لكماتهم مثل ضربات المهباج، وأحسستُ أنّ سياط سواطيرهم شققت عظام صدري وظهري... خيوط الألم سرت من مؤخرة دماغي إلى أصابع قدمي، كأنها مِسَلاّتٌ تسبح في أوردتي، غير أن عضلاتي الفولاذية لفظَتْها... حدجها بنظرة صارمة، ملؤها اللوم والتقريع: -الذنب ذنبك، يسربلك من قذالك إلى أخمص قدميك، طلبتُ خيزرانة أم المئة، أعطيتني أم العشرين...!! حاولت أن تمدَّ أصابع يديها الاثنتين، تشن غارة على فمه لتغلقه، فلم تفلح... أحسّت أن هذره غدا بصاقاً تطاير على عِصّيه وهراواته... حاولت أن تمسحه بطرف كمّها، فازداد رطوبة وكثافة... تابع تحليقه في سماوات المجد بهدوء يغيظ أيوب، وقد اعتصر وجهه بقسوة... شرب إبريقاً كاملاً من الماء ثم أردف: -الكثرة تغلب الشجاعة... لقد أفلتُّ منهم حيّاً بحنكتي وتدبيري، انتهزتُ غفلة منهم لم تتعدَّ ثواني، انشغلوا بسرقة الحمار وشوال القمح. فانسللت وسط جموعهم مثل الشعيرة من العجين... لو أعطيتني أمَّ الخمسين على الأقل لانتصرت عليهم... لم ينتبه أنه غدا وحيداً، يخاطب خيزراناته وجدران غرفته الأربعة منذ وقت طويل، فزوجته انسلت إلى الغرفة المجاورة، وهي تضحك، تكاد تستلقي على قفاها... لم تسمع تهديده الأخير: "إذا لم تمتثل لأوامره مستقبلاً، وتدججه بالخيزرانة المناسبة، فقد تركبه عاصفة من جنون، فتلحق بمن خَنَقَهمْ بساعديه الصارمين ضحى هذا النهار"... برزت أمامه فجأة، متسربلة بزي الرجال، ملثمة، تصرخ فيه صرختها المعهودة، في يمينها الخيزرانة، وعن شمالها الحمار المفقود... سحبت بساط الحقيقة من تحت قدميه... جفل لساعته، فَقَد وعيه، خرَّ مغشياً عليه... رشت وجهه بالماء البارد، فصحا... تقوقع محتمياً بدموع مذعورة لهول ما يرى، أغمض عينيه نصف إغماضة... نَزَعتْ اللثام عن وجهها... تأملها ملياً، فرُدّت إليه الروح... صاح مبتهجاً: -هو أنتِ، يا ملعونة الوالدين... قالت: -دع لي خيزراناتك لأكشَّ بها الذباب... سكت قليلاً، تنهد بارتياح، مدّ يده إلى شاربيه يمسدهما، مطَّهُما نحو الأعلى، حتى كادا يلامسان رموش عينيه، نفخ أوداجه: -أ رأيتِ كيف أطيرُ كفراشة، وأركض كغزال شارد... خلّفتُكِ وراء ظهري يقتلُكِ القهر... لا أنتِ ولا عشرة من أمثالك، يستطيع اللحاق بي... تموز 1999. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |