|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
شـــــــجرتان وعصــافير أسلمت جسدي إلى قبضة الليل التي هبطت ندية على قلبي، وسرت جوار المرأتين. كان الضوء ينهمر من قمر سماء رائقة وينتشر بين الأماكن الداكنة لضفتي النهر، وكانت الجبال مفعمة بعشب مبلل أحسست رائحته تدهمني، مثلما أحسست رائحة المرأة الطويلة التي ذكرتني برائحة الليمون. لعل الحلم هو الذي يقودني في عراء هذا الليل البارد الوضيء، أو لعل سحر المرأة الطويلة ذات العينين الصغيرتين المسكونتين بنداء الماء، هو الذي قادني إلى هذا المكان بحثاً عن خلاص الروح من سجن الجسد المظلم. قالت المرأة القصيرة: -الشوارع نظيفة وتلتمع كالأسماك الرشيقة في ضوء القمر. قالت الطويلة: -أحببت هذه المدينة السياحية، كنت أتمنى لو أمضينا فيها أكثر من ليلة. قلت: -هي ليلة جميلة رغم كل شيء. قالت الطويلة: -ليلة يتيمة لم تكتمل. قالت القصيرة: -أجل، ليلة أشعرتني بالحزن، كنت أتوق إلى الرقص ونحن داخل المسرح. قالت الطويلة: -أنا أيضاً شعرت بدمي يدعوني إلى الرقص، أعترف بأني قد شعرت بالندم عندما غادرنا المسرح دون أن نرقص. قلت: -الأسلاك الشائكة تطوق حياتنا، وهكذا نسلم أنفسنا للفناء. قالت القصيرة وعيناها تومضان بالأسى: -لماذا لا ننسى نحن الكتاب عقدنا الاجتماعية، أقصد لم ندع الآخرين يحجرون على حريتنا؟ قلت: -أحياناً يظلم الإنسان نفسه دون أن يدري. قالت الطويلة وقد اتقد وجهها بحمرة قانية: -إن الإنسان لنفسه لظلوم. وضحكت فازداد الوهج في خديها الناعمين. ضحكت القصيرة وضحكت وقلت: دعونا من هذه السياط التي تجلدنا ولنرحل في هذا الحلم المرتعش تحت الضوء والقمر ونداء النهر والجبال. قالت الطويلة: -في الصباح سنرحل إلى مدينة أخرى، وستبقى وحيداً. تطلعت إليها وبهدوء قلت: -أستطيع أن أقول بأن مملكتي أعماقي وفضائي وخطاي عندما أكون وحيداً، هل تدركين أن وحدة بعض الناس في صالحهم؟ قالت القصيرة: -فيك الكثير من روح الشعر. وافقت الطويلة: -فيه الكثير من طفولة وجنون الشعراء، هل راقبته في صالة المسرح وهو يتدفق كالماء على المائدة التي جمعتنا؟ أجابت القصيرة: -كنت أتمنى لزوجي تلك الحيوية. للتو استحضرت جلوسنا على المائدة في زاوية المرقص، استحضرت جسدي الذي كان يئن من حمى الجوع إلى وجه المرأة الطويلة الشقراء والذي أطلق ثيرانه الوحشية، وربما زغردت حينذاك بكل رعونتي، وربما شعرت بروحي تغادر سجن الجسد، ربما فعلت أشياء أخرى وأنا تحت وطأة كؤوس البيرة الخمس. أعرف بأنني حاولت أن أضع كفي على ظهر المرأة أو ألمس ذراعيها العاريتين متقصداً، وأعرف أن صوت موسيقى الرقص لم يكن ليعلو على صوت الدم الخافق في نهايات أصابعي وأنا أتحسس ظهر المرأة اللدن، لماذا شعرت بقلبها يخفق في نهايات أصابعي بقلبي يخفق مجنوناً يسعى إلى حتفه، ولماذا قالت لي: -يعجبني هذا الألق فيك. ولماذا قلت لها حينذاك: -يعجبني هذا الدمار الذي أهديته لي قالت القصيرة بعتاب: -ها أنت تشرد مع أفكارك مرة أخرى! واصلت الطويلة: -كأن نوبات الشرود لم تكفه حين كنا معاً قبل دقائق. قلت: -اسأل الرب أن يغفر لمن أورثني هذا الشرود. وتطلعت إلى المرأة الطويلة التي كانت قد فاضت بهاء غمرني وألقى بي في جحيم لذيذ كانت الأشجار مزهوة بخضرتها المبللة بالندى وكنت أشعر بصوت النهر يرتعش بين أضلعي. كان النهر حبيس السّد ويريد أن يأخذ مداه اقتربنا من شجرتين تقعان وسط ساحة شاسعة ، شعرت بغرابة الشجرتين المستحمتين بالنور والغارقتين في عراك ومرح العصافير، مئات العصافير التي كانت تجوس بطلاقة بين الأغصان وتطلق الأصوات الغضّة المشاكسة التي خرقت قدسية الصَّمت . قالت الطويلة: هذا أغرب مكان في العالم، لم أشهد من قبل أشجاراً تحتضن العصافير في هذا الوقت المتأخر من الليل. أومأت القصيرة وهمست: - اعتدنا أن نرى العصافير يقظة في النهار. - سألت الطويلة: - لكن مابالها تولول بهذا الشكل المفجع؟وجدتني أردد بصوت فيه شحنة يقين يخترقها الأسى: ذلك أنها عصافير جريحة. - سألت المرأة الطويلة ثانية: - ألا تعتقد بأن الشجرتين تشكوان من جرح واحد وأن العصافير تواسيهما بلغتها الخاصة؟ قلت: - ربما. كنت ما أزال أحس حركة النهر تضطرم بين أضلعي. كان مد ماء النهر يعلو مقترباً من أعلى نقطة في جدار السد الحجري الخشن. سرنا وئيداً باتجاه البيوت النائمة تحت قدمي الجبل. أمام الباب توقفنا. أدارت القصيرة المفتاح في ثقب الباب فأصدر صوتاً فيه تأوه ورغبة. دلفنا إلى الداخل. بقي الباب مفتوحاً استدارتا نحوي كنت أقف في الخارج وقد احتلني البرد المفاجئ. قلت للقصيرة وشيء من الخجل يضرب صوتي: - بحق السماء اتركينا لبعضنا دقيقة واحدة فقط تقدمت القصيرة مني وهتفت: سأفعل، ولكن دعني أقبل خديك أيها الفتى الجريء أسلمت خدي لشفتيها الحانيتين. اختفت القصيرة داخل البيت وهي تصرخ باحتجاج -كم هو مخجل أن تبقى امرأتان لوحدهما في هذا الليل البارد القاسي. قلت بحزن: -ومخجل أن يظل الرجل وحيداً في هذه الليلة الصعبة. وقفنا في الخارج. المرأة الطويلة أمامي تنتصب شجرة تهتز تحت ثقل ثمرها الشهي. جلسنا على مقعد من الإسمنت العاري. كان القمر يرشق وجه المرأة بالنور فيزيده عذوبة، وكان الصمت يمنحها سمة إلهة متعبة. لم نتكلم. بدأت أيدينا خلق لغتها المشتركة. كنا طليقين كالهواء الذي لم نأبه لبرودته اللاذعة. وبغتة دفعتني المرأة الطويلة وانتبذت جدار البيت وقالت: - لنترك الأمر عند هذا الحد، لا أريد أن أفسد هذه العلاقة. ودون أن تترك لي فرصة القيام برد فعل هرعت إلى داخل البيت. وجاءني صوت المرأة القصيرة: لماذا تركت هذه الحمقاء تهرب؟ ألا تعرف أنها تحاول أن تكون مخلصة لرجل مسن تزوجته في لحظة يأس؟ بقيت في الخارج أرقبهما والصمت يلفني. أبصرت المرأة الطويلة تقف تحت المصباح المتدلي من السقف واستطعت أن أتبين قطرات تخضل في عينيها المشبعتين بنداء الماء، ولا أعرف لماذا بدت في وقفتها تلك أصغر من عمرها بعشرين سنة! كما لم أعرف سبب هذا الدفء الذي أخذ يحتل جسدي ويجعل مياه النهر تفور بين أضلعي. بقينا نرقب بعضنا قالت الطويلة: -عصرنا يلغي المسافات البعيدة. سنكتب لبعضنا، أليس كذلك؟ لم أجب. عاودت الحديث بصوت غريق: -سلم لنا على العصافير. قالت القصيرة: -أجل، سلم لنا على العصافير. أمسكت مفتاح غرفتي بضراوة. قلت: -لا أقول وداعاً قالت الطويلة الشقراء: -لا أقول وداعاً قلت: -تذهبين وتبقين. وانسحبت والدم يرتطم في صدري. قريباً من الشجرتين المشتعلتين ببكاء ونزق العصافير وقفت. بسطت كفي وباعدت بين ذراعي ثم أطبقت الكفين بقوة واصطفقتا وأخرجتا صوتاً عنيفاً أرهب العصافير وجعلها تمرق من بين الشجرتين وفي لحظة واحدة دوت أصواتها ونشرت الجنون في الساحة. راقبت الشجرتين الوحيدتين وسرت نحو البيت ويدي تشد على المفتاح بقسوة، وكنت أسمع النهر يرتد عن جدار السد هابطاً نحو الأسفل. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |