|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:55 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
السمفونية الناقصة قلت لنفسي ـ وأنا أرقب الفتاة الواقفة بجانبي تتأمل تمثالاً لرودان، وضع تحته اسم يد الله: يالهذه الفتاة التي يتصدع الحجر من جمالها المتوحش. ولأني كنت أشم رائحة الأنثى من وراء كل بحار الدنيا، فقد ارتجفت لهفة وقلت: ـ إن يد الله تسعى لوضعك في نعيم جديد أيها الأحمق المولع بالنساء. كان التمثال قبضة ضخمة كأنها المطلق وهي تطبق على جسد إنسان ضئيل يحاول أن يجد خلاصاً من هذه القوة الرهيبة المندفعة نحوه، وكنت أحاول أن أجعل الفتاة منتبهة لوجودي فقلت بصوت تعمدت أن يكون مسموعاً: ـ يالهذا العمل المروع. نظرت إلي فواصلت: يبدو أن لا خلاص من مصير الإنسان المفجع. قالت الفتاة دونما حذر ووجهها يختلج بارتعاشات خفيفة: أفزعني هذا الإنسان أنا الأخرى. وجدتني أقف أمام باب مهيأ كي يفتح فسألت: هل تعرفين رودان جيداً؟ ضحكت وقالت: تقصد أعماله؟ رأيت بعض تماثيله الجميلة. قلت بيقين: نحن نخاف الانسحاق ولكننا نستطيع أن نحيا في ظل رحمة نسيان مصيرنا المجهول. قالت بيأس: أجل نحن منسحقون. أردت أن أنتقل نحو جسر آخر يمتد إليها فقلت: هل شاهدت تمثال القبلة؟ أجابت: ليس في الواقع ولكن في دليل ضم بعض أعمال رودان. قلت: لو أتيح لك أن تقفي أمام التمثال. فستحسين بامتلاء نفسي وأنت ترقبين حالة التداخل الحميم بين جسدين وروحين، ربما كنت ستحسين بانتفاء الثنائية بين الرجل والمرأة بفعل طاقة الحب، وربما غرقت في سعادة بهيجة. قلت: ربما.. والآن وداعاً.. قلت معترضاً: لا وداع بيننا. قالت: نحن لا نعرف بعضنا. قلت: الآن نتعارف إن لم نكن قد تعارفنا.. أنا بدوي جاء من بلاد العرب. ضحكت وقالت: لو كنت هكذا لما اعترفت.. أنا تسليم جئت من باكستان. سألت: زيارة أم دراسة؟ قالت: هاجرنا من الوطن، ونحن نعيش هنا، معي أبي وأمي.. قلت: وأنا أعد رسالة دكتوراة في أكسفورد عن إحدى حركات التحرر في إفريقيا. قالت: موضوع مثير.. سألت: هل نأخذ كوباً من الشاي؟ أومأت برأسها وسألت: أنت عربي أليس كذلك.؟ كررت: أنا عراقي. وخرجنا من المتحف. بعد أن شربنا في محل يرقد تحت قدمي ساحة الطرف الأغر سألتها: ـ كيف عرفت أني عربي.. قالت باقتضاب: هذا أمر يخصني. اعترضت: أنت حادة يا تسليم، وافترض أننا أصدقاء. قالت: ليس بعد. لم أشأ أن أفقد الفرصة، فقلت: سنكون أصدقاء في زمن قصير. قالت: ربما. بعد أن سألتها أن تعطيني رقم هاتفها ضحكت وقالت: ـ والدي رجل متدين وشرقي سيذبحني إذا عرف أنني أجالس الرجال. قلت: هذا رقم هاتفي إذن. ضحكت وقالت: إذا أردت أن أراك ثانية، بالمناسبة هل تعرف أنك قبيح؟ قلت باستسلام:أعرف. واصلت بعدوانية: قبيح جداً... سألت: هل ننهض؟ أجابت: انهض وحدك. قلت: لن أقول وداعاً.. قالت: أنت عنيد، كان الرجل الذي أحبه عنيداً. شعرت براحة جزئية وأنا أسمع ذلك، وبعد أن تطلعت كطفل مسحور إلى عينيها السوداوين الغافيتين في عسل وجه مستدير تزينه غمازتان قاتلتان، غادرت المكان. في اليوم الثاني التقينا.. سألت تسليم: هل صليت للرب مراراً قبل أن أخابرك؟ اعترفت: لم أستطع أن أرقد إلا بجانب الهاتف، وحين اتصلت بي اشتعلت فرحاً.. قالت: أنا عذراء. احتفظت بالصمت. سألت: أين نذهب؟ قلت: ثمة مكان قرب نهر التيمز يدعونه قاعة الاحتفالات الملكية، أعتقد أنه يلائم العشاق. قالت: أعتقد ذلك، ولكن تذكر أننا لسنا عشاقاً. أية بنت هذه؟ ولم تعترض بهذا الذكاء الحاد وبلهجة قاطعة على أقوالي؟.. وماكنت لأعتقد أن فتاة لا تتجاوز العشرين قادرة على إقفال كل الأبواب في وجهي وبهذه الطريقة التي تورثني مرارة بغيضة وتلفني بخجل مكتوم ينتفض في أعماقي مثل عصفور مصاب بجرح قاتل. كانت تسليم قد طلبت قهوة أعقبتها بحساء، فقط بينما كنت أحتسي نبيذاً أندلسياً له لون دم رائق. سألت: كيف عرفت أنني عربي... أجابت وهي تضع أصابعها على جبهتها في محاولة لإيهامي بأنها تبذل جهداً للتذكر: ـ أنت جريء وعنيد.. غرقت تسليم في صمت عميق وهي تتطلع إلى نهر التيمز الذي اكتسى بلون نفطي داكن تكتنفه بقع ولطخات متنافرة الألوان، ونقلت نظرها إلى السفن المنطلقة بالسياح من الجانب الآخر المجاور للبرلمان البريطاني، بينما أدركت أنني قد أحرجتها بسؤالي فرحت أرصد الكنائس والكاتدرئيات القديمة المواجهة لنا وأحاول أن أتوصل إلى أكثرها قدماً، ومع أنني أخفقت في ذلك، إلا أنني وجدت تعويضاً في صوت تسليم الذي جاءني حزيناً له طعم شفرة قاسية: ـ كان لي حبيب عراقي مولع بفلسطين التي لم أكن أعرف عنها سوى الاسم، والآن أعرف حتى حجارتها المقدسة، كنا نخرج في التظاهرات معاً.. لقد ذهب إلى لبنان وقاتل في صفوف الفلسطينيين ثم حدث نفي الفلسطينيين ورميهم في البحر، لقد رحل عادل، أخذ حياتي معه ورحل. بكت تسليم بدموية فأعطيتها أكثر من منديل ورقي وحاولت أن أجفف دموعها فأبعدت يدي: ـ لقد أخذ حياتي معه ورحل. قلت في محاولة لاستلال بعض حزنها: إن الإنسان لن يعيش طويلاً إذ سيلف يوماً ذيله ويشهق ثم يتلقفه القبر، ومن العبث أن نفني ذواتنا في الحزن! قالت: لست في حاجة إلى مواعظ.. وانخرطت في بكائها الشرس من جديد.. وماكان في قدرتي أن أجعلها تقلع عن البكاء وماكان في قدرتي أن أتحمل هذا البكاء الصادر عن مخلوق هو الصفاء فاقترحت: ـ لنغادر المكان. تطلعت إليَّ بدهشة فأكملتُ: أنت في حاجة إلى راحة.. وغادرنا المكان. في اليوم الثالث: التقينا في حديقة عامة. قالت تسليم: لا تمني النفس بأن نصير عاشقين. سألت بدهشة: هل طلبت ذلك؟ أجابت: أنا فتاة جميلة. وأعرف مايريد الرجل من فتاة جميلة. قلت: لا يخجلني القول بأني معجب. قالت تسليم وعيناها تفصحان عن معنى كلماتها: لن يحدث هذا أبداً فأنا أنتظر عودة عادل.. قلت بدهشة: ولكنك أخبرتني بأنه قد رحل. قالت تسليم: أحس أنه حي حتى الآن.. قلت متسائلاً: أين هو الآن؟ قالت تسليم: بعد أن حوصر الفلسطينيون بقي لأكثر من شهر وكأن روحه غير روحه السابقة. ثم قال لي ذات يوم، سأذهب إليهم، حاولت جاهدة أن أثنيه عن عزمه، ولكنكم تمتلكون عناداً لا يطاق... وبدأت تبكي... سألت: هل وصلك منه أي شيء؟ قالت: رسالة واحدة ثم انقطعت الرسائل. لا أعرف إن كان حياً، أو ميتاً، لا أعرف أي شيء، لكنني موقنة أنه سيعود ذات يوم. قلت لتسليم التي لم تأبه للآخرين الذين كانوا يرقبون بكاءها العميق: ـ أتمنى أن يعود ذات يوم. قالت تسليم وصوتها المختنق يضج بالحزن. بعد ذهاب عادل، صرت أذهب كل عطلة نهاية أسبوع إلى الهايدبارك، وإذا حدث وأن رأيت علم العراق واللافتات، أنتظم مع العراقيين وأخرج في تظاهراتهم. قلت لتسليم: إذن سنلتقي هنالك ذات يوم. قالت: لا تغضب: قلت: لن أغضب.. قالت: أنت غاضب. قلت: قليلاً.. قالت: تذكر إنسان رودان المنسحق تحت يد عاتية. قلت: سأتذكر.. ونهضت، تطلعت إلى الوجه العسلي المحلى بعينين سوداوين غمرتهما الدموع، أردت أن أقول شيئاً إلا أن الكلمات استعصت علي، غادرت المكان وأنا أشعر بانقباض مبهم.. يجثم على صدري، بينما كانت تسليم تنتظر الرجل الذي تحب، وكانت السماء رمادية. **** |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |