|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:55 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مارغريت كنت أقف في الحانة قريباً من عامل البار وأعصابي مشدودة وأنا أرقبها تتحدث مع الفتى المغربي الذي ذهبت معه في الليلة الماضية. هل كانت الغيرة هي التي تحكمني أم أن إخفاقي هو الذي أورثني الشعور بالخجل من نفسي وأجج الرغبة الشرسة بأن أمتلك هذه الأنثى السمراء ذات الوجه الشبيه بقهوة محترقة والتي احتلت جاذبيتها قلبي الضعيف أمام فتنة النساء؟ هل كنت أشعر بندم هزيمة رجل أمام سطوة أنوثة طاغية أم أن روحي المتوهجة التي ترفض أن تنكسر منذ الجولة الأولى كانت وراء تصرفي وكانت تهتف بي: كن رجلاً ولا تدع اليأس يأسرك. أقسم أن هذه الأنثى لم تكن واحدة كسائر بنات جنسها. والمفجع في الأمر أنها كانت تدرك أي سحر مدمر تمتلك. وكانت شأنها شأن بقية النساء الفاتنات اللواتي يصبحن حلماً مستحيلاً في أغلب الأوقات. فهاهي ذي الآن ترمقني من الجهة المقابلة وتوحي إليّ بأن الطريق إليها عصية، وهاهي ذي نزواتي الشيطانية تدفع بي إلى مواصلة هذا العذاب الكاسح. قالت لي أن اسمها مارغريت: وأنها قد جاءت من زيمبابوي إلى لندن بعد أن طلقها زوجها الإنكليزي. وبعد أن احتسينا أكثر من قدح مارتيني تدفقت بين يدي كالماء.. سألتها: أنت وحيدة هنا إذن!.. قالت: لستُ وحيدة كلياً ، لكنني وحيدة أحياناً.. أشعلت لها سيجارة وتطلعت إلى عينيها اللتين فاضتا بنار لطيفة بدأت أهتز وأنا أصغي إلى أغنية لبوب مارلي. كانت الأغنية تشي بنبرة حزن عميق لرجل فاجأه الحب وتركته المرأة التي يهوى فصار عزاؤه الابتعاد عن دائرة لهب الحب وأصبح مبشراً بفكرة أن من الأجدى للمرء ألا يحب كي لا يبكي. قلت لمارغريت: أحب هذه الأغنية.. أجابت: نحن نحب بعض الأغنيات لأنها تذكرنا بأشياء شخصية. هل هجرتك المرأة التي تحب؟ حاولت أن أمسك شعرها الزنجي الطويل والمجدول في خصل تزين نهاياتها خرزات زرقاء غامضة إلا أنها ابتعدت إلى الوراء قليلاً وعاودت السؤال: ـ هل هجرتك المرأة التي تحب؟ قلت: لم أجد المرأة التي أحب بعد. لكنني أعتقد أنني سأجدها هذا المساء. ضحكت فاهتز صدرها المكتظ بحمل ثقيل وقالت: ـ يعجبني الرجل الثعلب. أردت أن أبدو كما لو كنت غير مدرك لما أرادت أن تفخر به، فقلت: ـ لابد أنك تحبين الحيوانات الأليفة. ضحكت ثانية وطلبت مني أن أبتاع لها علبة سجاير ففعلت. بدأ جسد مارغريت يميل مثل غصن مثقل بثمار ناضجة، وكانت الموسيقى قد بدأت تتصاعد فجذبت ساحة المرقص الفتيات وأصدقاءهن. صارت الساحة كتلة من الأضواء البهيجة والوجوه الجميلة المتعطشة للحب فعرضت على مارغريت الرقص إلا أنها قالت: ـ أفضل أن أراقب، ألا تجد لذة وأنت ترقب الآخرين؟ لذت بصمت وأنا أشعر بعواء داخل جسدي، عواء حار وملتاع. بقيت أرقب المرقص وأدخن بضراوة، وانفصلت للحظات عن النظر إلى مارغريت، وحين هدأت الموسيقى وصارت عذبة أسيانة مثل موجات بحر متعبة، رمقت وجه مارغريت فرأيت شجناً يفطر القلب في عينيها. رأيت حزناً وحشياً معذباً يغمره بلا رحمة. قلت: مارغريت أي حزن كافر في عينيك؟ قالت بآلية: أنا هكذا أكثر الأوقات. وإذ رأت صمتي ودهشتي واصلت: ـ أنا متعبة، أية حياة تعيسة أعيش. قرأت في ملامحي الرغبة في تفسير ما تعني فقالت: ـ إنني أرى الموت أمامي في كل يوم، تصور أراه أمامي يدخل حجرات المرضى خلسة ويقطع تلك الخيوط الدقيقة التي تربط بين البشر. لا أعرف إن كنت قد أردت أن أظهر أمامها بمظهر الأذكياء، أم أن لساني قد زل حين رددت: ـ أنت ممرضة إذن! وبنفس الفجيعة في صوتها الطري قالت: ـ ممرضة تعمل في مستشفى لمشوهي الحرب، احزر إذن كم مصيبة أعاين في اليوم. قلت لها: لم لا نغير هذا المكان؟ أعرف أماكن أشد جاذبية وروعة في لندن، ونستطيع هنالك أن ننسى أحزاننا. قالت بيأس: محال، فالإنسان يحمل أحزانه أينما ذهب. وركنت إلى صمت مؤقت سرعان ماقطعته قائلة: ـ ترى ألا يمكن أن يعيش الإنسان من عمل يناسبه؟ لشد ما أتمنى أن أغير عملي. رغم أنني تعاطفت مع ضعفها البشري إلا أنني كنت أئن داخلياً وذلك الصخب يمور في عروقي ويجعلني أشبه بمريض لن يجد شفاءه إلا بين ذراعي هذه المرأة الرشيقة مثل رمح والمكتنزة في أشد أماكن الأنثى جاذبية. وانتشلني من أفكاري ذلك البلاء النازل من السماء والمتمثل في فتى مغربي وسيم حد الخطيئة، فتى أكثر فتوة مني... تقدم الفتى المغربي من مارغريت وصافحها ثم احتضنها ومرغ شفتيه بشبق في عنقها وخديها وشفتيها ثم طوق خصرها بينما كنت أستغيث غريقاً تحطم زورقه في لجة بحر هائج. قدمته لي مارغريت، تعارفنا بسرعة، طلبت لنا شراباً والغيرة سيوف صدئة تحاول أن تجد لها منفذاً في قلبي. ظل المغربي يوشوش في أذنها ويقرصها بين فترة وأخرى إلى أن أفلح بأن جعل ضحكتها مليئة بالحياة، وأفلح في عزلي بحيث شعرت كما لو أنني وحيد في جزيرة مهجورة كئيبة. فجأة قالت مارغريت: وداعاً.. سألت: إلى أين؟ أجابت ببساطة دمرت قلبي: سأذهب مع صديقي. سألت ثانية: كيف نلتقي مرة أخرى؟ قالت: أكون هنا كل مساء. واحتضنها المغربي وخرجا.. أما أنا فلم أستطع النوم تلك الليلة، والآن هاهو ذا المغربي يقف جوارها في الطرف المقابل من البار، يغازلها ويحاول أن يضحكها إلا أن محاولاته لم تكن مجدية فقد ظل وجهها ضاجاً بحزن كثيف وبدا كما لو أن مأتماً ينهض في عينيها النديتين.. عندما دخل المغربي المرقص ليرقص وحده شعرت براحة فتقدمت من مارغريت صافحتها وتعمدت أن أشعرها باهتمامي: فقلت: ـ مارغريت، تبدين أكثر حزناً هذا المساء. نظرت إلي وشدت على يدي التي أبقتها في يدها وقالت: ـ خذني معك. لم أصدق ما أسمع وبحركة سريعة كنت وإياها في الخارج. في الطريق قالت مارغريت: ـ عرفت هذا اليوم أن أختي تموت بالسرطان في إحدى مستشفيات زيمبابوي. قلت: وأنا ألف خصرها الضامر.. ـ مامن تعزية يمكن أن تنقذ إنساناً من الموت. قربت وجهها الشهي مني وقالت: ـ لا أريد أن أكون أنانية معك أكثر مما كنت في الليلة الماضية. طافت في روحي أكثر من أغنية وأنا ألتقط صوتها يهمس: ـ سأكون لك هذه الليلة، يبدو لي أنك رجل لديه من الحزن مايكفي.. في الغرفة التي ضمتنا، كانت مارغريت فرساً جموحاً طارت بي في غابات إفريقيا وجعلتني كائناً بدائياً أترعت روحه رائحة الابنوس وطعم الفلفل، كنت ضائعاً في أعماق نهر مليء بالغرابة. نهر ولا كالأنهار قادتني إليه فرس مترعة باللهفة، نهر كنت أغرق في أعماقه غرقاً لذيذاً وأحس في فمي نكهة التين. قبل أن نغادر الغرفة قالت مارغريت: ـ أعتقد أننا سنكون صديقين حميمين.. قلت بقناعة: لقدأصبحنا صديقين يا مارغريت.. قالت وشغف الأنثى المرتاحة يلون صوتها الطري: أعتقد ذلك. في الطريق كنت ألف خصرها بذراعي ونسير، في طريق ملعون اسمه ايرلزكورت قابلتنا فتاة ترتدي ثوباً يكشف عن فخذين تجعلان الروح تطير. فتاة ممتلئة تشع نضارة لحمها الأبيض فتخترق الدم وتحيله إلى شعلة نار.. ودون وعي وجدتني أتوقف، تصلبت دهشة واستدرت لأتابع الفتاة التي صارت وراءنا، ثم رددت كالمسطول وأنا أصفر: ـ يا إلهي أية أنثى هذه! دفعتني مارغريت في صدري بضراوة وابتعدت، وإذ خرجت من رعب الصدمة لحقتها فحثت خطاها وقالت: ـ أنت مريض ولا تبحث عن الحب. قلت بضراعة: مارغريت لم يكن سوى مزحة. قالت وهي تبتعد: أنت أشد أنانية من المغربي. حاولت أن أبرر لها غير أنها قالت بصرامة: ـ ابتعد وإلا سأصرخ وأنادي الشرطة. توقفت، وكان آخر ماوصلني منها: ـ أنت لست ثعلباً فحسب، بل ذئب وسخ. بقيت أرقبها وهي تبتعد، ومع أن الجو كان مضيئاً إلا أنني شعرت بأن الضباب يجثم على المكان، ورأيتها تندس في الضباب وتختفي.. في الليلة التي أعقبت هذا، وفي ليال أخرى، ذهبت إلى نفس الحانة، لكن مارغريت لم تعد إليها أبداً. والغريب أنني مازلت أحس أناملها تعبث بشعري الخفيف وبطعم التين في فمي يختلط برائحة الابنوس، وأتساءل: هل صحيح أنني مريض ولم أخلق للحب؟ *** |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |