|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:55 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الحب في زماننا من منكم أتيح له أن يقف أمام امرأة من عشب ودمع، وأن يحوم حول فراشة محاصرة بالنيران؟ يبدو أن قدري يضعني في حالات مربكة تجعل مني بهلول العاشقين. الآن لي أن أروي لكم الحكاية التي ابتدأت في فندق يتوهج بالنور ورائحة الأنوثة والطعام الشهي. كنت أرشف من فنجان قهوتي وأحاول أن أحصي عدد مربعات النور التي تؤطر النوافذ المزركشة بخطوط وتعربشات نباتية تتسم بشيء من البدائية. وفجأة دهمني وجهها المكتنز بوهج مدمر مضيء بدهشة الصباح وأسلمني إلى رائحة ليل غض رحل وما زالت بقاياه تسطع كالفراشات التي قدت من نور يرحل في الألوان. فجأة وجدتني أرمق الدماء القلقة في وجه تلك المرأة وأشهق بحبور ضائع في الضوء والرحيل. بدأ الجميع رصد هذا الوهج المدمر المضيء بدهشة العشب الصباحي الذي يحن إلى الرحيل. عن كثب تطلعت إلى ذلك الأسى في العينين ذلك الأسى الذي أودعني في قلب إحساس بنزول كارثة. نظرة ندية محزونة توحي كما لو أن الناس يخوضون في شوارع تستحم بالدم. انتشلني صوت أحد الأصدقاء: ـ هل رأيت هذه الأنثى التي اخترقت دائرة الاحتفال وحولتها إلى خضرة بهية؟ أنظر إلى الرجال الذين يحومون كالذئاب الجائعة. قلت: ـ أشعر بأن الجميع قد تحولوا إلىثيران هائجة ترمق نداء الدماء في الوجه المحزون. في الذراعين المزهوين في العينين اللتين تشعلان الحرائق. قال: ـ جمال متوحش ونادر كهذا يحتاج إلى كثير من الجنون. لا أدري كيف نهضت لأسير نحوها كالمنوم ولأقول بشيء من الخشوع: ـ ثمة رجل مجنون. فيه من نزق الطفولة وحكمة الحيوانات البريئة مايؤهله كي ينبح، أو ينهق، أو يزأر. ثمة سهم مشتعل ينشد الماء فبأية لغة تريدين أن نتفاهم وأي وجه أتخذ كي أستل بعض هذا الحزن المتفجر؟ أشارت لي أن أجلس ففعلت. قالت: لم أكن حزينة ولكني أحس بالعزلة. قلت: ـ بالله دليني على من أعطاك هذا الحزن. هل يستحق أي كائن كان أن يقودك إلى هذا الأسى ويسلمك إلى هذا النزيف؟ قالت: ـ أنت فضولي. قلت: ـ في البداية، وأنا أرقب وجهك قلت سيرميك الله في النار إن لم تنتشل هذه الأنثى من مطر النار الذي يتلقف وجهها المأسور، وعندما رأيت هذا الترف تحرك الحيوان في داخلي. ابتسمت: ـ قلت: أعترف بأنك قد اخترقت الجميع، واخترقتني جزئياً. ابتسمت ثانية، وقالت: ـ هل تأخذ فنجان قهوة؟ قلت: ـ هذا فأل خير أنت أكرم مني وقد سبقتني في الدعوة. ونهضت لأقودها إلى كافتيريا الداخل بعيداً عن عيون الآخرين. قلت: ـ كم من الحرائق قد أضرمت في قلوب الرجال؟ قالت: ـ أنت تكثر من الأسئلة وتلك علامة حسنة. قلت: ـ هل يمكن للمرء أن يمسك بالبرق؟ كنت برقاً بهر الآخرين، لكنهم خشوا الصاعقة والاشتعال، تحاشوا الذوبان في هذا البلاء. قالت: ـ جرأة القلب تعجبني، أذوب في جرأة القلب. أخرجت سيجارة فسارعت إلى إشعالها. قالت: أحببتُ رجلاً حد الفناء. قلت: ـ جميل. قالت: اتضح أنه متزوج رفضته لأنه كذب، أعلمني ولا أقول أوهمني بأنه أعزب، المسألة في المبدأ وليس في الزواج أرفض علاقة ترتكز أساساً على الكذب. قلت: ـ لكن هذا لا يكفي. قالت: ـ أحب وأحترم شقيقتي لأنها سافرت مع من تحب. واختارت وضعها البشري. قلت: ـ يعجبني رأسك. قالت: وهي تنفض رماد سيجارتها التي تلون عقبها بأحمر شفتيها: ـ أنهيت دراستي في علم النفس قبل أكثر من سنتين ولم أشأ أن أضع نفسي في قفص الوظيفة. قلت: ـ علم النفس لذيذ وممتع. قالت: ـ أعتقد بأن فرويد أكبر من ماركس. أنا مؤمنة بأن الغرائز هي الأساس في الإنسان. فهي طبيعته الأولى. وماعداها قوانين تفسر الإنسان من الخارج وتجهز على بدائيته وعفويته. قلت: ـ لا يروق لي فرويد كلياً، ولعلي قد استأت من تفسيره الثورة بروح القطيع. سألتني بغتة. ـ هل تعرف المخرج فلان؟ ـ قلت: هو معروف أكثر مما ينبغي. قالت: ـ كنت على علاقة معه، في البداية قال لي أنه قد اشتهاني، لكنه قال فيما بعد بأن دور الجسد قد انحسر وأنه يحب روحي. قلت: ـ لا أستطيع أن أكون كذاباً فأنا أحب هذا النور في رأسك، ولكني أحب وأشتهي ثمر هذه الحقيقة التي تصيب المرء بالقهر، أحب نار هذه القامة العامرة بالطيوب والعجائب. قالت: ـ هل يزعجك أن أتحدث عن الناس الذين أحببت؟ قلت: ـ لي صديق يسمي المرأة ذات الفخذين الممتلئين، امرأة مفخذة. نظرت إلى الأسفل وقالت: ـ ذاك يوحي بالترهل. قلت: ـ لا أقصد المرأة البدينة، بل الممتلئة. وقلت: إنّ صديقي يحب الزّغبَ عليهما فهو يذكره بالزغب الناعم في صدر المرأة. قالت: ـ أنت غريب. قلت: ـ إنسان. أمعنت النظر في شعرها الشبيه بشعر مادونا وحدقت في سترتها السوداء وتنورتها الرمادية. قالت: ـ الجو حار. قلت: ـ ضعي السترة جانباً. قالت: ـ ملابسي خفيفة. قلت: ـ هل أشرب كأساً من البيرة؟ قالت: ـ أرجوك لا تفعل. قلت: ـ الغرفة التي أسكن تطل على النهر والحدائق. قالت: ـ أمهلني ولا تتعجل معي. قلت: ـ أنت تثيرين المرء وتلقين به إلى التهلكة. قالت: ـ وأنت تثير الزوبعة. قلت: ـ هل تأتين في المساء؟ قالت: ـ إذا كنت قد فضت كالنهر وأنت تراني هكذا فكيف ستتدبر حالك إن أقبلت في الليل؟ قلت: ـ أحب الساحرات اللواتي يجعلن الماء يندفع في عروق الحطب اليابس. قالت: ـ سحري لا يدفع الماء، سحري يلقي بالناس في النار. قلت: ـ أردت أن ننفرد ببعضنا كي تري إنْ كنت إنساناً يحترم نفسه أم لا؟ ـ لم تجب. حدثتها عن أربعة رجال التقوا ذات ليلة امرأة مثيرة ترقص في ناد ليلي بكامل ملابسها التي حركت الوحوش في عروقهم قلت لها أن المرأة بقدر ماكانت مكتنزة رشيقة شهية، وهي ترقص، كانت منفرة كريهة فالملابس قد خدعتهم، ولذا هربوا بأنانيتهم تاركين إياها تصب اللعنات عليهم. قالت: ـ لن تستفزني بهذه الحكاية ولا تتعجل فسترى ما تحب. قلت: ـ المرأة سر رباني والجسد العاري هو الذي يعلن كنوز المرأة. قالت: ـ هذا صحيح إلى حد كبير. قلت: ـ تعرفين أن الأرواح المتشابهة تتعارف وتسعى لتتوحد مع بعضها. قالت: ـ أعرف ذلك. قلت: ـ كان لي صديق أحب امرأة إيرلندية وأمضى معها عدة أشهر وذات مساء وهما يشهدان مسرحية ـ صوت الموسيقى ـ انتبهت المرأة إليه فوجدته يبكي وهو ينصت إلى صوت بتولا كلارك يصدح في مشهد الهروب من فيينا فقالت: ـ أنت إنسان. وطلبت منه أن يأخذها إلى شقته وهناك قبلته بحرارة قبلت صدره. يديه وجهه وهمست: ـ الآن أحبك أكثر. بيد أن صديقي هجرها وجاءني يرتعش غضباً ليقول: ـ أكان ماغمر دمها من ماء روحي مجرد أكذوبة بعد كل هذه الليالي التي أمضينا سوية ألم تدرك منذ البداية بأن لي روحاً؟ قالت: ـ عجيب أمر بعض الرجال. قلت: ـ والأعجب منه أمر النساء. شعرنا بالعيون ترصدنا فقالت: ـ الآن يتوجب علي أن أمضي. قلت: ـ وتتركيني وحيداً. قالت: ـ أمقت لحظات الفراق فهي قاسية. أعطتني رقم هاتفها، وأعطيتها رقم غرفتي. بعد منتصف الليل. في الواحدة والنصف جاءني صوتها عبر الهاتف: ـ ماذا أقول صباح الخير أم مساء الخير؟ قلت: ـ أفضل صباح الخير. قالت: ـ نحن كائنات ليلية كأجدادنا في الحضارات العراقية القديمة يبدأ نشاطنا ونهارنا في الليل. قلت: ـ اسمع صوت موسيقى تقولين أنه شوبان، لكنها الفصول الأربعة لفيفالدي كما أعتقد، تقولين أن شوبان قدصنع الفصول الأربعة أيضاً حسناً. ربما أكون قدأخطأت، ربما كانت الفصول الأربعة لهما معاً. ـ ماذا عن صديقك المجنون؟ لقد أحببته. قلت: ـ أنا أيضاً أحبه أجل كما تقولين هو رجل مكتظ. فيضان، بالمناسبة صوتك عبر الهاتف يغرقني في اللهب. ألم يخبرك أحد من قبل أن حسيَّته قاتلة. ضحكت بمراوغة فقلت: ـ أحببت عينيك. قالت: ـ لماذا ليس الشفتين؟ قلت: ـ هل أنا برق لأمسك أم أنت؟ قالت: ـ عدت إلى البيت أتوهج كنت جائعة ولم أستطع أن آخذ الطعام كان ثمة حدث قد وقع، أعرف أنه كبير فأنا شديدة الحساسية إزاء أشياء من هذا النوع في لقائنا كنت صامتة لم أتحدث سوى دقائق قلت لي تكلمي فأنت تجيدين الحديث أما أنا فلم أرد أن أوضح نفسي تركت لك حرية اكتشافي كنت تتكلم بجنون وقد استوعبتني كنت أشعر بأني أنا التي تتكلم ولست أنت، تصور العالم أصغر من قبضة كف وفيه نجد مايطمئن نفوسنا الملتاعة. قلت: ـ كيف لي أن أكتشف الغابة أو البحر. قالت: ـ لا تتواضع، الإنسان الذي لا يكتشفني في أول لحظة غير جدير بي، بالمناسبة هل تعرف (فلان)؟ وصعقني الاسم والسؤال فلذت بالصمت. قالت: ـ تعرفه بالتأكيد، لم أستجب له رغم مايمتلك من نفوذ وثروات لماذا صمت؟ أنت تختلف عن الآخرين ـ أنت لا تخلق عندي أي ملل، أنت مجنون نادر وأنا أحب المجانين، أنا أنحاز إلى الحالات الصعبة المقلقة فهي تحرك الماء الراكد في بحيرة أعماقي، تعطيني الحيوية وتجعل روحي مشتعلة، هل تسمعني جيداً، الهدوء والسكون والابتعاد عن الأمور المثيرة تشعرني بالكسل وبأني متعبة أنا لاأبحث عن عبء بل عمن يساعدني في إزاحة هذا العبء عن روحي. قلت: ـ أشعر بالخوف يا امرأة. قالت: ـ لا تخذلني في نفسي فأنا لا أريد أن أكون شيئاً عابراً في حياة الذي يحبني. أحب أن أترك بصماتي واضحة في نفس الرجل الذي أحب والإنسان الذي لا يصلني أول لحظة لن يصلني في النهاية هل تسمعني؟ لماذا توقفت عن الحديث أيها المجنون. رميت سماعة الهاتف جانباً، وانتفضت لأغادر الغرفة التي كانت ندية بصوت امرأة من دمع وعشب. *** |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |