رائحة التفاح - د. نجمان ياسين

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:55 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

عــــــلاقة

تأملته بصمت وسألت:‏

-أين تريد أن تقبل المرأة؟‏

كان يتصور أنها قد سألته عن مكان اللقاء بالمرأة لا عن القبلة فقال:‏

-أريد أن ألتقي بالمرأة في عراء واسع ثم ندخل ملكوت العالم تحت زخات المطر واختلاط خضرة الأعشاب ووحل الأرض تحت سماوات الرب الشاسعة.‏

تطلعت إليه بشراسة وولولت بمرح:‏

-أنت خيالي مجنون.‏

هزّ رأسه وقال:‏

-ربما.‏

صرخت بجدية:‏

-تصور أنا أحبك ولا أريد الزواج منك.‏

فكر..‏

شيطانة صغيرة في رأسها شعلة نار، تقرأ لهيجل وتعرف همنغواي وغوركي وتقود التظاهرات ضد سياسة الحكومة في مدينتها الغافية على البحر.‏

-اسمع.‏

انتشله صوتها من أفكاره فمط شفتيه واتخذ سمة الجد والوقار قائلاً بخشوع:‏

-أنا الآن متعبد في معبد.‏

ضحكت وغمغمت:‏

-كنت أعرفك قبل الآن، ثق كنت أعرفك، ولكن لم أفكر بأن هذا الرجل أحمق بهذا الشكل.‏

فجأة قال:‏

-حدثيني عن بلدك.‏

انتصبت وأخذت حفنة هواء ثم سألت:‏

-عني أم عن الناس؟‏

رمقها بخشونة جارحة وقال:‏

-عن الاثنين.‏

أفصحت:‏

-حياتي بسيطة هناك.‏

قال:‏

-لا أصدق.‏

أجابت ضاحكة:‏

-أحب الكذب أحياناً.‏

-اصدقي إذن.‏

ركضت بين الأشجار الشامخة المرصوفة حول ساحة مربعة فحث خطاه وعندما اقترب وجدها تبكي بهلع ورجاء. انساب صوته:‏

-لماذا؟‏

-أحبك أحبك أيها المجنون.‏

اتخذت نبراته الهدوء:‏

-هذا لا يدعو للبكاء.‏

واجهته:‏

لا تكن ساذجاً فأنا لست قادرة على أن أجعلك لي.‏

قدم لها قطعة كلينكس -فجففت دموعها وأكملت حين رأت نظراته تستجدي: -في الوطن ينتظرونني.‏

-هكذا!‏

واصلت:‏

-في صغري كنت عفريتة أتحرش بالجميع وعندما يريد أبي أن يضربني كنت أهرب إلى البحر وأرمي نفسي فأشبع من الماء وأكاد أغرق.. يخرجني أبي، يعالجني ثم يبدأ بضربي حين أصحو، وكنت أعود للتحرش بالآخرين ثانية.‏

ضحك وقال:‏

-ثم؟‏

-قلت لك أن النقطة الحساسة كانت وقت تعرفت بمدرستي الفلسطينية التي أمدتني بكتب كثيرة.‏

وبحركة مرحة قالت:‏

وعملت في السياسة:‏

وغيرت نبرتها وقالت والشرر يتقد في عينيها الداميتين:‏

-في مدينتي نأخذ الطعام بالبطاقات.‏

رد:‏

-قرأت هذا مرة.‏

أكملت:‏

-والبوليس يأتي مع الماء والهواء، إنهم يكسرون الأيدي ويخلعون الأرجل، ويجيدون قلع الأظافر ووضع الملح.‏

أحس انفعالها الشديد فقال باستفزاز:‏

-جسدك لعنة عليك.‏

ضحكت، اختفى الانفعال وهمست:‏

-هنا فقط، أنتم جائعون‏

سأل:‏

-كلنا؟‏

وشعر بصوت يهتف في داخله: رغم أن جسدها يثير برشاقته وتكوينه البديع الحيوان في أعماق أي رجل إلا أنها بريئة. بريئة محكومة بلعنة الجسد.‏

ضحكت ثانية وقالت:‏

-حتى أنت.. ولكن حيوان وديع سالم.‏

تحداها.‏

-لأنك تجهلين من أنا.‏

تحدته:‏

كتاباتك أوضحت لي أعماقك.‏

قال:‏

-بالمناسبة، أنت صاحبة أسلوب شعري مدهش.‏

-لا..‏

-ثقي.‏

-أيها الصغير، يا طفلي المتعب أنت لا تعرف بأنني قد فزت بجائزة قصصية في بلدي.‏

-يجوز.‏

وراح يتفرس بحري عينيها المغزولتين بشوق عارم.‏

انتشله صوتها:‏

-لنرجع.‏

وافق:‏

في الطريق كانت نظراتها دامعة، متعبة وفي عينيها هاتف يصرخ:‏

-أحبك. ولكن يا للأسى فأنت لن تكون لي.‏

***‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244