رائحة التفاح - د. نجمان ياسين

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:55 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أقنعة الصوت وانشطار بنية الحكاية

بقلم :‏

الدكتور محمد صابر عبيد‏

مثلما يعمل الصوت في النص الشعري على افتتاح مجارٍ خاصة تستوعب طاقاته، وتوفر لها سبل العمل من خلال المعادلة التي تنهض على وجه الصوت وقناعه، فإنّ القاص المبدع نجمان ياسين في مجموعته الجديدة "رائحة التفّاح" قد تمكّن من نقل تقاليد عمل شعري ما إلى ميدان عمله القصصي، مستثمراً خاصية الصوت بمستوييه الوجهي والقناعي في تحريك فعله الحكائي القائم على الانشطار والتوزّع في رسم المشهد القصصي العام؟‏

لقد أدرك نجمان ياسين "أن لا مفرّ من الاستمرار في البحث عن طرق فنية وإبداعية جديدة، إذا ما أراد الاستمرار في الإخلاص لفن القصة، وهو يدرك أن الموضوع وحده ليس كفيلاً بتحقيق شيء مهم على هذا الصعيد، فراح يكتب بطريقة أخرى يحاول فيها أن يكون جديداً من خلال عالم جديد خلقه القاص مزيجاً دينامياً من الواقع والخيال، إلى الدرجة التي تضيع فيها الفواصل التقليدية بينهما، فيصبح الخيال واقعاً والواقع خيالاً، وقابل ذلك بمحاولة تجريبية أخرى في محو الخطوط الوهمية الفاصلة بين الشكل والمضمون، بحيث يضيع الشكل في المضمون والمضمون في الشكل"(1) .‏

وسنحاول في هذه المداخلة تسليط الضوء على أهم المقاربات التي تُظهر هذا العمل القصصي الجديد واحداً من أهم الأعمال القصصية التي ظهرت في السنوات الأخيرة، وامتلكت استقلالية واضحة تشي بقدرات قصصية كبيرة لهذا القاص المبدع.‏

بنية النداء وتمركز الدلالة‏

يشرع الصوت القصصي في بناء شكله القناعي عبر بنية تكاد تتكرّر في معظم قصص المجموعة، يمكن أن نصطلح عليها "بنية النداء"، هذه البنية التي تتمكن من استقطاب حيوات القصة ودفعها إلى تمركز دلالي يتّحد في بعده العام وينشطر في مجازاته اللغوية.‏

يتخفى النداء بوضعه اللغوي المباشر وراء أقنعة متعدّدة، يحتل فيها معامل الطبيعة الجزء الأعظم، لأنّ الطبيعة كما تبدو في قصص "رائحة التفاح" ومن قبلها قصص "ذلك النهر الغريب" هي مصدر أساس من مصادر صناعة الرغبة والموت والجنس وأفعال الحياة المختلفة، ويعكس هذا الانغماس غير الاعتيادي في الطبيعة "فهماً جديداً للعلاقة بين الشرق والغرب على مستوى الأفعال القصصية للنص، فهو على الرغم من أنّه شكّل بها مناخاً غربياً، غير أن جذورها وأصولها في ذاكرته الشرقية فعلت فعلها في الانتماء والتآلف ومدّ الجسور، إلى الدرجة التي بدأت وكأنها مفردات تنتمي انتماءً مباشراً إلى قاموسه الشخصي والنفسي والتاريخي"(2) .‏

وتتنوّع هذه الأقنعة بتنوع درجة الاتقاد الروحي والجسدي الذي تعيشه أفعال كلّ قصة، وينعكس ذلك مباشرة على إيقاع فعل الرغبة الأساس، المولّد لدينامية الحركة القصصية.‏

ففي قصة "الطائر والقفص" تتقدم بنية النداء بأربعة عناصر، تتجانس في مدى وتفترق في أخرى، ويمكن رصدها نصيّاً بالصورة الآتية:‏

1-كانت طويلة رشيقة، لها عينان خضراوان وبشرة سمراء، وثمة نداء خفي في وجهها يوحي للمرء بأنه أمام سيدة حقيقية تمتلك من اللهب في جسدها ما يكفي لإضرام الحرائق في العالم).‏

2-قال غزوان:‏

سأسعى إلى أن أكون واقعياً وأتنكر لنداء دمي الذي يريدك)‏

3-قال لها أكثر من مرّة- أحب هذا الثدي المختلج تحت قميصك، أحب الدم الذي يشي بنداء الأعماق فيك)‏

4-كان موزارت يقتحم بموسيقاه رسمية البلاط المحافظ ويسحر الموظفين محوّلاً إيّاهم إلى أطفال ترتعش قلوبهم بالبهجة وتتوق لنداء النهر والغابات).‏

ثمة أربعة أنماط لبنية النداء في هذا النموذج القصصي هي "نداء خفي/ نداء دمي/ نداء الأعماق/ نداء النهر والغابات".‏

يثير النمط الأول "نداء خفي" إشكالاً دلالياً بين الوجه والقناع، إذ يقود هذا الصوت المحرّم الظهور بفعل تشكيلة المدرك بوساطة الملامح لا الموجات الصوتية، إلى سريّة الأداء الفعلي، عما يمنحه من قدرة على صياغة ارتداد صوتي عنيف في الآخر، وبالتالي تتمركز الدلالة في ردّ الفعل لا الفعل.‏

تنتقل بعد ذلك بنية النداء إلى موقع أكثر وضوحاً ومباشرة على المستوى الدلالي في "نداء دمي"، إذ يتوفر فيه عنصرا الملموسية "دم" والانتماء "ياء المتكلم"، مما يحصر الفعل القصصي في دائرة الأداء المستكن.‏

تتحول البنية بعد ذلك إلى شمولية الدلالة واتّساعها في "نداء الأعماق"، حيث يغيب تمركز الدلالة التي تتحول إلى صدى يتردد في "الأعماق" على شكل صورة في مرايا متعاكسة.‏

ثم تتجمع كل أنماط بنية النداء هذه في "نداء النهر والغابات" إذ يظهر قناع الطبيعة فاعلاً فعله في رصد نظم الدلالة ومستوياتها، وتوزيعها على جسد القصة بالصفة التي يظهر بها معامل الطبيعة على أنّه مانح لبذرة الحياة، من خلال الرغبة المتحولة إلى فعل جسدي عبر المزاوجة الحادثة بين "الماء" الذي هو أصل كل شيء حي" وبين "الأشجار" نموذج ديمومة الحياة واستقرارها.‏

وتتمظهر بنية النداء في قصة "شجرتان وعصافير" بالمظاهر نفسها التي تقود إلى التمركز الدلالي نفسه، فيتقدم في هذه القصة "نداء الماء" بواقع مرتين، وهو نمط متوالد من "نداء النهر"، الذي يقترن فيها بالجبال هذه المرّة "نداء النهر والجبال"، بوصفها أرضاً ثرّة حبلى بالمفاجآت، لتقترب الدلالة أكثر من هاجس فعل الحياة بصوره الأولية القائمة على الاقتران المباشر.‏

ثم تتوزع بعد ذلك أنماط هذه البنية على مساحة قصص المجموعة وكأنها صورة عنقودية تتناثر دلالياً بشكل خطوط صوتية على القصص، لتخفي وراء أقنعتها أشكالاً شتّى من الرؤى، تلتقي كلها في مستودع دلالي واحد.‏

ففي قصة "رائحة التفاح" يظهر "نداء الدم+ نداء الغابات الشائكة الأولى"، وفي قصة "تلك النجمة التائهة" يظهر "نداء الغابات الأولى+ نداءات محرقة"، وفي قصة "ماريا" تظهر "نداءات الوحوش"، وفي قصة "الحب في زماننا" يظهر "نداء الدماء".‏

هذه الخطوط الصوتية المقنعة تتردد في فضاءات القصص، تتقاطع مرّة وتتناظر مرة وتندمج مرة أخرى، لكنها تسهم بعمل مشترك في صياغة نسيج دلالي واحد نابع من فيض الجسد.‏

إنَّ هذه المداخلة التي تتقصد تفحص روح الشكل القصصي من خلال بنى تبدو لأول وهلة وكأنها تتحرك خارج المتن القصصي، إنما تستهدف الكشف عن ثراء لغة القاص وشاعرية أدائها، فالزخم الشعري الذي تتأثث به الصيغ الوليدة لهذه المفردات، إنما تعكس خاصية إدراك حساسية اللغة ونقاط ثرائها وتمركزها الدلالي، إلى الدرجة التي تبدو فيها وكأنها لغة جديدة لا تتحرك على سكة المعاني المجردة، بل تتحرك بإيقاع خاص يمنحها شكلاً آخر وقدرة مضافة على صنع احتمالات دلالية جديدة.‏

فكرة الغناء الجسدي واتساع فعالية الصفات‏

تنهض قصص "رائحة التفاح" جميعاً على فكرة الفناء في الجسد البشري بوصفه مغزى الحياة وسرّها المخبأ في بواطن الرغبة، وهي تشعل في الإنسان قدرة التواصل والخلق والإبداع، ويظهر الفعل الجنسي فيها على أنه فعل خلق وإبداع قبل أن يكون فعل لذة حسيّة وحسب، لهذا جاءت بطلات القصص جميعاً من تجارب ذات مستوى حضاري معين يفترض هذا الفهم وهذا الوعي.‏

إنَّ المرأة هي مركز الكون كما تريد هذه القصص أن تقول، وبفعل حساسية الشخصيات النسوية المسيطرة على القصص فإنّ لغة السرد والحوار تكتسب أشكالاً شبه موحدة يهيمن عليها الوصف وتحتلها الصفات بشتّى أنواعها.‏

إنّ اتساع فعالية الصفات تنبع أساساً من فكرة الفناء الجسدي التي تتمحور حولها الأفعال القصصية، غير أن الانفعال الحاد الذي يصاحب أداء وإيقاع الفعل القصصي يدفع القاص أحياناً إلى التمادي الحرّ في استخدام الصفات، مما يزيد من استخدامها ويبالغ في تكرارها.‏

فصوت الجنس الطاغي هو الذي يدفع بالصفات إلى اكتناز الحضور واتساع دائرة العمل.‏

ولو فحصنا على سبيل المثال الاستهلال الذي افتتح به قصة "رائحة التفاح" مشروعها القصصي، لأدركنا عمق هذه القضية الفنية ودرجة أهميتها في تشكيل الواقع القصصي لهذه المجموعة.‏

"رغم أنّ غزوان الفهد اشتهى أن يلتهم تفاحة ذات لون أحمر رائق يزهو بين الفاكهة الشهية التي ابتاعها من -السوبر ماركت- إلاّ إنّه شهق وهو يمتصّ تفاصيل وجه المرأة الذي لسعته أشعة الشمس وحولته إلى برونز يتّقد بنضارة دافقة تلهج بالصراخ السرّي الصامت.‏

أدرك غزوان الفهد خطورة الغموض المنهمر من عيني المرأة الشبيهتين بشفرتين قاطعتين، وخالجته رعشة خفيفة مكتنزة بالخوف من الموت.‏

إنَّ المفردات ذات الأداء الوصفي الحاد "الفهد/ اشتهى/ يلتهم/ لون أحمر رائق/ الشهية/ شهق/ يمتص/ وجه المرأة/ لسعته/ أشعة الشمس/ حولته/ برونز/ يتقد/ نضارة دافقة/ تلهج/ الصراخ/ السرّي/ الصامت/ خطورة/ الغموض/ المنهمر/ شفرتين/ قاطعتين/ خالجته/ رعشة/ خفيفة/ مكتنزة/ الخوف/ الموت"‏

تشكل الجزء الأعظم من نسيج لغة الاستهلال، وقد تشبعت بثراء دلالي يسير في نسق واحد، ويعبر عن فكرة مركزية يحاول القاص حشد كل طاقات لغته من أجل توكيدها وتجسيمها وإيصالها إلى مصاف الأعمال الاستثنائية الخارقة.‏

إنَّ فكرة عشق الجسد والفناء فيه ليست جديدة ولها أبعاد ميثولوجية وأسطورية عديدة، غير أن نجمان ياسين لا يحاول الاتكاء على أيّ من هذه الأبعاد، بل يحاول أن يجعل من الجسد نفسه أسطورة الأساطير، لذلك فإنّه لا يظهر في هذه القصص على أنّه جسد مجرّد، إنما كائن نابض بكل طاقات الحياة وقدراتها وفعالياتها، ويصبح الفناء فيه فناء في الحياة نفسها، بمعنى الامتزاج بكل ذرات الحياة والتنفس الحرّ من خلالها.‏

وإزاء هذا التوقد في التعامل مع الفكرة ومستوياتها الدلالية فإنّ اللغة يجب أن تطوّع بشكل جديد يسهل معه إيصال المتلقي إلى استيعابها والدخول في أجواءها وفضاءاتها.‏

وتتسع فعالية الصفات في دائرة العمل اللغوي كما هو واضح بسبب قدراتها الدلالية الخاصة في رصد الفكرة والتعبير عنها، بما يتناسب مع عمقها وحساسيتها وقدرتها على التجاوب السريع من الحدث القصصي.‏

وبهذا فإنّ القاص نجمان ياسين لا يطرح الفكرة القصصية مباشرة على سطح عمله القصصي، إنّما يطرح ظل الفكرة، ومن خلال العمل الذي يجري في مساحة هذا الظل، تبدأ الخطوط والإضاءات بقيادته من ظل الفكرة إلى واقعها الحيّ الفاعل.‏

شعريّة اللغة بين حساسيّة الرائحة وفعالية اللّون:‏

إنّ اللغة القصصية بطبيعة الحال يجب أن تستخدم كلّ قدراتها المتاحة في سبيل خلق نظمها وقوانينها المكوّنة لقاعدة العمل القصصي، أيّ أنّ اللغة لا تنساح في القصة بلا ضوابط، وهي ليست إنشاءً قائماً على اندياحات الذاكرة اللغوية للقاص كيفما اتفق.‏

لذلك فهي تستثمر طاقات الحواس في محاولة إضفاء كمال صوري على المشهد القصصي كما هو الحال في قصّة "رائحة التفاح"، إذ أنَّ حاسة الشم هي التي تفتتح لغة القص بآليتها المباشرة "رائحة".‏

تنتقل "رائحة التفاح" من فعاليتها الحسية المحدودة في عضو جسدي واحد، إلى فعالية شمولية يقوم بها كامل الجسد، واختيار "التفاح" بالذات له أكثر من دلالة رمزية، فلها بعد في الموروث الديني والأسطوري، كما أن شكلها ولونها له علاقة بفعاليات الجسد الخاصّة، حتى الأصوات المكونة للكلمة "التاء-الفاء- الألف-الحاء" بتواليها هذا لها مساس بهذا الفضاء الجنسي.‏

"ضحك غزوان وامتدت يده لترفع كيساً مكتنزاً بالفواكه والخضراوات فقط، ولم يستطع أن يفهم لماذا كان يشم رائحة التفاح دون بقية الفاكهة".‏

هذا يعني تماماً أن رائحة التفاحة ذات صلة خاصّة بالكائن البشري، هذه الصلة يتحسسها، يعيشها، يتفاعل معها، لكنه قد لا يدركها تماماً، لأنها تدخل في أخصّ خصائص حياته الداخلية.‏

فالقاص في هذه القصة يمنح التفاح لوناً ورائحة بشريّة:‏

"كانت مونا في السابعة والعشرين عارية إلاّ من ثوب سباحة أحمر صارخ، يشدّ جسدها الممتلئ البض، ويمنح جلدها رائحة ولون التفاح"‏

ثمة قرائن عديدة في هذا النص الصغير المأخوذ من القصة، يمكن ترتيبها بالمرتسم الآتي:‏

الأنثى الصورة الأنثى الهيكل الأنثى المحيط الأنثى المركز‏

فعالية مشتركة كاملة‏

السابعة والعشرين‏

مونا عارية +‏

يمنح جلدها رائحة ولون التفاح‏

ثوب سباحة أحمر صارخ‏

جسدها الممتلئ البض‏

إنّ هذا التداخل في رسم شكل المرأة "المتحوّل" يصل إلى قلب الدلالة في مفردة "التفاح" المسبوقة بـ "رائحة+لون"، فمحرق الدلالة إذن في المركز وهو محور الفعالية الإبداعية في القصة.‏

ثم ترد في هذا الإطار جملة قصصية في القصة نفسها تقول "يشُمّها بنهم ولهفة محمومة"، لتدلل على أن فعالية الشمّ تزاوج تماماً بين المرأة وفاكهة التفاح وعلى كلّ المستويات.‏

إنَّ هذا الامتزاج بين المرأة والتفاح المنتج في فعاليته الجنسية للرائحة، يدفع بها في خاتمة القصة كي تقود عملية صنع الدلالة في التشكيل القصصي:‏

"عندما أصبحا في الخارج، أحسّ غزوان الفهد برائحة التفاح تهاجمه"‏

"كان الفيضان يأخذ غزوان الفهد بعيداً وكانت رائحة التفاح تهاجمه بوحشية لم يعهدها من قبل".‏

لقد منح القاص الرائحة فعلاً شرساً ينطق بجوع جنسي أبدي "/ تهاجمه بوحشية"، متقصداً ذلك لتشكيل علاقة من نوع خاص بين بطلة القصة الغربية "مونا"، وبطلها العربي "غزوان الفهد"، ومكانها الغربي "مسبح بيكاديللي".‏

وبهذا يكون القاص قد نجح في اختيار عنوان هذه القصة عنواناً رئيساً لمجموعته القصصية الجديدة "رائحة التفاح"‏

ولو تفحصنا القصص الأخرى للمجموعة لاكتشفنا أن مفردة "التفاح" بطاقاتها الإحيائية الكبيرة ليست حكراً على قصة "رائحة التفاح"، ففي قصة "تلك النجمة التائهة" يأتي هذا الوصف:‏

"في الغرفة المزدحمة بالصحف والنشريات الخاصّة بذوي الأعمال التجارية، كان يجلس، وكانت سمية الشعلان قد وضعت على مائدة جانبية مجموعة من القناني الملوّنة وحقنة دقيقة، وبعد أن قدمت له عصير تفاح اتجهت إلى الحقنة وأفرغتها من الهواء ثم غرزتها في قنينة ذات لون بنفسجي، تحسست عرقاً نافراً من ساعدها وضغطت بهدوء عجيب".‏

إنَّ هذه الفعالية الطبية التي قامت بها سميّة الشعلان، لم تكن في حقيقة أمرها وبحضور عصير التفاح سوى شكلٍ من أشكال العمل الجنسي، الذي يقدّم في قصص نجمان ياسين بطرق غاية في الحسيّة والمباشرة تارة، وغاية في الرمزية والإيهام تارة أخرى.‏

إلاّ أنّ هذا الفعل الحواسّي "الرائحة والطعم" يتحول في قصص أخرى من قصص المجموعة إلى أصناف أخرى تخرج رمزياً من معطف التفاح.‏

ففي قصة "مارغريت" تصبح رائحة الجنس أكثر حدّة وطعمهُ أكثر لذاعة:‏

"في الغرفة التي ضمتنا، كانت مارغريت فرساً جموحاً طارت بي في غابات أفريقيا وجعلتني كائناً بدائياً أترعت روحه رائحة الأبنوس وطعم الفلفل".‏

كما يصبح اللون والرائحة أكثر حلاوة وندرة في قصة "الطائر والقفص":‏

"أنثى لها لون العسل ورائحته الشهية، تتمدد على أرضية الغرفة في شقته التي غادرتها رائحة النساء منذ زمن لم يعد يعرف بدايته".‏

وتتجمع الرموز كلها في التصريح برائحة الجنس في مفردته الوعائية الأولى "الأنثى" في قصة "السمفونية الناقصة":‏

"قلت لنفسي -وأنا أرقب الفتاة الواقفة بجانبي تتأمل تمثالاً لرودان وضع تحت اسم يد الله: يا لهذه الفتاة التي يتصدع الحجر من جمالها المتوحش، ولأني كنت أشم رائحة الأنثى من وراء كل بحار الدنيا، وقد ارتجفت لهفة وقلت:‏

-إنّ يد الله تسعى لوضعك في نعيم جديد أيها الأحمق المولع بالنساء".‏

إيقاع الحدث بين السرد والحوار:‏

تكاد تقوم قصص "رائحة التفاح" جميعاً على نظم واحدة في السرد والحوار، لأسباب عديدة يقف في مقدمتها أن القاص قصد أن تأتي المجموعة بنفس واحد وسياق دلالي وتركيبي واحد. ومحور قصصي واحد، وهذا بحد ذاته تميُّز لأنّ العمل الإبداعي لم يعد أسيراً للصدفة الإبداعية الموهومة، بل هو عمل فني منظم يخضع للتخطيط والبرمجة آخذاً بنظر الاعتبار عامل الزمن بنسقيه العمودي والأفقي.‏

يتحوّل الحدث في قصص "رائحة التفاح" إلى سهم يخترق بُنى السرد والحوار معاً، فارضاً إيقاعه الاستثنائي الخاص على حياد هذه البنى واستقرارها.‏

إنّ إيقاع الحدث في السرد ينبع من ظلال التراكيب القائمة على الوصف الجاد المشتبك برمزية اللغة واستعاراتها وأقنعتها، لهذا فإنه يرسم هدوءاً منبئاً بالانفجار والتشظّي في أيّة لحظة.‏

ففي قصة "رائحة التفاح" مثلاً يقول السرد:‏

"كان غزوان الفهد يدرك إمكانية وجود نساء لهن جاذبية نادرة أشبه ما تكون بالسحر، وها هو الآن يرى نفسه يتحرك مسلوب الإرادة بفعل مغناطيس يشدّه قسراً ويلقي به في غياهب الألم والحرقة"‏

وفي قصة "تلك النجمة التائهة" يقول:‏

"هل كان يحلم أن يرى امرأة وحشية العينين ذات جسد يهاجم الآخرين ويمتلك القدرة على احتلال مشاعرهم"‏

وفي قصة "حورية البلاد البعيدة" يقول:‏

"كيف يمكن للمرء أن يرقب حورية تجعل الحجر يرتعش ولا يشعر بتصدع في جسده وبرغبة عارمة في بكاء لا حدّ له".‏

وفي قصة "الحب في زماننا" يقول:‏

"الآن لي أن أروي لكم الحكاية التي ابتدأت في فندق يتوهج بالنور ورائحة الأنوثة والطعام الشهيّ. كنت أرشف من فنجان قهوتي وأحاول أن أحصي عدد مربعات النور التي تؤطر النوافذ المزركشة بخطوط وتعريشات نباتية تتسم بشيء من البدائية، وفجأة دهمني وجهها المكتنز بوهج مدمر مضيء بدهشة الصباح وأسلمني إلى رائحة ليل غض رحل وما زالت بقاياه تسطع كالفراشات التي قدّت من نور يرحل في الألوان، فجأة وجدتني أرمق الدماء القلقة في وجه تلك المرأة وأشهق بحبور ضائع في الضوء والرحيل".‏

ويمكن القول إنّ هذا الأسلوب السردي في القص والحكي يمكن أن ينطبق على جميع قصص المجموعة وفي كامل مراحل سردها.‏

أما إيقاع الحدث القصصي في الحوار فإنه يجيء سريعاً متوتراً مشدوداً يغلب عليه الحماس والدهشة والانفعال الحاد، فهو في أغلب الأحيان متوهج ذو لغة بسيطة سهلة مباشرة لكنها في الوقت نفسه مفخخة حبلى بالمفاجأة والاحتمال، كما يمكن ملاحظته في النماذج الآتية.‏

في قصة "ماريا" يقول:‏

"قالت ماريا: أريدك.‏

توترت أعصابي وارتخت مفاصلي ثم عقد لساني‏

قلت بصعوبة: هل تفعلين ذلك بسببي؟‏

قالت: أنت رجل لطيف وأنا حزينة وأريدك.‏

فتحت ماريا أبواب الجحيم لي وألقتني في سعير كافر لم يترك في جسدي بقعة إلاّ والتهمتها، سعير طيّر النوم من عيني وأبقاني أسير تلك النار التي أكلتني بضراوة.‏

في الصباح الباكر كان على ماريا أن تذهب.‏

في الصباح قالت لي ماريا: هل تعرف أن ساني أفضل منك؟‏

قلت بعصبية: لم أترك جمرة في أعماقي إلاّ وأطفأتها في نهرك، وربما كان أفضل مني لأنك تحبينه".‏

وفي قصة "السمفونية الناقصة" يقول:‏

"-يا لهذا العمل المروّع.‏

نظرت إليَّ فواصلت: يبدو أن لا خلاص من مصير الإنسان المفجع. قالت الفتاة دونما حذر ووجهها يختلج بارتعاشات خفيفة: أفزعني هذا الإنسان أنا الأخرى.‏

وجدتني أقف أمام باب مهيأ كي يفتح فسألت: هل تعرفين رودان جيداً؟‏

ضحكت وقالت: تقصد أعماله؟ رأيت بعض تماثيله الجميلة.‏

قلت بيقين: نحن نخاف الانسحاب ولكننا نستطيع أن نحيا في ظل رحمة نسيان مصيرنا المجهول.‏

قالت بيأس: أجل نحن منسحقون".‏

وهكذا الحال في كل الحوارات الملتهبة التي ضمتها قصص المجموعة، حيث تكتسي اللغة بأصوات متحفزة قلقة تتجاوز في فعلها أحياناً حدود الحدث ليصبح جزءاً منها.‏

بنية العنوان وسلطة اللغة العارية‏

تؤثر بنية عنوان القصة تأثيراً تفصيلياً في مسار حدثها وأدواتها وتوجيه آليات عملها، وقلة من كتاب القصة عندنا يعيرون أهمية لهذه القضية الفنية الداخلة في صميم بنيوية العمل الإبداعي.‏

ولو حاولنا تفحص عنوانات قصص مجموعة "رائحة التفاح"، لوجدنا تشكّل شجرة تتنوّع فيها الصيغ والتراكيب والرؤى، لكن نسيجاً صوتياً ودلالياً واحداً يكاد يمرّ بها جميعاً، ويسمها بسمات مشتركة تتحرك في فضاء حكائي واحد.‏

ويمكننا وضع مرتسم خاص يوضح شجرة التآلف والتداخل والاختلاف العنواني بين عنوانات قصص المجموعة، التي انقسمت على أربعة مجموعات، تتقارب كل مجموعة منها بوضع تركيبي لغوي ودلالي واحد من جهة، ورمزي قناعي استعاري واحد من جهة أخرى، وبالشكل الآتي:‏

فالقسم الأوّل الذي ضم القصص "رائحة التفاح/ تلك النجمة التائهة/ حورية البلاد البعيدة" وجاء تحت عنوان "التصريح الاسمي وفاصل الزمن والمناخ"، قدّم تصريحه الاسمي بالمفردات "التفاح+ النجمة+ حورية"، وقدّم فاصل الزمن والمناخ في مدى ومناخ الرائحة المنطلقة من التفاح نحو أنف المتلقي، والخط الفاصل بين المكان المركزي وتيه النجمة وبُعد البلاد.‏

والقسم الثاني الموسوم "قوة الإفراد" وضمّ قصة "علاقة، ذات الأداء الوصفي، وقصّتي "ماريا + مارغريت" بأدائهما العلمي، يتميز بسلطة الاستقلالية الفردية وعريها التركيبي من أية مكملات لغوية، فقوتها في إفرادها.‏

والقسم الثالث الذي احتوى قصتي "السمفونية الناقصة+ الحب في زماننا" وجاء تحت عنوان "تقريرية التسمية"، يكتسب قوته من مباشرته وحيادةِ ووعائيتهِ التي يملؤها حدث القصة.‏

أما القسم الرابع الموسوم "سلطة العدد وصيغة الإضافة" والذي ضم القصتين "شجرتان وعصافير+ الطائر والقفص"، فإنّ عري العدد المفصُول إلى قسمين على طرفي واو الإضافة هو الذي يفرض هيمنته الابتدائية على مناخ القصة منذ افتتاحها به.‏

فالعنوان على هذا الأساس ذو صلة جدلية ومصيرية بأحداث القصة ومناخها، ويبقى فهم القصة ناقصاً دون الوصول إلى استيعاب وإدراك هذه العلاقة، التي ما تنفك تفعل فعلها حتى آخر لحظة حياة فاعلة في القصة.‏

في ختام هذه المداخلات التي حاولت أن تواجه قصص "رائحة التفاح" مواجهة جديدة، وتقدمها تقديماً غير مألوف، يمكن القول إننا نهجنا في كل ذلك منهجاً حديثاً قائماً على اقتناص آليات الإبداع القصصي وكشف خصوصية عملها داخل كيانات القصص.‏

وفي الوقت الذي نفترض فيه نجاح التقديم ونقل المتلقي إلى مرحلة جديدة من مراحل التعامل مع القصة القصيرة الحديثة، إنما توقف بدرجة كبيرة على طبيعة هذه القصص التي استطاع فيها نجمان ياسين أن يقف على أعتاب مرحلة جديدة من مراحل تطوره القصصي، أملاً صادقاً في الإسهام المخلص في محاولة افتتاح فجر جديد للقصة العربية الحديثة، هذا الحلم الأصيل الذي يقوده ويشرع به ندرة من القصاصين الجادين الموهوبين، ويكفي نجمان ياسين أنه أحدهم، وآيتهُ في ذلك قصص "رائحة التفاح".‏

(1) ينظر مثالنا "شعرية النص- جدل الخطاب القصصي"، مجلة الأقلام، العدد الثامن، 1988، بغداد، ص 115.‏

(2) مقالنا السابق، ص 120.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244