|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:56 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
تمرينات صباحية عندما رجّت الصافرة هدوء الصباح، بعويلها الصاخب، كان ولدنا الصغير يلعب وحده، في حديقة الدار.. يدحرج كرته المطّاطية الملّونة على العشب الأخضر، ثم يعدو وراءها، يلتقطها من على الأرض، ويدحرجها في الاتجاه المعاكس. كان يبدو سعيداً، وكنا -أمُّه وأنا- نتأمله في رضى، من خلال النافذة العريضة، المطلّة على الحديقة، جالسين باسترخاء من يستمتع بإجازته، لا تشغله هموم يومية عاجلة، حين فاجأتنا تلك الصرخة المحذرة فانتفضنا فزعين، ورحنا نتراكض نحو الصغير، الواحد منا يرتطم بالآخر، وجدناه يقف حائراً مذهولاً، لا يدري ما يفعل. اختطفتُه من على الأرض، وعدنا نركض به إلى داخل البيت. سمعته يصيح، وهو يتلوى تحت ذراعي: "كرتي!" "بعدين". سارعت زوجتي تسحب الستارة، على النافذة، فحجبت عنّا ضوء النهار، وأسكتت صوت الموسيقى، الذي غطى عليه عويل الصافرة. سألتها: "لماذا أطفأت الجهاز!؟" قالت وهي تجلس بجواري: "حتى نسمع ما يجري في الخارج، بعد أن تسكت الصافرة". حاولت أن تبتسم للطفل، الذي يستكين، في حضني، وذراعي تحيط بجسده الصغير، في حين ظلت الصرخة اللجوجة تزلزل الهواء، من حولنا. أحسست، تحت ساعدي، بقلب الصغير يخفق بشدة. قلت له: "لا تخف. هذا تمرين". "تمرين!؟" "نعم، فهذا الصوت، الذي تسمعه، يصدر عن آلة صغيرة، وهم يجربونها الآن، ليتأكدوا من أنها تعمل". رفعت صوتي قليلاً، وأنا أكلمه، حتى يستطيع أن يسمع ما أقول. سكتت الصرخة، بعد حين، وسمعنا، لبضع لحظات، دويّ وسائل النقل تتخاطف، بسرعة مجنونة، في الشوارع القريبة. وبعد ذلك سكن كل شيء، كأن الدروب خلت، من العجلات، والسابلة. وساد المدينة صمت مترقب بدا ثقيلاً لا يحتمل. شعرت بالصغير يتململ، في حضني، فأجلسته بجوار أمه، وذهبت صوب المذياع. أدرته فامتلأ فضاء الغرفة، بنغمات هادئة، قادمة إلينا، من مكان آخر. قالت زوجتي، وهي تهز رأسها باستنكار: "أنت مجنون!" "ربما". غير أن الموسيقى، التي بدت شديدة العذوبة، كان لها وقع غريب -عبثي تقريباً- وسط الجو المشحون، الذي كان يطّوقنا. أجلست الصغير، في حضني، مرة أخرى. بعد قليل سمعت زوجتي تقول، بصوت راجف: "صوت طائرة في الجو!" قال الصغير: "أشوفها!" قلت له: "لا تقدر أن تراها، فهي تحلّق عالياً جداً". فظل يجلس خانساً، بين ذراعي، يصغي، هو أيضاً، لذلك الصوت الدخيل يتردد، في السماء، بدا الصوت نائياً، ومتفرداً، لا يخالطه أي صوت آخر، مثل طنين حشرة مستوحدة، في سكون الليل. غير أن ذلك لم يستمر طويلاً، إذ ضج الهواء، من حولنا، بصخب المدافع المضادة تحاول اقتناص الطائرة، شعرت بجسد الصغير يختلج في حضني. سألني: "وهذا أيضاً تمرين!؟" قلت له: "نعم يا ولدي، فهم يطلقون النار، في الهواء، ليتأكدوا أن المدافع ليست عاطلة". حدّق في عيني بارتياب، فتحاشيت نظراته المتقصيّة. التفت ينظر إلى أمه، فابتسمت في وجهه، إلا أن ابتسامتها كانت واهنة، لا تبعث على الاطمئنان. نهضت إلى المذياع، ورفعت من صوت الموسيقى، ورحنا بعد ذلك نسمع خليطاً غريباً، من هدير المدافع، وعزف الآلات الوترية. رمقتني زوجتي، في قنوط. مرّت لحظات، ثم سمعنا انهدام شيء ثقيل، في مكان بعيد، كأن كتلاً هائلة، من الصخور تنهار فجأة، من فوق جبل. شهقت زوجتي: "يا ساتر!" فهزرها محذراً. ثم قلت لها: "لماذا لا تذهبين إلى المطبخ، تصنعين لنا شاياً". "الآن!". "إذن اجلسي في صمت رجاءً، حتى..!". نزل الصغير من حضني، ولاذ بحضن أمه، كأنه يخفف عنها، نظرت زوجتي إلى وجهي، وقالت: "لماذا لا نجلس في مكان آخر من البيت!؟" قلت لها: "كل الأماكن، في مثل هذه الساعة سواء". في الخارج استمرت المدافع تطلق نيرانها، بكثافة، على الهدف المخاتل، ثم دوّى انفجار مهول ، على مسافة قريبة، فاهتزت الأرض تحتنا، وارتجّت الأبواب والنوافذ، بسبب عصف الريح، وعلى الفور سمعنا صوت انكسار لوح الزجاج الكبير، في إطار النافذة، وانهمار الشظايا، على الأرض، وراء الستارة. وتعطّل المذياع -بسبب الانفجار ربما- وسكت صوت الموسيقى، بان الفزع، في عيني الصغير، وامتقع وجه زوجتي. رأيتها تحمله، وتهرع به إلى الداخل. بعد ذهابهما وقفت بمنأى، عن النافذة، أتأمّل الستارة، تلعب بها الريح، وصخب المدافع يملأ المكان من حولي، كأنها معي، في داخل الغرفة. بعض شظايا الزجاج، من اللوح المنكسر، اخترقت قماش الستارة، وأحدثت فيه شقوقاً راح يتخللها ضوء النهار، فبدت الستارة كأنها مطرزة، بخطوط فضية، متنوعة الرسوم والأشكال. صمتت المدافع أخيراً، ومرت سيارة إسعاف تطلق صيحتها المألوفة، في سكون الشوارع الخلفية، تبعتها سيارة أخرى، بعد قليل. ثم ران صمت امتد دقائق طويلة، قبل أن تعود الصافرة لتطلق صيحة ثانية، بنبرة مغايرة، هذه المرة، كأنها تتنهد. وعاودت المدينة لغطها المعتاد من جديد. أزحت الستارة، عن النافذة، فغمرني الهواء، يتدفّق بكل عنفوانه، بلا حواجز، حاملاً معه رائحة خليط، من الدخان، والتراب، وأشياء أخرى. إلا أنني لم ألمح ما يشير إلى وجود حريق، في أي مكان، في رقعة الفضاء المفتوحة أمامي. بدت السماء صافية الزرقة، يحلّق فيها الحمام البري -الذي عاد يتخاطف في الشمس، فوق أشجار النخيل، وسطوح المنازل، كأن شيئاً لم يحدث قط- لولا رائحة الاحتراق، في الهواء، ونثار الشظايا، على أرض الغرفة، وفراغ إطار النافذة، من لوح الزجاج. "انتهت أخيراً!" سمعت زوجتي تزفر بارتياح، وراء ظهري. التفتُّ أنظر إليها. وجدت الصغير يتعلق بيدها. رأيته يتأملني، في حيرة، وفي عينيه سؤال، كأنه ينتظر مني تفسيراً، لما حدث. قلت له: "تستطيع أن تخرج، الآن، تلعب في الحديقة." بقي متردداً، يرنو، من خلال النافذة، إلى كرته المطاطية، تستقر ساكنة، في مكانها، فوق العشب الأخضر، المضاء بالشمس. ثم أفلت يد أمه، وغادرنا. قلت لزوجتي: "دعينا نجمع حطام الزجاج، لكي لا يجرح أحداً". رحنا نلملم الشظايا، من على الأرض، والمقاعد القريبة، من النافذة. وكنت مطرقاً أجمع القطع الصغيرة في حذر، حين سمعت زوجتي تقول، بصوت شارد: "انظر إليه!" رفعت رأسي. وجدت الصغير يدحرج الكرة على العشب، ثم يمشي وراءها، بخطى متثاقلة، يلتقطها، من على الأرض، ويقف بعد ذلك، بلا حراك، لحظة طويلة، شعره يلمع في الشمس، والكرة ساكنة، بين يديه، ينظر إلى السماء، في توجس، كأنه يسمع أصداء أصوات غريبة. 1997 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |