شتاءٌ بلا مطـر - مهدي عيسى الصقر

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:56 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الصدى

صوتها الأليف جاءه من وراء جدار. كانت تقف، في صالة البيت، تنادي عليه، بنبرة عجولة متلهفة، تريد أن تبوح إليه بسر هام ما عادت تقوى على كتمانه. ومثل كل مرة كان صوتها صافياً، واضح النبرات، برغم الجدار الفاصل بينها وبينه. في الماضي من الأيام كان إذا بلغه نداؤها الملهوف، نابعاً من ثنايا الصمت، الذي حل، في بيته الخاوي، يرتج كيانه، وينتفض مبتهجاً، وفي حركة اندفاع، لا يحكمها عقل ولا منطق، يعوف كل ما في يده، ويهرع إليها، إلا أنه لا يلبث أن يعود خائباً، بعد قليل، عندما يدهمه واقع فظ، لا مكان فيه، للأحلام المستحيلة. يحدث له هذا، كلما غدا إحساسه بالوحدة، فوق قدرته على الاصطبار. حين تناهى إليه صوتها، هذه المرة، ارتج كيانه، إلا أنه لم يذهب إليها، ليفاجأ بالفراغ، بل مشى ساهماً، صوب خزانة الثياب. فتح بابها، وتناول، من قاع الخزانة، صرة بيضاء ثقيلة، ثم جلس على البساط. أسند ظهره إلى سرير نومها البارد، وفك عقدة الصّرة، بأصابع متوجسة، فتكشفت لعينيه مجموعة من الشظايا الحديدية المنصهرة، والمعوجة. حمل إحداها، وراح يتأملها واجماً. لحظات ثم توارت قطعة المعدن القاتمة، من أمام عينيه، وأطلّت عليه هي، بقوامها الفتي، ووجهها الضاحك، وفي عينيها وميض من يخفي شيئاً. كان يجلس داخل الغرفة، يصغي إلى أنباء الصباح. وكان المذيع يقرأ، بحماس، كلاماً ما عاد يتذكره، حين جاءت هي، ووقفت بباب الغرفة. لم تدخل.‏

(خطوتان صغيرتان منها كانتا ستجعلانها معه، داخل الغرفة، لكنها لم تخطهما) بدت سعيدة. الله كم بدت سعيدة، في ذلك الصباح المشرق، والشتاء في بداياته!‏

"عندي لك خبر مفرح!"‏

استطاع أن يسمعها تقول، وسط ضجيج المذياع. مد يده إلى مفتاح الجهاز، أخفض من درجة الصوت، ونظر إليها، في شيء من القلق.‏

"لا تقولي إنك حبلى!"‏

ضحكت، وهزت رأسها.‏

"لا لا، لست مجنونة لأحبل، في مثل هذه الأيام".‏

أحس بوخزة موجعة، في لحم راحته. كان يطبق قبضته بشدة، على قطعة الحديد المسننة الحوافي، غافلاً عما تفعله في يده، فتح كفه، وترك الشظية السوداء تسقط، بين قطع الحديد الأخرى، فوق بياض القماش الناصع، وفي راحته كانت تنتفخ قطرة دم.‏

"في الحقيقة هو خبر يتعلق بمستقبلنا".‏

"وتخفينه عني!"‏

اضطربت النظرة في عينيها، وتمتمت مرتبكة.‏

"مساء البارحة فقط تأكدت من.."‏

كانت الشظايا المتناثرة، فوق قماش الصّرة، دكناء، متفحمة، ومن مختلف الحجوم والأشكال، وفي بعضها فروع وزوائد قاطعة، مثل رؤوس السكاكين.‏

قال لها:‏

"إذن تعالي اجلسي بجواري، وحدثيني بما عندك".‏

"لا أستطيع أن أجلس، فالقدر على النار".‏

وبقيت مسمرة في مكانها، بقيت مسمرة في مكانها!‏

(يا إلهي، أكان ما حدث، في ذلك النهار، محض مصادفة، لا يد لأحد فيها، أم أن كل شيء كان معداً، قبل ذلك، بعناية وتصميم!؟ فهي لديها خبر مفرح، تريد أن تبوح به إليه، في تلك اللحظة بالذات، وقدرها تغلي على النار، وتخاف على الطعام أن يحترق، وهكذا بقيت ثابتة، في مكانها، بباب الغرفة، ظهرها إلى صالة البيت، ووجهها السعيد إليه، وفي عينيها بريق فرح يترقب هو، متلهفاً، أن يعرف سره، بعد قليل).‏

حمل أكبر الشظايا، في يده المجروحة. أحس بها ثقيلة في يده. كانت كتلة منبعجة، شبه مستديرة، من الحديد المنصهر، على جانب منها بقايا حرف محترق، لم يستطع أن يتبينه. لعل هذه القطعة الثقيلة هي..!‏

عندما حمل جسدها المتهافت، على ذراعيه، وخرج بها، من البيت المهدم، حافي القدمين، كان يحاول ألا ينظر إلى جراحها النازفة، وكان دمها الذي ما يزال دافئاً، يبلل يديه وثيابه، كان يحاول الهرب، من حقيقة مريعة، لا تخفى على عين. وقف بها، على الرصيف، ذاهلاً، عيناه تلوبان، تبحثان عن واسطة نقل عابرة. بعد قليل جعلته برودة الإسمنت، تحت قدميه، يدرك أنه كان يقف، في الشارع، عاري القدمين، لكن ذلك لا يهم، لا يهم.‏

كان محاطاً بعدد من النساء، ورجال يتكلمون قليلاً، يلوح على وجوههم القنوط. كان الرجال يتطلعون إلى الدرب مثله، لعل سيارة تخرج، من أحد المنعطفات، أو تلوح مقبلة من بعيد. وكان هو يراها ما تزال تقف، في مكانها، تستند بكتفها، إلى إطار الباب، تشبك ذراعيها على صدرها، تنظر إليه، وتبتسم فيما يشبه الاعتذار، لأنها أخفت عنه سرها، ساعده رجال الجيران، الذين هرعوا، على صوت الانفجار، على إخراجها، من تحت الأنقاض، وكانت النساء تولول، قبل أن ينكشف لهن جسدها المعفر بالدم والتراب، أوجعته أصواتهن النادبة، وود لو يسكتن، في الحال. سمع رجلاً يقول، يداه مشغولتان، بإزاحة التراب والحجارة، عن صدرها "سليمة إن شاء الله!" فخفق قلبه بتفاؤل، ونظر إلى الرجل بمحبة. عندما قطع عليهما حديثهما ذلك الصوت الصاعق توارى وجهها المبتسم، واختنق البيت بالتراب، والدخان، ورائحة البارود المحترق، فاندفع خارجاً، من الغرفة، يسعل، ويطوح بذراعيه كالأعمى، لا يرى أمامه شيئاً، صوته المرتاع يهتف باسمها، وكأن شخصاً آخر هو الذي ينادي عليها. تعثر بكومة، من الأنقاض، عند عتبة الباب، وسقط على وجهه، صوته الهاتف باسمها ما يزال يصدر من مكان ما، ويتردد في أذنه، بلا انقطاع. وحين هدأت سحب الغبار قليلاً لم يتعرف على ملامح بيته. كانت ثغرة واسعة، تشبه دائرة كبيرة، متعرجة الحوافي، تتوسط الجدار، المطلّ على الطريق، وضوء نهار مشرق يتدفق عبرها، ليكشف عن حطام أثاث الصالة، المبعثر في كل مكان، مختلطاً بقطع الحديد الملتوية، وهشيم الإسمنت، والحجارة، والزجاج. تأمل، في مقت، قطعة الحديد الثقيلة، التي كان يحملها، في يده المجروحة، ثم رمى بها، وسط الصّرة، وتناول واحدة أخرى، وما أكثر هذه الشظايا المشؤومة! ظل يقف دائخاً يحملها، في حرص، يتلفت حائراً، وهياكل رجال الجيران تتخاطف من حوله، وهو يمد بصره، في فراغ الشارع ملتاعاً، يحس بها تنام وادعة، على ذراعيه، وفي قلبه نشيج لا ينقطع، لا ينقطع.‏

"هذه سيارة قادمة!".‏

هتف واحد من الجيران، في اللحظة التي لاحت فيها مقدمة سيارة صغيرة تخرج، من منعطف بعيد، لتدخل إلى عرض الطريق. فسارع هو يقف في طريقها. كبحت السيارة عجلاتها أمامه، بعد قليل، وترجل سائقها. نظر إلى الجسد يتهدل هامداً، بين ذراعيه. أوشك أن يقول شيئاً، غير أنه -حين رأى الانطباع اليائس، المتخثر على وجهه -آثر الصمت، و فتح له الباب الخلفي، فمدد جسدها الطيّع، على مقعد السيارة، وحشر جسده الناحل، بين المقاعد، وجهه يحنو عليها، في حين صعد رجلان، من جيرانه، وجلسا بجوار السائق.‏

راح يتأمل وجهها المستكين، ويمر بأصابعه برفق، على خديها، يمسح عنهما الدم والتراب. ولكن كيف لم ينتبه، إلى أن جسدها الغض، كان ينسحق تحت تل من الأنقاض، عند عتبة باب الغرفة، على بعد خطوات منه، فراح يعدو متعثراً يبحث عنها، في المطبخ، يدفعه أمل يتنامى في أن يجدها منزوية هناك!؟‏

كيف خطرت بباله تلك الفكرة الحمقاء!؟ كان يخادع نفسه. كان، في أعماقه، يتمنى أن تكون هربت، إلى المطبخ، في تلك اللحظة، كان بوسعها أن تفعل ذلك. غير أنه أدرك سريعاً عقم الفكرة فتوقف عن اندفاعه الأخرق، واستدار عائداً. عندئذ مزّقهُ مشهد كفها الصغيرة، المستلقية، في سكون، بين قطع الإسمنت والحجارة، في مسقط الضوء المنهمر، من الثغرة في الجدار.‏

التفت إلى السائق متوسلاً.‏

"أسرع، لخاطر الله، أسرع!"‏

كانت الانفجارات ما تزال تدّوي، في أرجاء أخرى، من المدينة، والدروب مقفرة، كل الدروب مقفرة، والسيارة، برغم اندفاعها، لا تتقدم كثيراً، والزمن توقف تقريباً، واللحظات تجر نفسها، وكل شيء يتحرك ببطء قاتل، أو لا يتحرك إطلاقاً، في حين كان صدى الانفجار، الذي صعقه، قبل دقائق، ما زال يشق رأسه، ويجعل كل ذرة، في جسده، تختلج بجنون. أتراه يعيش حلماً كابوسياً!؟ لا، ليس هذا حلماً، فهؤلاء اثنان، من جيرانه، يجلسان بجوار السائق، يحس بهما يملآن الفراغ وراءه، ويسمعهما، بوعي محذر، يتبادلان كلمات قليلة، بصوت خفيض، بين وقت وآخر، ومعالم المدينة، التي يعرفها، تزحف، في الخارج، تحت فيض من ضوء الشمس المباني، والأشجار، والأرصفة، وأعمدة الكهرباء، وبراميل القمامة.. كل شيء ما يزال باقياً، في مكانه، في حين كانت هي تنام ساكنة، على المقعد أمامه، يحس برودة لحم ذراعها تحت كفه الملتهبة، ويتأمل وجهها، الذي يعشقه يهتز قليلاً، بفعل حركة السيارة، عيناها، نصف المغمضتين، ترنوان إليه، في ثبات، ولا تطرفان. كانت تبتسم، في شيء من الحرج، واقفة بباب غرفة نومهما -التي بقيت سليمة- لا تريم، فقدرها اللعينة تفور، على النار في المطبخ، والقذيفة تشق طريقها!‏

سألها وفضوله يتزايد لمعرفة ما تخفي.‏

"تكلمي. ما هو سرك المفرح، يا عزيزتي الغالية!؟".‏

"السر، يا حبيبي، هو.."‏

وكان دوي الانفجار الرهيب هو كل ما سمعه بعد ذلك.‏

مرة أخرى تناهى إليه صوتها الأليف، قادماً من وراء الجدار. كانت تقف، في الصالة، تناديه بنبرة متعجلة، ملهوفة، وتكرر نداءها، بأصرار عجيب، وسط صمت البيت الموحش، منذ سنين.‏

((‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244