شتاءٌ بلا مطـر - مهدي عيسى الصقر

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:56 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

البحث عن ملامح وجه أليف

لم يكن يتوقع ما رأى. وقف يتأمل ما يجري أمامه مذهولاً. لم يشهد، من قبل، انفجاراً للعواطف البشرية، على هذا النحو. وصل إلى المكان -في إحدى ضواحي العاصمة- قبل نحو نصف ساعة، متنقلاً من حافلة إلى حافلة، يحمل صورة أبيه، في جيبه. وجد حشداً كبيراً، من النساء والرجال، بأعمار مختلفة، يتجمهرون، عند بوابة المستودع، يغطّون جانباً من الطريق، أصواتهم المتذمرة تتردد، في الهواء، وشمس تموز اللاهبة تصفع رؤوسهم، ووجوههم، بضراوة.‏

الساحة الواسعة، في الداخل، وراء السياج السلكي الطويل، مقفرة تماماً. عيون المنتظرين، عند البوابة، تحدّق في صف، من الحجرات الواطئة، أبوابها ونوافذها مربعات سود صغيرة، في الطرف البعيد، من الساحة. رجلان، أو ثلاثة، يتحركون في ظلال تلك الحجرات.‏

يقف عند حافة الحشد. يخرج صورة أبيه، من جيبه. يتأملها بإمعان. الملامح، في الوجه الشاب الوسيم، محفورة في رأسه. ثمة نسخ، من هذه الصورة، ولكن بحجم أكبر، مؤطرة، ومعلّقة على الجدار، في كل حجرة، من حجرات البيت.‏

أمه، وفيما بعد جدّته، حرصتا على أن تبقى ملامح وجه أبيه راسخة في ذهنه، برغم جريان السنين. أتراه يعثر عليه اليوم بين العائدين، من الأسرى!؟‏

يسمع من يصيح فرحاً.‏

"إنهم يخرجونهم الآن!".‏

ويحدث هياج، وتدافع، عند المدخل. وتضج أصوات مطالبة بالدخول. يلمح هياكل مجموعة، من الرجال، تخرج من فتحات الأبواب السود، للحجرات البعيدة، وتنتظم في صفوف طويلة، في ظلال الغرف. يتزايد هياج المحتشدين، يلقون بأجسادهم، على حديد البوابة، يحاولون كسرها. يسمح صرير مفاصل البوابة ترتج، تحت ضغط الأجساد المتراصّة، وهي تحاول الدخول عنوة. عندئذ ينفصل رجلان، عن الظلال البعيدة.. يتقدمان، صوب الجمهور، هيكلين صغيرين تستعجلهما الأصوات نافذة الصبر، وترقبهما العيون يمشيان متمهلين -لا يحملان سلاحاً- الواحد وراء الآخر، عبر امتداد الغناء الشاسع المشمس. يفتح الرجلان البوابة أخيراً فتكتسحهما موجة عاتية، من هياكل الرجال والنساء، في اندفاع لا يردعه شيء. يتأمل الرؤوس، والظهور، تتخاطف مسرعة. يمشي وراءها إلى الداخل.‏

في تلك اللحظة تنفرط الصفوف، أمام الحجرات، وينفك الأسرى العائدون يلتقون ذويهم، ولدقيقتين، أو ثلاث، يشاهد، من مكانه، مجموعة عريضة، من الهياكل تنتشر، في الفناء، وتركض مندفعة، إلى الأمام، تلاحقها ظلالها، على الأرض.‏

اللابسات العباءة، من النساء، يتشبثّن بعباءاتهن تخفق في الريح. ولابسو الكوفية، من الرجال، يضع كل واحد منهم كفاً، على رأسه، لكي لا يأخذ الهواء كوفيته، وهو يعدو، بين الآخرين. ومن الجهة الأخرى، من ناحية الحجرات البعيدة، يرى صفوفاً، من الرؤوس البيض، والوجوه المبهمة الملامح، والصدور، تتقدّم كتلة واحدة. الهياكل المقبلة تتعثر، تسقط وتنهض، ويزاحم بعضها البعض.‏

أقدام الفريقين المتعجلة تضرب الأرض، والهواء يردد وقع الخطى، يخالطه شهيق، ولهاث، ونداءات ملتاعة، في منتصف الساحة تقريباً -في مكان أقرب إلى صف الحجرات- فالمستقبلون يركضون بنشاط أكبر- تلتحم المجموعتان، وتتداخلان. مئات الهياكل تتحرك بعشوائية، وسط ضجيج أصوات تتنادى بأسماء رجال، وأسماء نساء. والعيون تحدّق، تتفرس في الوجوه، تفتش عن ملامح مألوفة. والأجسام تتدافع، وتنتقل من مكان إلى مكان.‏

يحشر نفسه، بين الهياكل الضاجّة المتلاطمة، صورة أبيه في يده. يحدِّق في وجوه العائدين تتحرك أمامه ذاهلة، هنا وهناك؛ وجوه متغضّنة، ناتئة العظام، وشاحبة؛ وجوه مريضة، يعلوها شعر أبيض، أو بلون الرماد.‏

ولا رجل، من هؤلاء، ملامح وجهه تشابه خطوط الوجه الشاب الوسيم، في الصورة التي يحملها معه. يظل حائراً تدفعه الهياكل، من جانب إلى جانب، وهو يحمل وجه أبيه في يده، الصورة بين أصابعه توشك أن تتمزق. ينسل خارجاً من وسط الأجساد التي لا تستقر. يقف عند حافة الحشد المائج يرقب ما يجري أمامه.‏

امرأة تكتشف وجه زوجها العائد، وهي ما تزال بعيدة عنه، فتصرخ باسمه، في فرح مجنون. يلتفت إليها زوجها، ويشق الواحد منهما طريقه، نحو الآخر، يدفعان، في غير اكتراث، الهياكل التي تسد عليهما الطريق. أحد العائدين يلمح وجوه بعض أفراد عائلته، يصيح فوق الضجيج "أنا هنا! أنا هنا!"‏

الجماعتان المتداخلتان تنتظمان أخيراً، في حلقات صغيرة، كل حلقة تحيط بواحد من العائدين، يرى، بعد ذلك، مشاهد تبدو لـه غريبة؛ عجوز، بفمٍ خالٍ من الأسنان، تدور حول نفسها، في رقصة مجنونة؛ امرأة تطلق ضحكات هستيرية، وهي متعلقة بذراع رجل شارد الذهن، لا يقول شيئاً؛ نساء يزغردن فرحات، وعيونهن تهمي؛ كتلاً متشابكة، من أجساد الرجال والنساء- الأطفال محشورون بينهم- تختلج، ويند عنها نشيج مكتوم، وتمتمات غير مفهومة؛ رجلاً يحاول أن يحمل ابنته الصبية، بين ذراعيه، فيعجز عن حملها، ويسقطان، على الأرض، يضحكان؛ امرأة ورجلاً متعانقين يتدحرجان على الأرض، غير عابئين بالأرجل تدوسهما؛ امرأة تنهار بين ذراعي زوجها العائد، والرجل ينظر إليها حائراً، نشيج، وزغاريد، ودموع، وضحكات مرحة، ثم يتحرك المستقبلون، والعائدون في مجموعات صغيرة، يمرون عبر البوابة، ويغادرون المكان، هم وضجيجهم، ويحل السكون، الساحة مقفرة الآن، تقريباً وصامتة، لا يتبقى في الفناء، من الأسرى العائدين، غير سبعة رجال، متروكين وحدهم في الشمس، واحد منهم يحرك يده، في الهواء، يصطاد ذباباً وحشرات وهمية يضعها في فمه، ويمضغها، وآخر يضحك، مع نفسه، الخمسة الباقون يقفون في صمت، متقاربين، على وجوههم علائم الشعور بالحيرة والضياع..‏

يخشى الاقتراب،من صائد الحشرات، ومن الرجل الذي يضحك، مع نفسه، يدنو من الآخرين، الوجوه ذاتها تقريباً.. شعور بيض، وتجاعيد، وعظام. لكن جدّته أكدت له أن اسم أبيه، بين العائدين".. "لو كنت أستطيع لجئت أنا معك"... "وكيف يعرفني!؟".. تمد يدها له بصورة صغيرة، مهترئة قليلاً، تحتفظ بها، تحت وسادتها، منذ غيابه، قبل ست عشرة سنة. "سوف يتعرف عليك، حين يراك تحملها".. وبرغم يقينه، من أن أباه لا يمكن أن يكون واحداً، من هؤلاء، ذوي الملامح الغريبة، والهياكل المحطمة، فإنه يحمل الصورة، بين يديه ويخطو أمامها. لا أحد منهم يلتفت إليه، عيونهم تظل شاخصة، نحو البوابة، ووجوه المارة، في الطريق، الرجال الخمسة يتشاورون، ثم يتحركون باتجاه المدخل، صائد الحشرات، والرجل الذي لا يتوقف عن الضحك، لا يغادرون مكانهما، يمشي وراء الخمسة، ليعود إلى جدّته، يعذبه شعور بالخيبة، الصورة ماتزال في يده، أحد الرجال ينتبه، إلى خطواته فتبعهم، يلتفت إليه، يستدير، يحدّق في الصورة، ويعود مسرعاً، يمسك به من ذراعيه بقوة:‏

"والله كبرت يا ولد! أصبحت رجلاً!.."‏

ينظر إلى الوجه المتغضن، الماثل أمامه، في ارتياب؛ لا يمكن أن يكون هذا الرجل هو أباه؛ وجهه غريب عن الصورة التي في يده، يسمعه يسأل.‏

"ولكن لماذا لم تأتِ هي معك!؟"...‏

"ماتت!"..‏

يغمض الكهل عينيه، تسقط ذراعاه، يداه الشاردتان تبحثان عن شيء، في جيوبه، يخرجهما، بعد قليل، خاليتين، ينظر إلى الرجل المصاب بنوبة ضحك، لا تنتهي. الرجل الآن يشهق ويتلوى.. يعود بوجهه إليه.. يلوح عليه الشرود..‏

"لنذهب!"..‏

يظل متردداً. يمد الرجل يده الناحلة، ويمسك بكفه.‏

"سوف تخبرني بكل شيء، ونحن في الطريق"...‏

يحشر الصورة، في جيبه، لا يزال حائراً، لا يدري كيف انقلب الوجه هكذا..‏

إلا أنه يغالب تردده، ويذهب معه، تاركين الرجل المهووس، بالضحك، وصائد الحشرات، يقفان وحدهما، في الشمس، وسط الساحة، الكهول الأربعة الآخرون، يقفون الآن، عند المدخل، عيونهم تتفحص وجوه المارة في الطريق..‏

1997‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244