|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:56 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الرجــل الأنيق ذو الشعر الأسود يصعد الرجل الطويل، في زحمة الصاعدين إلى الحافلة، ويلبث مشدوهاً. الآخرون يرتطمون به،من كل جنب،في اندفاعهم العجول، وهو واقف في مكانه، يتأرجح بين الهياكل المتدفّقة، لا يدري ماذا يفعل. تمتد في الحال، من بين ثنايا الأجساد، يد ضامرة تدفعه صوب مقعد فارغ، بجوار النافذة،يتقدم الرجل عندئذٍ متعثراً، ثم يجلس باستقامة، مشدود الجسد،رأسه ينتصب عالياً، على ارتفاع نحو قدم، فوق حافة ظهر الكرسي. عندما تجلس الامرأة، التي سارعت بالصعود وراءه ـ والتي تكبره سناً ـ يحتوي المقعدجسدها الصغير كله. وتتراجع بعد ذلك المباني، والأشجار،والأرصفة، والمارة ـ الذين كان بعضهم يركض لاهثاً، ثم يتوقف عن الركض في خيبة ـ ويهدأ اللغط، في جوف الحافلة، حتى يفلح كل واحد من الركاب، في الحصول على مكان يجلس، أو يقف فيه، ويلتفت الرجل الطويل، إلى الامرأة الضامرة بجواره: "مشّطي لي شعري!"... غير أن الامرأة لا تنتبه لما يقول: وتظل تجلس ساكنة، تُحدق أمامها، في شرود. شعر الرجل يبدو غزيراً، مصفوفاً بعناية، وشديد السواد، إلا أن بياضاً كابياً يلوح في أسفل الشعيرات، في أعلى العنق، وفوق الأذنين، يجمل من يراه يكتشف، على الفور، أن لون شعر الرجل ليس طبيعياً،ويحار في معرفة حقيقة عمره... "قلت لك مشّطي لي....!".. يرفع الرجل صوته فتفيق الامرأة من شرودها. "حالاً.. حالاً يا ولدي!"... تخرج مشطاً، من حقيبتها اليدوية، ويتهيأ هو مسروراً، يحنِ لها رأسه فتمرر المشط خلال شعره بحركات متأنية حذرة، كأنها تخشى أن تجرح، بأسنان المشط فروة رأسه، متجاهلة نظرات الحيرة، والاستغراب، في عيون الركاب الجالسين على مقربة، أو الواقفين يتأرجحون بين المقاعد. "شعرك صار زين الآن..". يرفع الرجل رأسه، من أمام صدرها، ويمسح على شعره راضياً، وعلى وجهه تتفتح ابتسامة سعيدة، تخفي الامرأة المشط في حقيبتها،وتتابع الحافلة، في هذه الأثناء، خط سيرها المرسوم، تصرصر، وتختط، وتنفث دفقات كثيفة من دخانها القاتم في سماء المدينة، وبين مسافة وأخرى تتوقف، في إحدى المحطات، فتلفظ على رصيفها بعضاً من ركابها، يندلقون راكضين في كل ناحية، ليتبددوا في الزحام، وتلتقط أناساً آخرين يتسلقون إليها، في استعجال،وهم يتدافعون ـ ويتشائمون أحياناً، في غضب مسعور ـ لينتشروا، بعد ذلك، في جوف الحافلة الخانق، المعبأ بدخان السجائر، واللغط والأنفاس، يشغلون مقاعدها الخالية، أو يقفون في الممر الضيق، يستندون إلى ظهور الكراسي، أو يتعلقون بالأنبوب المعدني الطويل، الممتد أسفل سقف الحافلة ـ والذي تركت عليه آلاف الأيدي المتشبثة بصماتها، مع الأيام، يداً فوق يد، أثناء دوران الحافلة الأزلي، في شوارع المدينة، ودروبها... الرجل والامرأة لا يتكلمان، هو ينظر أمامه سعيداً بشعره وهندامه، وهي تحدق أمامها ساهمة، تتوقف الحافلة مرة أخرى، ويتكرر مشهد الصعود والنزول المألوف.يلتفت الرجل، بوجهه الوسيم، الخالي من الغصون تقريباً، صوب فتاة تقف وحدها، على الرصيف، حقيبتها تتدلى من كتفها، بمنأى عن تدافع الصاعدين والنازلين، تنتظر ضجرة مجيء حافلة أخرى، يسحره مشهد الفتاة، في وقفتها المترقبة، على الرصيف، عيناها تستكشفان حركة السيارات، والحافلات، على امتداد البصر، فيمسح الرجل بيده على شعر رأسه، ثم يمد يده إلى جيبيه، يخرج قطعة قماش صغيرة، يتوسطها قرص مطلي بلون الذهب، يضعها على الجانب الأيسر، من صدره، ويلصق جبينه بزجاج النافذة، غير بعيد عنها، فترتد مرتعبة، غير أن الحافلة لا تلبث أن تتحرك، ويتراجع الرصيف حاملاً الفتاة، وهارباً بها من أمام عينيه، فتتعلّق نظراته، بالقوام المبتعد، مستديراً نحوها، بجسده كله، وأمه ترنو إليه، في أسى، حتى يختفي الطيف الكامن خلف زحام المارة، وأعمدة العمارات الشاهقة، على امتداد الشارع، فتهبط عندئذ يده، التي نسيها ساكنة على صدره، ويعتدل في جلسته يلوح عليه القنوط. "ضعه في جيبك يا ولدي.. ضع وسامك في جيبك.." يطيع الرجل نبرة الرجاء، في صوت أمه، وبعد ذلك يجلس واجماً مشدود الجسد، يداه تسقطان، على المقعد، على جانبيه، تمد الامرأة يداً متغضنة تضعها، على ظهر كفه الساكنة، على جلد المقعد بينهما. تبقى اليدان تستقران ساكنتين. بعد قليل تراه يضحك، بصوت خفيض، مع نفسه. تضطرب النظرة في عينيها. تتلفت.. تنظر في وجوه الركاب، ثم تعود بنظراتها، إلى وجهه يكف ابنها عن الضحك فجأة، ويعاوده القنوط، تصعد الحافلة، بحمولتها البشرية التي لا تكف عن اللغط والتدخين، جسراً حديث البناء، يتمدد فوق نهر دجلة، الذي يلصق ماؤه في (الشمس) بين صفوف الأبنية، ونثار الأشجار والنخيل، على الضفتين. "هذا الجسر لم يكن موجوداً هنا.. عندما كنت أنت في......!". غير أن الأم لا تكمل جملتها، وتغير موضوع الكلام على الفور... "شوف دجلة!.. ما أجمله في الشمس! زوارق الصيادين... والطيور البيض فوق الماء!".. يدير الرجل رأسه، صوب النافذة، يلقي على النهر نظرة غير مكترثة، ثم يعود ليحدق أمامه صامتاً، تحس بكفه تتململ، تحت يدها، ثم تنسحب كفه مبتعدة، وتسقط يدها، على جلد المقعد البارد، حيث ترقد هناك وحيدة مهملة. ترفع رأسها إليه. "من الآن فصاعداً سنذهب كل يوم إلى مكان، نتفرج على المدينة، نشوف البنايات الجديدة، والجسور، وكل شيء...". ولكن الابن لا يتكلم، ولا ينظر إليها، إنما يعود صامتاً.. "نركب الحافلة، ونتركها تأخذنا معها أينما تذهب" يظل الابن ينوء بجسده صامتاً، يحدق أمامه، ولا ينظر إلى شيء معين. "كل يوم في حافلة، نتركها تطوف بنا شوارع بغداد، بعد ذلك ننزل في محطة، ونروح نتجول مشياً، على الأقدام، ها.. ماذا تقول في هذه الفكرة...؟". يوقف جسده عن الاهتزاز، وينظر إليها أخيراً.. "وتمشطين لي شعري!؟.. "وأمشط لك شعرك.." يبتسم فرحاً.. " وتغنين لي أيضاً.. تند عنها ضحكة صغيرة... تند تلقائياً، هي نفسها تفاجأ بها، تنظر إلى الوجوه الغريبة، ثم تلتفت إليه، تراه ينتظر، عيناه على وجهها، تتضرعان إليها. فتهمس في استسلام... ـ "وأغني لك أيضاً.."... يضحك فرحاً.. ـ "هل ننزل الآن؟" ـ "في المحطة القادمة.." ينظر أمامه سعيداً، ويعود الشرود إلى وجهها، تهبط الحافلة، من منحدر الجسر، تدور حول الميدان الكبير، تزينه النصب والتماثيل، ثم تتابع مسراها، في الشارع الطويل، على الجانب الآخر من النهر، يضع الرجل كفه على ركبة أمه، فتنظر في وجهه بلهفة. ـ "نعم... هل تريد شيئاً؟"... ـ "هل.. هل تحبينني؟!" ـ "طبعاً يا ولدي.. طبعاً..". ـ "مثل الأول؟".. ـ "وأكثر.." ـ "وأبي .. هل يحبني هو أيضاً؟".. ـ "يحبك كثيراً..". يرتجف صوتها، إلا أنها تتماسك. ـ "إذن دعينا ننزل، كي تمشطي لي شعري.." ـ "حالما تقف الحافلة.." عندما تتوقف الحافلة، في المحطة، ينزلان، مع النازلين، من الركاب. تقود الأم ابنها، تمشي به متمهلة، حتى نقطة العبور، يمكثان هناك، لحظة طويلة، ينتظران، واقفين جنباً إلى جنب، أصابعها اليابسة تطبق على يده الكبيرة المستسلمة. حين يشتعل الضوء الأخضر للسابلة يعبران، بين زحام العابرين، هي بثيابها القاتمة، وهو بشعره الأسود اللامع، وهيئته الأنيقة، الخالية من الشوائب، على الرصيف الآخر يمشيان قليلاً، بين الناس، ثم تقود الأم ابنها نحو سقيفة حمراء، في محطة للحافلات، حيث يجلسان، في الظل الكثيف، في زاوية من السقيفة، الواحد لصق الآخر ـ بمعزل عن العالم.. يحني الابن رأسه، وتخرج هي مشطها، وتروح تمشط له شعره، في أناة، وصوتها الخفيض يترنم، بكلمات أغنية جميلة؛ اعتادت أن تغنيها له، عندما كان طفلاً.. 1994. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |