شتاءٌ بلا مطـر - مهدي عيسى الصقر

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:56 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الصمت الحميم

عند حافة الشارع، وسط هدير السيارات، واحتكاك عجلاتها المسرعة، على الإسفلت، وبين لغط المارة، ووقع خطاهم المضطربة المتعجلة، على أرضية الرصيف، جلس ثلاثة كهول... جلسوا، في صمت، على مصطبة خشبية واحدة، بين كشك، لبيع المرطبات، وحوض ورد كبير، من الإسمنت المسلح، يتوسطه عود أسود يابس.. بقايا شجيرة ورد ميتة. كان الوقت ضحى وكان الكهول الثلاثة يجلسون مولين ظهورهم، لزحام الشارع، وعلى وجوههم تلوح علامات الرضى. ربما كان ذلك، بسبب الدفء، الذي كانت تبعثه، في عظامهم المثلوجة، أشعة شمس الشتاء، أو ربما كان السبب، أيضاً، هو أن فواجع هذه الدنيا، وأهوالها، ما عادت تباغتهم، مثلما كانت تفعل، عندما كانوا أصغر سناً. كان واحد منهم كهلاً طويلاً، ناحل العظام، يرتدي معطفاً أزرق جديداً، فوق دشداشته البيضاء، كان يجلس، عند حافة المصطبة، بجانب حوض الورد، يدخن ساهماً، وكان الكهل، الذي يجاوره، قصيراً، يرتدي نظارات طبية، يحدِّق من خلالها، إلى المارة، في الطريق. ولكن لم يكن يبدو، على وجهه، مايدل على أنه كان يهتم كثيراً بما يرى. أما الثالث الذي كان رجلاً ضخم العظام، فيجلس على طرف المصطبة، المجاور للكشك، ممدداً إحدى ساقيه، في الشمس، كفاه الكبيرتان ترقدان ساكنتين، في حضنه، فوق رأسه عصاه الغليظة الصفراء، الممتدة مع امتداد الساق أمامه.. كانوا يستمتعون بأشعة الشمس الدافئة، بدون أن يتبادلوا كلمة واحدة.. نحو ساعة، من الزمن، مرت عليهم، وهم في جلستهم الساكنة تلك، لا ينظر الواحد منهم في وجه صاحبيه، كانوا متآخين، في صمت.. يشدّهم رباط متين، لا يراه أحد، ولم يكن لديهم الشيء الكثير ليقولوه.. كانوا قد استنفدوا كل مالديهم، من كلام، في جلساتهم اليومية، على مر السنين.. حتى ذكريات سنوات عمرهم الطويلة، استنفدوها فيما مضى، من الأيام.. كرروها حتى الملل، ثم ما عادوا يتكلمون عنها، كانوا، أحياناً، يبتدعون مواضيع جديدة يتكلمون فيها، ولكنهم، في الحقيقة، كانوا يستريحون للصمت أكثر.. لذلك فهم يقضون، ساعات فراغهم الطويلة، يجلسون في سكون.. وفي صمت...‏

*‏

تنبه الكهول الثلاثة، على جلبة أصوات، وشاهدوا الناس يتراكضون، وراء سيارة كبيرة صعدت، إلى الرصيف، ثم توقفت، أمام وكالة، لبيع الألبان، على مقربة. تحرك الكهل، الذي كان يمدد إحدى ساقيه، في الشمس، ثم نهض واقفاً، مستنداً على عصاه. حين وقف بدا مثل بقايا عملاق خربته السنون.‏

راقباه، وهو يمضي، بصعوبة، صوب الوكالة، مستعيناً بعصاه، يجرّ ساقاً أعطبها شلل خفيف، ثم شاهداه، وهو يأخذ مكانه، في نهاية طابور، من الرجال، والنساء، والصبية. لم يقل أي منهما شيئاً، وتابعا جلستهما الساكنة.‏

بعد قليل أطفأ الكهل، ذو المعطف الجديد، عقب سيجارته، في حافة حوض الورد الاسمنتي، ثم رمى به، في باطن الحوض، بين أعقاب السجائر، وعلب المرطبات الفارغة ونهض، تقدم خطوتين، ووقف يتأمل معطفه مسروراً، ثم التفت إلى الرجل القصير. قال يسأله:‏

"حلو؟"..‏

أدار الكهل القصير وجهه صوبه، نظر إلى المعطف، وقال:‏

"حلو.."‏

لكن صوته، حين أجاب، خرج مخنوقاً، لا يكاد يُسمع. كان صوت من يعاني، من مرض، أو عائق، في أوتاره الصوتية، تساءل ذو المعطف الجديد، مرة أخرى.‏

"ما حلو!؟"..‏

كرر الرجل، ذو الصوت المخنوق، جوابه السابق، محاولاً أن يرفع صوته، غير أنه أخرج الكثير، من الهواء، من حنجرته، بدون أن يفلح في أن يرفع من درجة صوته، فاستعان بيده، لإفهام صاحبه، بأن معطفه كان جميلاً، قال: ذو المعطف الجديد، مزهواً: "هذا ابني اشتراه.... لما جاء من الجبهة.. في إجازة!...تمتم الكهل المخنوق شيئاً.. ولكن ذا المعطف الجديد لم يستطع أن يتبنى كلماته، فافترض أن صاحبه قال: "الله يحفظه، ويرجعه لك سالماً".. أو شيئاً من هذا القبيل، فرد بامتنان..‏

"يحفظ لك أولادك..!"..‏

بقي يقف، في الشمس، برهة أخرى، ثم عاد وجلس، في مكانه، وتجدد الصمت بينهما، من جديد..‏

**‏

رجع الكهل، ذو الساق المعطوبة، بعد وقت طويل، يحمل، بيده الكبيرة، قالبين من الزبدة..‏

انهدّ بجسده الضخم على المصطبة، في مكانه، ومدد ساقه المشلولة أمامه.. سمعاه يدمدم، في استياء، وهو يحاول أن يخرج شيئاً، من جيبه..‏

"مثل الحصان .... رجوته أن يشتري قالبين، من الزبدة.. رفض!..".‏

رأيناه يخرج كيساً أزرق، من النايلون، من جيب سترته، ويدس، في داخله، القالبين، اللذين اشتراهما، ثم يضع الكيس، في الظل، تحت المصطبة، رفع الكهل القصير وجهه إليه، وفح بصوته المخنوق، وهو يشير بإصبعه إلى صدره، عدة مرات..‏

"أنا.. أنا..!"...‏

ثم نهض، في نشاط. صاح وراءه..‏

"انتظر ‎.. أعطيك الفلوس!.."‏

لم يفتح الكهل، ذو الصوت المخنوق، فمه، ما جدوى ذلك، إذا كان صوته لا يسمعه أحد. أشار بيده، وهو يمضي، إلى أنه سوف يأخذ الثمن فيما بعد.‏

عندما ابتعد عنهما قال الكهل، ذو المعطف الجديد، معاتباً، وهو يخرج علبة سجائره، من جيب معطفه.‏

"كان أنا اشتريت لك"..‏

فوجئ الكهل، ذو الساق المشلولة، بنبرة العتاب، في كلمات صاحبه.‏

تمتم معتذراً:‏

"والله أنا فكرت أكلفك.. لكن هو سبقني..".‏

ثم صمت، وكان ذو المعطف الجديد يوقد سيجارته...‏

*‏

عاد ذو الصوت المخنوق، بعد فترة، مستبشراً، يحمل قالبين صغيرين، من الزبد، في يده، تناولهما منه ذو الساق المشلولة، وهو يتمتم، في حرج:‏

ـ "والله خجّلتنا!"..‏

همس الكهل، بصوته المحشرج، وهو يجلس بينهما:‏

ـ "بسيطة"..‏

مال ذو الساق المشلولة، بجذعه الضخم، واستخرج الكيس، من الظل، تحت المصطبة، أدخل فيه القالبين الجديدين، ووضع الكيس في حضنه، ثم أخرج نقوداً، من جيبه، أعطاها للكهل القصير، وهو يقول: مخاطباً صاحبيه..‏

مشيراً برأسه، لما في الكيس..‏

"هذا لأحفادي.. أبوهم كان يشتري لهم هذي الأشياء... عندما كان موجوداً أنا والعجوز ما نأكل دهونات.. منعنا الطبيب ... الله يسامحه!"...‏

كان يؤكد، بكلماته هذه، حقيقة كانا يعرفانها جيداً، فلم يعقبا على كلامه بشيء. بعد قليل حمل هو كيسه، ونهض، ألقى نظرة وداع أليفة، على وجه الكهل، ذي المعطف الجديد، ومسَّ بأصابعه الكبيرة، كتف ذي الصوت المخنوق برفق، وبمحبة، وابتعد عنهما، تأملاه، بعض الوقت، وهو يمشي، على الرصيف، متأنياً، محاذراً، يجر ساقه المعطوبة. بعد ذلك أطفأ ذو المعطف الجديد سيجارته، في حافة حوض الورد، ثم رمي بالعقب، بين الأزبال، في باطن الحوض، ولاح السهوم، في نظراته، من جديد، في حين عاد الصوت المخنوق ينظر ـ من وراء زجاج عويناته الطبية ـ إلى المارة، على الرصيف، بدون اهتمام كبير..‏

1987.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244