|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:56 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
عرين القطة ركض الصغير، أمامه، حال عبورهما بوابة حديقة الحيوان. منذ مدة وهو ينتظر هذه الزيارة، صاح وراءه أن يتمهل. التفت الصغير ينظر إليه. "بابا، معلمنا يقول إن الأسد هو ملك الغابة. صحيح؟" ابتسم، وحدق في العينين المتلهفتين. "أكثر الناس يعتقدون أنه الملك." نظر الولد أمامه، يستعجل لحظة وقوفه، أمام الأسد، وجهاً لوجه. غير أنه مشى به، نحو أقفاص الطيور، بالقرب من مدخل الحديقة. كانت السماء، فوق رأسيهما صافية، لا أثر فيها لندفة غيم واحدة، في أية رفعة يمتد إليها البصر، والشمس تسطع على كل شيء، وتجعل هواء الشتاء معتدلاً، وأشجار كبيرة تلقي بظلالها المائلة، على الأقفاص، وعلى الدروب المرصوفة، والمساحات المعشبة، بين بيوت الحيوانات، والهواء يعج بالثرثرة المرحة، والضحكات، ووقع خطى الرواد، على أرضية الممرات، وخفق أجنحة الطيور الحبيسة، وراء الجدران السلكية، وضجيج أغانٍ وموسيقى ينبعث، من مكبرات صوت، منصوبة، في عدد من المقاهي المتناثرة، في أرجاء الحديقة الواسعة. شعر بالبهجة، ومشى بابنه، متمهلاً، يتأمل المخلوقات الصغيرة، داخل الأقفاص، بعضها يدب، على الأرض باستسلام، وبعضها يضرب بأجنحته مضطرباً، منتقلاً من جدار إلى جدار، بحثاً عن منفذ للخروج، والصغير يمشي بجواره صامتاً. "انظر إلى هذا الطاووس، كيف يفرد ريشه الملون!" نظر الصغير إلى الطاووس، ثم رفع رأسه إليه. "والأسد!؟ متى نرى الأسد!؟" "سوف نراه، عندما نصل إلى بيته، بالقرب من نهاية الحديقة" معلمنا يقول إنه يرجّ الغابة كلها، حين يزأر، فتفر الحيوانات مذعورة. أما الطيور، يقول المعلم، فإنها تهيم، في السماء، لا تعرف إلى أين تذهب!" "نعم يا ولدي، فهو حيوان شديد البأس." وتابعا سيرهما. شاهدا طيور الجنة، و(الغزنت) الصيني، والغرنوق المصري، والنسر الأفريقي. شاهدا البوم، بنظراته الثابتة، وأجفانه التي لا تكاد تطرف، والصقر يجثم على غصن يابس، في شجرة ميتة، مقطوعة الرأس. بعد ذلك شاهدا الأرانب تدخل في جحور، تحت الأرض، والكلاب بأنواعها المختلفة، والثعالب، والذئاب، والدببة البيض تميل برؤوسها من جانب إلى آخر، في حركات رتيبة لا تنتهي. وأمام بيت النعامة توقفا دقائق. أراد أن يثير اهتمام ابنه، بهذا الطائر الكبير، ذي الرقبة المطاطية المسلوخة، والريش الأسود، الذي يشبه الصوف، فاشترى قليلاً من الذرة، من صبي وقف بجوار القفص، ومد يده به، فوق حافة سياج مأوى الطائر. فجاءت النعامة. رفعت رقبتها، حتى أصبح رأسها، فوق راحة اليد الممدودة، وأخذت تلتقط الحبات الصغيرة، بمنقارها العريض. لم يلمح على وجه ابنه أي اهتمام، بهذا المخلوق العملاق. حين أنزل يده الفارغة ، من حبات الذرة، مشى ابنه مبتعداً. وقفا أمام بركة البط، ورمى عدد من الصبية، كانوا يقفون، على ضفة البركة، قطعاً من الخبز، فوق سطح الماء، فصعدت، من أعماق البركة، سمكات صغيرات تلامعت بطونها الفضية، في ضوء الشمس، في حين هرع البط، مقبلاً من كل جانب، ضارباً وجه الماء، بأجنحته وأرجله، محدثاً جلبة، ومخلفاً وراءه خطوطاً بيضاً، على سطح البركة. فتفرق سرب الأسماك على الفور، متلاشياً في اخضرار الماء. سرَّه أن يرى ابنه يضحك أخيراً، وهو يرقب البط يتسابق، لالتقاط فتات الخبز المبلل. إلا أن الصغير بدأ يتململ، بعد وقت قصير، ورفع رأسه ينظر إليه، في رجاء صامت. "أعرف أعرف. أنت تريد أن ترى الأسد. وصلنا إليه تقريباً." في طريقهما، إلى بيت الأسد، مرا بالماعز الجبلي، يتسلق جبلاً ترابياً صنعته الجرّافات، وبالخنازير البرية، بوجوهها القبيحة، وبالفيل، والزرافة، وحمار الوحش، وبوحيد القرن، بجلده السميك الأغبر. إلا أنهما لم يتوقفا أمام أي واحد من هذه المخلوقات، هذه المرة. "والآن هذا هو ملك الغابة!". جمد الصغير أمام القفص مبهوراً. وقف نائياً بنفسه، عن القضبان، عيناه تتأملان الأسد، في رهبة. "اقترب، لا تخف، فهو حبيس، ولن يستطيع أن يفعل لك شيئاً." عندما تلاشى أثر صدمة اللقاء الأول بالأسد تحرك الصغير خطوتين، أو ثلاث، إلى الأمام. غير أنه ظل بعيداً، عن القضبان. كان الحيوان نائماً على الأرض. كانت الحجرة، التي ينام فيها، صغيرة مربعة، طول كل ضلع منها نحو أربعة أمتار، سقفها واطىء، وجدرانها سود، وأرضها مرصوفة بالإسمنت، وباب حديدي مغلق ينتصب في ركن الجدار القصي منها. كانت الحجرة أشبه بزنزانة، وثمة حوض ماء بأحد جوانبها في الواجهة صفان، من القضبان الحديدية، الواحد وراء الآخر، تفصلهما مسافة نحو متر. كانت الأرض التي ينام عليها الأسد مبلولة، تتناثر عليها الأوساخ، والعظام المهملة. وكان الحيوان يتمدد، على الأرض، بشكل أفقي، إلا أن رأسه كان باتجاه واجهة القفص. كان يضع رأسه بين ساعديه، كما تفعل الكلاب أحياناً، حين تنام، وتحت أحد ساعديه تنحشر عظمة، علق بها شيء من اللحم الأسود، بدا الأسد شديد الهزال، عظامه الناتئة توشك أن تشق جلده. كان يطبق أجفانه، ويتمدد في سكون، برغم ضجيج جمهور من رواد الحديقة، وقفوا حول أقفاص القرود، التي لا تبعد كثيراً. "هذا كأنه ميت!" أحس الخيبة، في نبرة الصغير، أما هو فوقف يتأمل الأسد واجماً. وبينما كانا يقفان هكذا، أحدهما تشله الخيبة، والآخر يشله الحزن، جاءت قطة متشردة، وانسلت، من بين القضبان، إلى داخل القفص، بعدم اكتراث غريب. "بابا، القطة!" وبان الفزع، في وجه الصغير. هو أيضاً ظن أن الأسد سوف يفترس القطة الحمقاء، غير أن ملك الغابة لم يتحرك، ولم يفتح أجفانه، جالت القطة بحرية، في الحجرة المعتمة. لحست العظام، وأكلت اللحم العالق بالعظمة، تحت ساعد الأسد، وابنه يحدِّق، في ما يجري أمامه، مذهولاً، لا يصدق ما ترى عيناه. حين أتت القطة، على اللحم، في الجزء الظاهر من العظمة، أرادت أن تسحبها، من تحت ساعد الحيوان، فلم تستطع. عندئذ خمشت يده، بمخالبها الصغيرة. فتح الأسد عينيه، ونظر إليها، كانت عيناه خاليتين، من أي أثر للغضب، أو الاستنكار. لم يزأر، ولم يهاجم القطة المتهورة، كما كان يتوقع ابنه. هو أيضاً كان مذهولاً. رأى الأسد يحرك ساعده، ليترك القطة تأخذ ما تريد، ثم يطبق أجفانه من جديد، في مزيج من الإعياء، والضجر. أكلت اكتفت، وشربت ماءً من الحوض، ثم بالت أسفل الجدار، بعد ذلك، تغادر الحجرة ففتح عينيه. رآها تنسل خارجة، من بين القضبان، انسلال الريح. تأملها لبعض الوقت تمشي طليقة، تطوف دروب الحديقة، على هواها، ثم أغمض عينيه. رفع ابنه رأسه إليه مندهشاً. "لماذا لم يفترسها!؟" "ربما لا تأكل الأسود القطط." "لماذا لم يضربها عندما..!؟" "لا أدري." كان واضحاً، من سلوك القطة، أنها اعتادت أن تقتحم حجرة الأسد متى شاءت. ولعل قططاً متشردة أخرى تفعل الشيء نفسه، تدخل بيته، وتأكل طعامه، وتشرب ماءه، ثم تمضي. لابد أن كلمات المعلم تبدو لابنه، الآن، محض تصورات وأوهام، عن أسد، لا وجود له. "لنذهب إلى أقفاص القرود!" هتف الصغير، وانفلت راكضاً، صوب الحشد الصاخب. مشى وراءه، بخطى متمهلة. رأى ابنه ينحشر، بين زحام الناس، أمام الأقفاص. وقف هو بعيداً، عن الحشد. وقف وحيداً، يحدِّق أمامه، في شرود. بدت له القرود سعيدة، داخل أقفاصها، تتدفأ بالشمس، تبحث عن القمل في رؤوس صغارها، أو تتخاطف الطعام، الذي يرمي به إليها رواد الحديقة، وهي تتعلق بالقضبان، بأذرعها الطويلة، في حركات بهلوانية خرقاء، وصرخاتها الحادة مثل ضربات السكاكين، تقطّع، بلا رحمة، في سحابة الضجيج البشري المرح. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |