شتاءٌ بلا مطـر - مهدي عيسى الصقر

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ضياع كرة الزجاج

الطفل الواقف، بجوار والديه، أسقط كرته الزجاجية، على أرض الحافلة، تقافزت الكرة، مرتين أو ثلاث، على الأرض المعدنية، ومضت مسرعة تتدحرج، في اتجاه معاكس، لخط سير الحافلة، وهي تشق طريقها، بصعوبة، من أجل الإفلات، من زحام وسائط النقل، في الشوارع المكتظّة؛ كان الركاب يحدّقون صامتين، من خلال زجاج النوافذ، في ملامح مدينتهم، التي قد لا يُكتب لهم أن يشاهدوها، مرة ثانية. وكانت عيون النساء ما تزال ندية، وعلى خدودهن تجف الدموع، فقبل قليل فارق المسافرون وجوهاً أليفة أحبوها، والحافلة، بسيرها الحثيث، تجعل المسافة بينهم وبين تلك الوجوه، التي تفرق أصحابها الآن، تستطيل وتمتد، في كل لحظة.‏

لحق الطفل بكرته الزجاجية، وأوشك أن يمسك بها، إلا أنّ ميلان الحافلة المفاجئ، وهي تستدير، لتصعد إلى خط السير السريع، جعل الكرة الصغيرة تتدحرج، تحت المقاعد، وتضيع بين أقدام الركاب. استقامت الحافلة أخيراً، على الطريق السريع، وغدا الدرب أمامها مفتوحاً، فانطلقت تنأى، بركابها، عن المدينة، وأخذت الأرض، على جانبي الطريق، تقفز من المباني ، والأشجار. ثمة بيوت قليلة العدد كانت تلوح، على البعد، متناثرة، بين مستطيلات دكناء، من بساتين نخيل لوّنت أشعة الشمس هاماتها، وهي تجنح للغروب، في الصحراء البعيدة. وكان الركّاب يحدقّون، في تلك المشاهد المتلاشية صامتين، في حين كان الطفل ما يزال يبحث، عن كرته الزجاجية الضائعة؟ كان يمشي منحنياً، بقامته الصغيرة، يطلُّ تحت المقاعد، ويحدق، بين الأقدام، يده تتعلّق بالمساند، وتلامس أذرع المسافرين، في تنقله، من مكان إلى مكان. رأى بنتاً، في مثل سنه، تنزوي خانسة، بين ساقي أمّها، فابتسم لها، ثم انتقل يبحث تحت معقد آخر.‏

قال الرجل يخاطب زوجته:‏

"ابنك يضايق الركاب!"‏

لم تنتبه الزوجة، لما قاله زوجها. شهقت متذكرة:‏

"تعرف أنني نسيت أن أسقي النباتات الظلّية، في السنادين!"‏

لم يكترث الزوج، للنباتات الظلّية، التي تركوها، وراءهم، في صالة البيت المغلق.‏

كان ينظر بانزعاج إلى ابنه، الذي لا يهدأ. رآه يحشر نفسه، بين المقاعد. كان الصغير قد عثر، على كرته الزجاجية، بين فردتي حذاء واحد، من المسافرين؟ وجدها محبوسة، في قعر المثلث، الذي تشكَّل بالتقاء الكعبين، فانحنى عليها، مدّ يده، والتقطها بأصابعه، من بين فردتي الحذاء، ووقف يبتسم، لوجه الرجل. غير أن الراكب- الذي لم يتحرك قط، حين كان الطفل يحشر نفسه، بين ساقيه، ليلتقط كرته الزجاجية- لم يبتسم للصغير، وظل على جلسته الساكنة، يحدِّق أمامه، في شرود، من فوق رأس الطفل، ورؤوس الركاب.‏

"تعال!"‏

صاح الأب بابنه غاضباً.‏

"سوف تموت النباتات، من العطش!"‏

قالت أم الصغير.‏

عاد الطفل يضم قبضته، على كرته الزجاجية، وحشر نفسه، بين والديه، فأمره أبوه بألاّ يتحرك، مرة ثانية. "ألا ترى الأطفال الآخرين كيف يجلسون هادئين!". خنس الطفل، في مكانه. بعد قليل اختفت الشمس، وأحاطت العتمة بالحافلة، الماضية بركابها، صوب الحدود. من بعيد كانت تلوح، بين حين وآخر، ملامح قرى، ومدن صغيرة، لا يعرف المسافرون أسماءها، ولا أماكنها، على الخارطة، لا تلبث أن تختفي، في دكنة الصحراء. كان الطفل، في هذه الأثناء، يتململ في مكانه، يخاف أن يتحرك مبتعداً، فيغضب عليه أبوه. وكانت كرته الصغيرة تسخن، في يده، فتح قبضته، ونظر إليها لحظة، ثم أطبق عليها أصابعه، مرة أخرى. كانت حركته هادئة. غير أن الأم رأت وجه زوجها يزداد توتراً، فأمسكت بابها، وأبعدته عن أبيه.. جعلته يجلس بجوارها، على الجانب الآخر، والتصقت هي بزوجها. كان اللين، الذي راح يبسط ظلاله القاتمة، على الصحراء، يخترق زجاج النوافذ، ويغلّف وجوه المسافرين، بضبابه الأسود. أشعل السائق المصابيح المستطيلة، في سقف الحافلة، فسطعت الأضواء، وتعرَّت الوجوه، والهياكل القابعة، في سكون، على المقاعد، وتكشَّف نثار الأمتعة، على الرفوف، في حين بدا الفضاء، في الخارج، أشدَّ ظلاماً. انكفأت العيون تنظر، إلى الداخل، إلا أن ثلاثة، أو أربعة، من الركاب، واصلوا التحديق، بإلحاح، من خلال عتمة الزجاج، يحاولون اقتناص معلم، من المعالم، التي تخطف، في الظلمة المطبقة، على جانبي الطريق المقفر.‏

"لا أدري كيف نسيت!"‏

قالت أم الطفل، بصوت خفيض، تكلم نفسها.‏

"أنت وابنك تحطمان أعصابي!"‏

انفجر الأب فجأة، بصوت بدا عالياً، وسط صمت الحافلة.‏

"ولكن..!"‏

"يكفي، أرجوك! دعينا نفكر الآن بما هوَ..!"‏

رأى الصغير أمه تبكي، فأمسك بكفها، بسط أصابع يدها، ووضع كرته الزجاجية، في راحتها. أطبقت الأم كفها، على الكرة، وبيدها الأخرى مسحت عينيها، وحاولت أن تبتسم لابنها، لحظ الأب، ما دار بين ابنه وزوجته، فقال لها، بعد فترة، بصوت خفيض، حاول أن يجعله عطوفاً:‏

"لا تفكري بالنباتات.. هي سوف تموت، على أية حال.. في البيت المهجور. سوف أشتري لك غيرها.. عندما نجد مكاناً نستقر فيه.. ونبدأ حياتنا، من جديد."‏

لم تقل شيئاً. ظلت تنظر إلى وجه ابنها صامتة، ثم مسحت بيدها، على شعره، وأعادت إليه كرته الزجاجية، وهي تهمس: "امسك بها جيداً. لا تدعها تسقط، من يدك، مرة أخرى".‏

رفع سائق الحافلة عينيه، عن الطريق، وحدّق، في مرآته الأمامية، لحظة صغيرة. رأى وجوه الرجال، والنساء، وراءه جامدة الملامح، يلوح عليها القنوط. كان الصمت مرهقاً، فتناول شريطاً دسه، في جهاز التسجيل، وامتلأ باطن الحافلة، بضجيج موسيقى، وصوت رجل يغني، عن الحب. كان الليل يزداد اسوداداً، في هذه الأثناء، ومن على مسافات بعيدة كانت تومض، أحياناً، بعض الأضواء المنعزلة، في قلب الصحراء، أخرج عدد قليل، من الركاب، أكياساً، وصرراً، فتحوها وراحوا يلوكون طعامهم، إلا أن أكثرهم اكتفى بإطعام صغاره. أخرجت أم الطفل طعاماً لابنها، فأخفى كرته، في جيبه، وراح يأكل، وينظر إلى طفل جلس، بين والديه، يأكل طعامه، على مقعد مجاور.‏

التفتت الإمرأة الشابة إلى زوجها.‏

"ألا تأكل أنت؟"‏

"ليس الآن. لنعبر الحدود أولاً. كلي أنت".‏

"لا شهية عندي".‏

راحت الامرأة تتأمل ابنها يقضم طعامه، غير مكترث، مثل حيوان أليف صغير. وأبدل السائق الشريط، في الجهاز، فارتفع ضجيج أغنية أخرى، في حين بقي المسافرون يحدّقون، في الليل، الذي كان يغمر الحافلة، مثل نهر أسود. أنهى الطفل، من طعامه، وأخرج كرته الزجاجية، من جيبه. حاول أن يثير اهتمام الصغير، الذي جلس مع أهله، على المقعد المجاور، فرمى الكرة، في الهواء، وحين أراد أن يتلقفها أفلتت، من يده، ونزلت إلى أرض الحافلة، وعادت تختفي، تحت المقاعد. ركض يبحث عنها، في المكان، الذي وجدها فيه، في المرّة السابقة. ظنّ أنها عادت تنحبس، بين فردتي حذاء المسافر، الذي لا يتحرك، ولا يبتسم. نظر إليه الرجل، في ضيق، وصاح متأففاً: "ألا يهجع، هذا الصغير، أبداً!". فنهض الأب، من مكانه، ذهب إلى ابنه، أمسك به، من ذراعه، وجرّه بعنف، ثم حصره، بينه وبين أمه. نظر الطفل، إلى أمه، مستنجداً، غير أن نظراتها كانت نائية، فانكمش على نفسه مخذولاً. كان صغار الحافلة قد استسلموا للنوم، في أحضان ذويهم، إلا أن الطفل -الذي كان يفكر، بكرته الزجاجية الضائعة- ظلّ متيقظاً، مثل البالغين من الركاب.‏

بعد ساعات بانت، من بعيد، مجموعة من المصابيح المضاءة، في سواد الصحراء، تحيط بها هالات، من الغبار الأصفر، فقال السائق:‏

"وصلنا الحدود!"‏

فاستنفرت الحواس، وساد في باطن الحافلة صمت، ما عاد يسمع فيه، غير اضطراب الأنفاس، وهدير الماكنة، وصوت احتكاك عجلات الحافلة، على إسفلت الطريق، وصفير الريح، في الخارج، وهي تقاوم حركة الكتلة المندفعة، إلى الأمام، في حين كانت عيون المسافرين تلمع، وهي تحدّق، في توجّس، إلى تلك الأضواء الوامضة، مثل عيون الذئاب، في ظلمة الليل، وهي تزحف نحوهم باضطراد.‏

*‏

توقفت الحافلة، أمام بناية، من طابق واحد، تتوسط مجموعة، من البنايات المتشابهة، فنزل الركّاب، وساروا، في صمت، في ما يشبه طابوراً عريضاً. في منتصف الطريق، إلى البناية، افتقد الأب ابنه، فعاد إلى الحافلة مسرعاً. وجد الصغير منبطحاً، على الأرضية المعدنية، يحدّق تحت المقاعد. أنهضه بعنف، ثم أنزله، من الحافلة، رمى به إلى الأرض، تقريباً. بعد ذلك جرّه، من يده بقوة، ولحق بزوجته، التي ظلت تسير، مع الطابور، وتتلفت. صاح، في وجهها، بنفاد صبر:‏

"ابنك هذا قتلني اليوم!".‏

"إهدأ. يجب أن تكون هادئاً، في هذه الساعة.. هادئاً تماماً!".‏

*‏

بعد انتظار، دام ساعات طويلة، تحركت الحافلة، بركابها، من جديد. مرّت، من تحت بوّابة هائلة، واجتازت عدداً، من نقاط التفتيش، وراحت تخترق الليل، مرة أخرى. كان على المسافرين أن يجتازوا، بعد قليل، حدود بلد آخر، إلا أنهم كانوا أقلّ توتراً، هذه المرّة. وأدخل السائق شريطاً، في جهاز التسجيل، فارتفع ضجيج موسيقى، وصوت مطربة تغنّي، عن وجع الفراق، فأجهشت امرأة بالبكاء. وطلب رجل، من السائق، أن يغلق المسجل، أو يبدّل الأغنية، فأبدل السائق الشريط، وسكن نشيج الامرأة، بعد حين. وتلفّت الركاب يبحثون، عن الطفل، الذي أضاع كرته الزجاجية، لكي يمازحوه، غير أنهم وجدوا المقعدين، في منتصف الحافلة -حيث كانت تجلس العائلة الصغيرة- خاليين، وعلى أحدهما تنبطح، مهملة، قنينة مياه معدنية فارغة. لم يتفوه أحد، من المسافرين، بحرف عن سبب غياب الطفل، ووالديه، في حين تابعت الحافلة مسيرتها، في الظلمة المحيطة. وبعد فترة فوجئ المسافرون، بواحد منهم، كان يجلس، في المقدمة، يهتف فوق ضجيج المسجل، رافعاً بين أصابعه كرة الزجاج، من شق وراء مقعد السائق:‏

"هذه دُعْبُلّةُ الولد الصغير!".‏

تلفّتت العيون تنظر إليها. وتنقلت الكرة الزجاجية، من يد إلى يد، ثم أُعيدت، إلى الرجل، الذي عثر عليها. رفعها الرجل، بين أصابعه، تحت أضواء المصابيح المشتعلة، في سقف الحافلة، فاخترقتها الأشعة، من كل جانب، وسطعت، في يده، تأمل صفاءها المتالّق، وخطوط ألوانها الزاهية. كان في باطنها عالم مدهش، من الألوان المتجاور، تتمايل معاً، تصعد وتهبط، تتباعد وتتعانق مثل نغمات لحن عذب. ظلّ الرجل ساهماً، يتأمل عالم الكرة الزجاجية الساحر، لحظة طويلة، ثم التفت، صوب المقعدين الفارغين، ودحرج الكرة، على الأرضية المعدنية، يعيدها إلى الطفل، الذي كانت روحه ما تزال تملأ فضاء الحافلة، وترافقهم، نحو مصائرهم المجهولة.‏

1995‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244