|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:57 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
عيون أضناها الانتظار تقول الامرأة، وعيناها على الدرب. "عندي إحساس أننا سوف نتسلم منهم شيئاً، هذا النهار!" يميل الرجل برأسه الأشيب نحوها. "الله يسمع منك!". يتكلم الرجل بصوت مرتفع قليلاً، واضعاً فمه قريباً من أذنها، لكي تسمعه. العجوزان يجلسان متجاورين، على كرسيين عتيقين، من الخيزران، أمام باب دارهما، في ظلال سعف نخلة تنتصب شامخة، وراء سياج البيت يمارسان طقسهما اليومي.. طقس الانتظار والأمل. الرجل يضع كفيه، الواحدة فوق الأخرى، على رأس عكازته، بين ساقيه، في حين تترك الامرأة يديها تنامان، في سكون، في حضنها، مثل حيوانين أليفين. من أبواب البيوت، على جانبي الزقاق، يخرج أطفال، وفتيان، وفتيات يحملون كتباً، في طريقهم إلى المدارس، ويغادر أيضاً رجال يلوح عليهم الاستعجال. ويفرغ الزقاق، من الحركة، تقريباً. "مساء البارحة رأيت في المنام..!" لا تنظر الامرأة، إلى زوجها، وهي تتكلم، ويبدو هو شارداً. يحيرها صمته. تلتفت إليه. "هل تسمعين!؟" " نعم نعم." يؤكد جوابه لها بهزة من رأسه. "رأيت في المنام ابننا الصغير. كان يشتهي أن أطبخ له.." تنتهي الامرأة، من رواية حلمها، وتصمت يلوح على وجهها الأسى. يمر الوقت بطيئاً، بعد ذلك، وهما يرقبان الطريق، في صمت. وينكمش ظل النخلة، على إسفلت الزجاج. تتململ الامرأة، فيضع الرجل كفه، فوق ركبتها. "ما يزال الوقت مبكراً." "ماذا تقول!؟" يرفع صوته. "أقول إن موعده لم يفت بعد." تحرك الامرأة فكيها، كأنها تلوك طعاماً، ولا تقول شيئاً، عيناها تحدقان في الدرب، لعلها تلمحه يدخل إلى الزقاق راكباً دراجته القديمة، وحقيبة الرسائل الجلدية الصغيرة مربوطة إلى العارضة تتدلى بين ساقيه. اعتاد ساعي البريد رؤيتهما يجلسان، كتفاً إلى كتف، ينتظرانه، في صبر عجيب، كل يوم. وحين يدخل إلى الزقاق يهبّان واقفين، قبل أن يصل إليهما، وفي عيونهما لهفة وترقب، فيتوقف أمامهما، مائلاً بدراجته قليلاً، واضعاً إحدى قدميه، على الأرض، تاركاً الأخرى تستقر، على دواسة العجلات، يحييهما بلطف، عيونهما، في هذه الأثناء، تتابع حركاته، ينتظرانه يمد يده، داخل الحقيبة، ويبحث بأصابعه المدرّبة، بين كومة الرسائل، ثم يستل واحدة، أو ربما أكثر، ويقول لهما مبتسماً "وصلت هذه لكما اليوم!". غير أن ساعي البريد ما عاد يفعل هذا، منذ زمن. كل ما يفعله هو أن يقول لهما، في رقة بالغة، كأنه يعتذر، عن جرم جناه بحقهما، هو نفسه "أنا آسف كثيراً. لم يصل شيء. لعل بريدكما لا يزال في الطريق. "وكأن بريدهما -من دون خلق الله جميعاً- يأتي على ظهر بعير! وبعبارته تلك، عن البريد الذي تأخر، والتي راح يرددها، منذ بعض الوقت، يجهض حالة الترقب والانتظار، التي لا تخلو -برغم مرارتها- من شيء من المتعة.. متعة التعلق بأمل. ويغلق في وجهيهما أبواب الحلم، وسرحان الخيال، وقراءة رسائل لم تُكتب. "عندي إحساس قوي أننا...!" تكرر العجوز عبارتها المتفائلة. وتنسحب ظلال سعفات النخلة، كانت تحميها من وخز أشعة الشمس، ولا يتبقى منها غير ظل باهت لسعفة، أو سعفتين، يتأرجح على بياض الجدار وراءهما. ويشهدان عودة الطلبة، والتلاميذ، من مدارسهم، والموظفين من أعمالهم. وينظر العجوز، في ساعته، ثم يقول، في يأس، رافعاً صوته، كأنه يزعق. "لندخل!" "ادخل أنت." "سوف تؤذيك الشمس." لا ترد عليه. يحمل الرجل كرسيه بيد، وعكازته بيده الأخرى، ويدخل إلى البيت. تبقى الامرأة تجلس وحدها تنتظر، وسط فراغ الدرب وصمته. تشعر، بعد قليل، بارتخاء في أوصالها، وبخدر يسري في رأسها، ويكتسحها النعاس. وتأتي موجة شفافة تحتويها، وتحملها معها، في اندفاعتها العجولة، ثم ترمي بها على شاطئ شاسع رماله بلون الذهب تتلألأ تحت أشعة شمس الظهيرة. تحاول أن تعصر الماء، عن ثيابها، إلا أنها تكتشف أن ملابسها لم يصبها البلل.. ولا قطرة ماء واحدة! تنظر حولها مبهورة، تحاول أن تعرف في أي مكان هي. عندئذ تراه يقبل صوبها راكباً دراجته القديمة، يقودها بسرعة هائلة. ويتوقف أمامها تماماً. ينزل عن عجلة، ويقول لها معاتباً، وهو يلهث. "أنت تجلسين هنا، على الرمل، تستمتعين بهواء البحر، وأنا دائخ أفتش عنك، في كل مكان!" يأخذ حقيبته، ويترك دراجته تسقط، على الرمل، في إهمال. "خذي!" يناولها رسالة. "وهذه أيضاً!" يمد يده في حقيبته مرة أخرى. "وهذه ثالثة!" يضحك. "وكل ما في هذه الحقيبة، من رسائل، هي لك أنت.. وصلت اليوم، من الأولاد والبنات! كلهم كتبوا.. كلهم، لكن البريد تأخر في الطريق!" يرفع حقيبته الجلدية عالياً، يقلبها وينفض ما فيها، في حضنها، فتنزل عليها الرسائل، شلالاً من مظاريف ملونة، تملأ حضنها، وتغطي جسدها، فتغدو مثل تل صغير، من رسائل، تتكوم بعضها فوق بعض، يعلوه رأسها فارقه الشيب، وهي تكركر سعيدة، وساعي البريد يقهقه، ويرقص حولها، رافعاً حقيبته، تنثال منها المظاريف، فتكسو وجه الأرض، من حولها، برداء جميل. وتظل تنهمر.. وتنهمر بلا انقطاع. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |