شتاءٌ بلا مطـر - مهدي عيسى الصقر

قصص - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

العودة

جلس مذهولاً يحدّق أمامه ويحدّق، غير قادر على استيعاب حقيقة غيابها المفاجئ، وصوت مقرئ القرآن، الذي يتمدد، داخل مكبر الصوت، ثم ينتشر، في الفضاء المحيط، يضج في أذنيه، ويغطي على الهمهمة الخفيضة المتقطعة، الذين جاؤوا يواسونه، وجلسوا، في وقار حزين، في حديقة المنزل، أحذيتهم اللامعة، التي كان يراها ولا يراها، تستقر على العشب، بين أرجل الكراسي المعدنية، في أوضاع مختلفة. كان يعرف أن مثل هذا اليوم سوف يأتي لا محالة، وستذهب هي، أو يذهب هو قبلها. إلا أنه ما كان يعرف أن الفراق سيكون موجعاً بهذا الشكل. قالت له مرة، وهما يشربان الشاي "أنا لا أستطيع احتمال فكرة أن الإنسان حين يرتحل، عن هذه الأرض، لا يعود إليها أبداً "فقال لها إن لا أحد، ولا شيء، يفارق هذه الأرض، ما دامت باقية، وأن الكائنات تظل تدور وتدور، ولذلك هي تعود مرة ثانية وثالثة، إنها تبدل أشكالها فقط، فزايلها الحزن قليلاً. "يعني سأعود أناأيضاً إذا ذهبت!؟" سألته، وانتظرت بلهفة، فقال لها تعودين، كلنا نعود، ولكن ربما على هيئة شجرة، بظلها الوارف، على الأرض، أو على شكل طائر يحلق سعيداً في السماء. بدت مسرورة. أخبرته أنها ستعود، على هيئة عصفور، تحوم حول البيت، وتسكن أشجار الحديقة "لا لا.. دعني أفكر. أنا لا أريد أن يقف شيء بيني وبينك، لذلك سأعود على هيئة قطة، تمشي معك أينما ذهبت، وتحك جسدها بساقيك، وأنت تقرأ، أو تجلس شارداً" فضحك من كلماتها، وقال لها: عمرك أطول من عمري.‏

"أبي!"‏

ابنه الكبير الجالس بجواره، مس ذراعه، وأيقظه من شروده، فهب واقفاً، وضغط على اليد الممدودة، لواحد من المعزين، وتمتم شيئاً، ثم عاد يجلس في مكانه. وجوه كثيرة مرت من أمامه اليوم، لم يتمعن فيها جيداً. بعض الوجوه رافضة، عندما ذهب يواريها التراب. وهناك أدركهم الليل، فجاء صبي يحمل فانوساً أضاء الوجوه الصامتة، التي أحاطت بالحفرة تنتظر، في حين كان الحفار يعمل بهمة، في تعميق الثغرة السوداء، في الأرض. رأى واحداً من الوجوه المعلقة، فوق اللحد، ينفصل عن الوجوه الواجمة. بعد قليل باغته صوت انهمار خيط، من الماء، في الظلمة، وراء ظهره أزعجه ذلك الصوت الناشز، بين صمت النيام، إلا أنه لم يلتفت. بعد حتى عاد الوجه لينضم إلى الوجوه الصامتة المنتظرة. وبينما كانوا يهيلون، على جسدها التراب الأسود الندي، كانت أضواء المدينة البعيدة تومض، في الليل، ومصابيح السيارات، على الطريق النازل إلى المدينة، تشق الظلام زوجاً زوجاً، في تتابع، مثل مشاعل يحملها أشباح، ليدخلوا بها دروب المدينة، النابضة بالحياة. هكذا تحولت هي، من كيان أنيس، يبعث البهجة في دنياه، إلى محض ذكرى عزيزة! أما بالنسبة للآخرين، فرحيلها ليس سوى مناسبة اجتماعية؟ دقائق ويغادرون (المجلس) ويمضي كل واحد منهم، في طريقه. ولو لم يحضروا، فهذا القيام والقعود المتكرر يرهقه، وساقاه تؤلمانه. إلا أن عليه أن يجاري التقاليد، كي لا يتهمه الآخرون، بعدم الوفاء لذكراها. يقولون إن هذه المراسيم تشغل المصاب، وتنسيه لوعته. لا شيء يمكن أن ينسيه لوعة فراقها. ثمة فراغ، مثل هوة عميقة، في داخل روحه، ووحشته لا حدود لها. عاشا معاً سنوات طويلة، حتى أصبحا يفكران في الشيء نفسه، في اللحظة نفسها، ويشعر الواحد منهما بما يدور في رأس الآخر، بدون أن ينطقا كلمة واحدة، فما عاد للكلمات بينهما ضرورة.‏

نظراتهما وحدها تكفي.‏

"لا تحزن، فكلنا على هذا الطريق!"‏

نهض واقفاً، وصافح اليد الممدودة. الحقيقة التي ذكرها الرجل لا ينكرها مخلوق، غير أن حقائق الحياة القاسية، والباردة، لا تتوافق مع المشاعر الإنسانية الهشة، والسريعة العطب. سمع نتفاً، من الأحاديث الحذرة، والخافتة، التي كانت تدور في (المجلس) من حوله. كان المعزّون يتناقلون آخر الأنباء، وبعضهم يعقد صفقات تجارية، فالحياة لن يعرقلها غياب إنسان، مهما كان عزيزاً، عند محبيه. شعر بالمرارة. الله كم هو متعب، وضائع! لاحظ ابنه حالة الانكسار البادية عليه، فما عاد يطلب منه النهوض لاستقبال، وتوديع، المعزين. تركه على جلسته الساهمة، وكان يعتذر، بالنيابة عنه، قائلاً إنه يعافي من قلبه. ابنه لم يكذب. كان هو يعافي من قلبه حقاً. ظل يحدّق أمامه ويحدّق، عاجزاً عن تصديق حقيقة رحيلها. عندئذ رآها تدخل، لم يكن رآها، في الجوار، من قبل. قطة صغيرة بيضاء جاءت تمشي، فوق العشب الأخضر مطمئنة. رآها تمر من بين أرجل الكراسي، وسيقان الرجال، فأضاء وجهه، راقبها تدنو، وحين دخلت، تحت كرسيه، خفق قلبه. جلست هي، على العشب، هادئة. بعد لحظات شعر بها تحك جسدها بساقه. ابتسم، وانحنى عليها حملها ونهض. تجاهل النظرات المندهشة، في عيون المعزين، تجاهل أيضاً النظرة القلقة، في عيني ابنه. أدار ظهره لهم جميعاً، ومشى إلى داخل البيت، يحملها بين ذراعيه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244