|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:57 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
وفاضت الروح عصافير حنان ترفرف بزغب أبيض- تسقسق ولا تطير. -تصبحين على خير يا ماما. -أدخلتها روحي.. وأنت الخير يا عمري.. تطاولتْ.. مسّدتْ شعري.. جميل شعرك يا أمي. وفرقته بأنامل الشمع الصغيرة.. لكنه أشيب من هنا. -ابتسمتُ.. وبحس الأنثى المختبئ داخل جلد طفولتها استدركت لكنه جميل وقبلت مفرق الشيب من شعري هصرتها إلى صدري احتويتها ونامت شفتي على شعرها القمحي وبللته دموعي احتار البحر في عينيها (زعلانه ماما؟). -لا يا حبيبتي- اذهبي إلى فراشك. لم يكن مفرق شيب فقط كان شيباً خالصاً شعر الحبيبة.. شلال ثلج دافئ (يرحمك الله يا غالية) وقرأت لها الفاتحة والقلب يبكي دعاء حاراً.. آه كم افتقدك وكم أحتاجك لو تعلمين. طفلة تائهة أنا والليل بهيم- عارية أحياناً والبرد قارس- معلقة بالهواء- احتاجك أمي احتاج دعواتك وأنا (أحممك) وقد عجزت يداك. وتخجلين.. تخجلين من عريك أمامي وتخافين أن تثقلي علي وتعتذرين.. وأنا أطيل فترة استحمامك.. أمسد الجسد الدافئ اشرب منه طمأنينة وحناناً.. أعود لموطني الأول.. بطنك الأبيض المستدير كعجين فائر ينشد الخَبزْ وشاماتك المتناثرة حبات بركة وأتمنى البقاء. أغسل ثدييك فيشبعني الحليب.. أجفف شعرك فتنتثر الغيوم البيض تمطرني بالحنان. طفلة أنت بين يدي.. وألبسك الثياب مستمتعةً أنا رغم دموع القلب لعجزك وحاجتك إلي، وتدعين لي ولأولادي (مسامحة يمة) وأطير إلى السموات السبع وأقبل ثلجك الدافئ (بعيوني يمة عوافي) أقبّل يديك العاجزتين أذوب شوقاً لأن تضربيني كما كنت تفعلين حين أخطئ وأنت فتية وجميلة بشعرك القمحي كشعر ابنتي وجسدك المحشور في الفستان القصير ذي الألوان الربيعية تتراقص استدراته بحركاتك السريعة والراكضة أحياناً. -أمسح بيديك على وجهي. وتبسمين تغالبين دموعاً وأغالب دموعاً. وأعود طفلة وتتربعين على أرض الحوش /المشطوف/ تحاوطك أكوام الباذنجان والكوسا وباقي الخضار (تحفرين المحشي) ونلتقط شموع الباذنجان نأكلها وتنهرينا (كفى يوجع قلوبكم) وتنادين بين حين وآخر واحدة منّا هاتي الملح، هاتي الصينية، أعطيني المفرمة، نقّي البقدونس، ويداك آلة لا تكلّ وتتغير مواقع الخضار من حولك المحفور، وغير المحفور، هاتي الطنجرة الكبيرة.. وأنا الشقية أحاول أن أحفر الخضار معك، تسكتين بداية لكنك تطردينني لأنني أبقر الباذنجان من الأسفل وأكسر الكوسا الغضة أقبّلك. واحدة أخرى يا أمي (انشا الله تحجين).. تضحكين. هاتي خيار يا بنتي وجربي الحفر، ونحفر الخيار.. نأكل قلبه وندخل خيطاً في أعلاه ليصبح (سطلاً) نملأه بالماء والسكر وننصرف إلى أسفل الدرج نخرج الدمى المصنوعة من بقايا الأقمشة نصفّها ونحضر الفناجين الصغيرة ونملأها من سطل الخيار، ونضيّف الدمى.. وتبقين وحدك ويداك آلة وننساك.. ونغرق في عالم آخر.. نصحو منه على صوت أبي الهادر نتناول منه الأغراض ويخلع جلابيته الصيفية وقميصه الداخلي يرميها على حبل الغسيل في طريقه إلى الحمام وهو يردد متضايقاً (نار نار الدنيا نار) (هاتو لي المنشفة يا بنات) ونركض لتفوز إحدانا بشرف تقديم المنشفة لوالدي... وأنت تسكبين (المحشي) تحترق أصابعك.. تضعينها في وعاء الماء البارد إلى جانبك بين دقيقة وأخرى ونتراكض إلى المطبخ نتخاطف المحشي من بين يديك و(يربض) بعضنا يمصمص العظام وتضحكين ووجهك وردة بلدية حمراء (يللا يللا حضروا السفرة أبوكم جوعان). -آه يا غالية تشعريني بالذنب دائماً لأني ما استطعت أن أصبح مثلك امنع ابنتي من الحفر كي لا توسخ الطاولة وأمنعها من حفر الخيار (لأنه تلويص). لا أشجعها على خياطة ألعاب القماش لأنها تبعثر الأقمشة والخيوط، وأمنع أولادي من اختطاف المحشي من بين يدي (كلوا بالصحون والملاعق بلا تخلف) أتضايق عندما يتمرغون على فراشي يتشممون حناني الذي لا أجاهر به مثلك. لا يتجرأون على التراشق بالوسائد كما كنا عندما تفرشين على سطح الدار فنتمرغ ونتراشق بالوسائد وتفرحين لفرحنا (خلاص يا أولاد ناموا) وتتمددين معنا تتأوهين... آه يا رجلّي ونتسابق لنمسج رجليك المتعبتين فتغفين قبلنا فنرقد كي لا نزعجك. -تصحين قبل الشمس ونصحوا على رائحة القهوة.. تضعينها بالحليب كي يشرب الصغار والكبار نجلس في فيء الحائط المنخفض ونسيم الصبح حمامة بيضاء ترفرف فوقنا ونجد أنفسنا نرتدي (البيجامات) وقد نمنا بالفساتين القصيرة.. (سامحك الله يا غالية وأسكنك أرفع جنّاته). اليوم.. اليوم فقط حين قبلتني ابنتي وأبكتني فهمت لماذا كنت تبكين وأنت تحتضنين مكنة الخياطة وتخيطين ثيابنا بيديك وتدندنين ألحاناً حزينة ترددين يمة.. وهلي.. رحلوا واحفظ بعض الذي كنت ترددينه وأحتاج أن أردده الآن. بالليل أراهم وبالدنيا تمناهم أريد أصبّر الكَلب ما يصبر بلياهم. يا طيبين اللبن باللثم محلاهم. غابوا عن العين شلون الكلب يسلاهم. لن ينساك القلب يا حبيبة. ولن أنسى عندما سافرت مع أولادي وتركت معك نصف القلب ونصف الروح وقد زحف الخدر إلى يديك.. وأكلمك يومياً بالهاتف ويقفز قلبي فرحاً برضاك حين تقولين لي (قطعت بيّ يمة ويأكلني الغم ونصفي هنا ونصفي هناك وأقول لك (بسلامة البنات يمة) لا يزعلون.. وتضحكين وتردين علي (ما يزعلون كلهم سمعوني).. لم نعد نزعل مهما فعلت ومهما قلت فأنت طفلتنا الكبيرة المدللة.. سبع أمهات نحن وأنت ابنتنا الوحيدة التي لن نلد غيرها أبداً. ورحلت.. رحلت بشعرك الغيم وقلبك الوطن وتشردنا ورحلت سماؤنا وعروسة أحلامنا صرت. تزورينا ليلا فتفرح صباحاتنا ولو قليلا. وأراك دائماً بشعرك السنابل وثوبك الربيع وبيتنا القديم ودمى القماش وورود العصر وشجيرات الصنوبر في حديقتنا الأمامية.. لا يريد شعرك أن يشيب ولا تذبل ورود العصر ولا تنام شجيرات الصنوبر. حتى بعد أن اقتلعوها اقتلعوا البيت كله بنوه بالحجر الأبيض عدة أدوار مثل علب الكبريت الفارغة التي كنت تجمعينها لنا لنلصقها فوق بعض نجعل منها بناية أو خزانة ونزين جواريرها بالأزرار المهملة وتساعديننا. -مسكينة ابنتي كم طلبت مني أن أخيط للعبتها ثوباً وكم اعتذرت بانشغالي وأنا التي كنت أخيط للعبتي الثياب وتشجعينني وتساعدينني. هل الأمومة أنت وحدك يا غالية وأنت تقصين علينا القصص الخرافية عن الغولة والمعزاية، وأبناء الجن تكررينها يومياً وتكون جديدة.. وينام أطفالي على شريط مسجل لحكايات الأطفال أو أغاني ريم البندلي. -احتاجك أمي لأرضع منك الأمومة من أجل ابنتي.. طفلتي النائمة، ومشيت إليها ملاكاً غافياً.. قبلتها مسدت سنابل قمحها، وابتسمت وكان البحر في عينيها رائقاً.. ونمتُ دامعة العينين. وزارتني الحبيبة بثوب أبيض حريري تضم ابنتي إلى صدرها قبَلتْها وناولتني إياها وطارت بجناحي ملاك. 12/7/1998 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |