|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:57 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الصحوة الأخيرة صراخ حاد يهز أرجاء المشفى، والممرضات يتراكضن في اتجاهات مختلفة، بعض منهن ناحية الصوت، والبعض الآخر إلى غرفة الأطباء. فالطبيب يعطي التعليمات للممرضة المسؤولة بزيادة عدد الحقن المسكنة المعطاة لعمر، ومراقبة حالته جيداً وإعلامه بالتفاصيل. كان عمر أحد المجندين في ذاك الوقت العصيب من أيام الحرب، ويبدو أنه كان في الصفوف المتقدمة للجيش، وكما هي الانتصارات دائماً لا تأتي إلا على جثث الأبطال، لكن الأقدار تشاء لعمر أن يكون ضحية حية، ولا أحد يعرف هل ترفقت الأقدار بعمر فأبقته حياً بحروقه البليغة تلك، أم كان الموت أرحم؟ فعذاب عمر لا ينتهي إلا لبضع ساعات متقطعة بفعل المسكنات التي كان يحقن بها في المشفى. فقد بات شغل الجهاز الطبي الشاغل، فحالته أكثر إيلاماً وأكثر تطلباً للعناية وقد تعاطف الجميع معه لصغر سنه، وطبيعته المحبوبة، وكونه بطلاً تشرينياً غامر بروحه وشبابه من أجل الوطن، حالات الهياج تزداد يوماً بعد يوم واجتماعات الأطباء ومناقشاتهم تطول، فتسمعهم في النهاية يرددون ليس هناك خيارآخر. بدأت قروح أحمد تتحسن وجروحه تلتئم، لكن حالات الهياج مستمرة وفي كل مرة تتراكض الممرضات لحقنة بمادة دوائية يهدأ بعدها مباشرة. الهمس بين الممرضات والأسف في عيونهن يزداد عن حالة عمر، في صباح ذلك اليوم تقرر إمكانية خروج عمر والسفر إلى أهله ليطمئنوا عليه ولو وافق على البقاء لحاولوا معالجته مما هو فيه /هكذا قالوا له/، ودّع الجميع بحرارة ومودة وكرر له الأطباء التعليمات الطبية وأكدوا له ضرورة المحاولة الجادة في أمر هو يعرفه... عرفت فيما بعد أن عمر المسكين قد أدمن المادة المخدرة التي اضطر لتعاطيها فترة طويلة . بالشوق والفرح العارم بسلامته استقبله الأهل والأصحاب في بلده وأقاموا من أجله الاحتفالات التي لم تستطع أن تمحو من قسماته الحزن والوهن الذي بدا واضحاً ملحوظاً فعزاه البعض لحالة المرض التي خرج منها حديثاً. أحاطته العائلة بالعناية الشديدة والحب الذي يبدو أنه معتاد عليه فهو أصغر الأبناء، فكان إخوته يتراكضون لإحضار الدواء له عند اهتياجه، ويشكون من صعوبة الحصول عليه وغلاء ثمنه. الاستغراب والحيرة أمام حالة عمر التي لم يعرفوا لها تفسيراً سوى ما قاله أحد المسنين بأنها من آثار الرعب الذي تعرض له في الحرب فرد أحد المتفذلكين مفسراً كلام الشيخ بطريقة علمية إنها حالة نفسية. الأم تطيل فترات الصلاة والدعاء لولدها بالشفاء العاجل رحمة به وبأمومتها المعذبة... عمر في تحسُّن، وحالات الاهتياج خفت بشكل ملحوظ، وكأن دعاء الأم قد صادف أبواب السماء مشرعة فعجَّل بالوصول وسارع بالجواب. لم تلحظ الأم إلا مؤخراً ازدياد مصروفات عمر وطلبه النقود باستمرار، إضافة إلى ماكان يخصه به والده، وكأن فرحتها بشفائه قد أعمتها عن أشياء كثيرة، لكن شكوكها بدأت بالتحرك فكانت تخمدها. إلاّ أن الأمر زاد عن الحد المعقول فاكتفت بتنبيهه برقة إذ لا قدرة لها على مجاراته. طأطأ عمر رأسه ولم يحر جواباً وكف عن طلب المزيد فحمدت له ذوقه ورقته، فعمر مؤدب منذ صغره ولا يحتاج التكرار، ولأنه كذلك فلم تسمح للشيطان أن يهمس في أذنها، أغلقتها بشدة وبصقت عن يسارها عندما اكتشفت ذات يوم اختفاء إناء نحاسي من بين الأواني، فعللت ذلك بأن أحد الجيران قد استعاره ونسي إعادته كما نسيت هي، لكن فقد تحفة فضية قديمة وخاتماً ذهبياً من علبة مجوهراتها جعلها تفتح أذنيها الاثنتين للشيطان وخصوصاً أن أحوال عمر لم تكن على مايرام. فهو دائم الشرود- مصفّر الوجه- منعزلاً -يثور لأتفه الأسباب، وإن أتبعه باعتذار وتأسف. وكثيراً ما يهرب إلى غرفته وتسمعه أمه يبكي بصوت مكتوم، فيبكي قلبها لبكائه وتلعن في سرها الحرب والانتصار والهزيمة معاً. لمَّحت له مرة عن اختفاء الخاتم كمن يستشيره في الأمر، فامتقع وجهه واضطرب ولم يعلق بكلمة واحدة، انخرطت في بكاء مرير وقد فهمت مالم تكن تودّ فهمه، وعمر لم يسألها عن سبب بكائها. في ذلك الصباح بدا كل شيء غارقاً في السبات فقد خلا البيت من الجميع وغيوم الخريف تضفي على الكون سكوناً عميقاً وكأن الحياة في تلك الساعة تغط في غيبوبة. وحدها كانت الأم في المنزل مع عمر الذي ينام إلى وقت متأخر، قرعت باب غرفته برفق، فلم يرد عليها، كررت القرع فلم تحظ بجواب. فتحت الباب بسرعة وقلبها يكاد يسبق رجليها، فقد شعرت بحدوث مكروه ما لعمر، فكان ما وقعت عليه عيناها هو آخر ما كانت تتصور حدوثه. هزته بجنون عمر.... عمر... رد علي يا بني. لكنه لم ولن يرد عليها بعد اليوم، كان كخرقة مبلولة مسجى على سريره وعلى صدره ورقة مكتوبة بخط يده. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |