تفاصيل - شذا برغوث

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

خيوط الشمس

شبكت يدها اليمنى بيده اليسرى، كانت تطوح بحقيبتها غير مهتمة بما وبمن حولها.‏

شعرها الناعم المنثور وبنطال الجينز المرقع الذي احتضن وركيها بحنان، تضحك خيوطه المذهبة بسعادة، حزام الجلد المرصع بقطع المعدن المتباينة الأشكال والأحجام، وبلوزتها الملتصقة باستماتة بجسدها الرقيق حتى ليخشى عليها من صعوبة التنفس.‏

شابان بعمر الورد ورقته ينطق فرح العالم الذي يمتلكانه في لحظتهما الحميمة تلك من كل ذرة في كيانيهما الطفلين. توقفا عند باب كبير لبيت فخم في المدينة النظيفة، وقرعت الجرس ورأسها فوق كتفه تُسِر في أذنه شيئاً، سحبته من يده. فرحتها تقفز من عينيها الساحرتين نوراً سماوياً. إلى غرفة جانبية، اتجهت به. نقرت على بابها بشقاوة ولم تنتظر أذناً (بون سوارببّا)، كان يقرأ في كتاب كبير رفع رأسه بوقار ووجه إليها من تحت نظارته معاني فهمتها، فاستدركت بعربية مكسرة.‏

كيف حالك بابا.... هذا صديقي جوني ونريد الزواج مارأيك به أليس رائعاً، إنه زميلي.‏

تجمدت يده على ساعد النظارة، نهض عن الكرسي، لم يعتدل تماماً، بقي ظهره متهدلاً وتجمدت حركاته.‏

نظارته الطبية تحولت إلى شاشة سينمائية ضخمة. مررت أمامه فيلماً عمره الزمني، عشرون عاماً.‏

والدته الحبيبة والمسبحة في يدها، جالسة في حوش الدار في قريته البعيدة.‏

بنات القرية بثيابهن التي تغازل أطرافها الأرض المرشوشة.‏

أخواته البنات وتراكضهن إلى غرفهن عندما يقرع طارق ما باب الدار.‏

تتشابك ضفائرهن خلف ظهورهن وتفترق، فاطمة ابنة عمه، واضطرابها البين عند التقاء عيونهما وارتعاشة يدها كطائر صغير بين يديه حين ودعها مسافراً إلى المدينة التي كانت حلماً.‏

فيلمه مازال يعرض أحداثاً مثيرة.‏

هاهو يحلق بطائرته إلى سماء المدينة المسحورة المشعة بالأنوار -الصارخة بالموسيقا- المكتظة بالرؤوس الشقراء والحمراء- العامرة بالسيقان المضيئة، والأذرع الطويلة اللدنة.‏

لفّت به أعوامه العشرون الماضية بين دهاليزها وكؤوسها.‏

أبدلت عيني فاطمة الوحشيتين بزرقة عيني ديانا، وضفائر فاطمة بشعر ديانا المسروق من خيوط الشمس التي لا تشرق. وبين دهاليزها توقفت ساعته الزمنية وعطبت طائرته حتى أنها لم تحمله ليودع أمه الوداع الأخير.‏

- وارتمى بجسده الثقيل على الكرسي ثانية.‏

وقريته بديعة، بديعة، أشجار وسواق، صبايا وجرار، على وجهه طافت ابتسامة حنون انتزعها صوتٍ ابنته. بابا لم تسلّم على جوني بعد؟...‏

نزع نظارته بعصبية، خرج من خلف طاولته مهتاجاً، رفع يده التي لم ترفع يوماً إلا لتمسد شعرها الأشقر الجميل، وهوى بها على خدها الرقيق بقسوة غريبة وزمجر بصوت مخنوق/قلة حيا، قلة حيا/ وأشار بيده الأخرى ناحية الباب للشاب الذي أصابه الذهول.‏

جحظت عيناها، وارتجفت أوصالها، فقد أيقنت أن والدها قد جنَّ وخصوصاً بأنها لم تفهم كلامه‏

-وهو احتضنها، وارتمى على كرسي قريب دفن‏

وجهه في شعرها، وبكى. بكى كطفل ضربه والده بشدة على خطأ كبير من الصعب إصلاحه.‏

15/1/1997.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244