|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
عديله أنت وحيد في هذه الفلاة. السيارة ليست رفيقاً. آن لك أن تعرف أن الحديد عدو الإنسان. الحديد إذا انفرد بك قتلك.. الأصوات والإيقاعات التي تتسرب من الراديو، أكثر جفافاً من يد حطاب عجوز. إنها صمَّاء، وإن بدت لك ناطقة وطرية، فقد اجتاحتك بمكر شديد. احتلتك بمباغتة كالفرح الذي يعوم في مدى حزين.. .. أيها المسافر وحدك في البهجة الصحراوية.. إن الهمَّ يحتويك مُدلهَّماً وطاغياً وأثيراً. فتتقدم، وليست لك القدرة على إلغاء اصطدام الأرض بالفضاء عند الأفق البعيد، فكلما اقتربت منه.. بَعُد. أنت ما تزال سعيداً، أليس كذلك؟.. حسناً زدْ إذن من قسوة مشط القدم على السطح المطاطي لِدواَّسة البنزين. ستنهب السيارة الأرض بك نهب الحريق. ليس المطاط وحده ما تدوس عليه. إن تحت المطاط حديداً، فترفَّقْ.. صلب هو الحديد، وإذا انفرد بك قتلك. أراك تُبطئ.. هل خوفَ الحديد، أم لتتملَّى هذا المشهد الذي لا يتكرر إلا لماماً، كما تقول؟.. إنه لا يتكرر -وكثيراً- إلا هنا. فهو عادي مع تلاطم الرمل والحصى والريح والصرصر والشجر الإيهامي الأصلع. فأن ينقضَّ جارح على جيفة، لأمر عادي هنا. إنما لا تستغرب إذا عرفت بأن للجوارح غير طيِّبة الطويِّةِ وَلَعاً بالانقضاض على الحيوانات الحية أيضاً وعلى السيارات. ها أنت اقتربت. صار المنظر أكثر اتضاحاً. الجارح أخذ البطين الأيسر من قلب الجيفة وطار. لا تحسب أنك أفزعته فطار.. ها هو ذا يعلو من الشمال الصافي كعينيْ عديلة، إلى الغرب العَكِر. لقد عاد. ماذا ألمَّ بك؟؟.. ما هذا القرعُ بالصدر، الوقْرُ بالأذنين، الارتجاف بأصابع القدمين؟. ربما أن هذا هو الضعف الإنساني الذي لم يتحدث عنه (مالرو).. اعلمْ إذن أن الجارح هو الأذكى.. إنه يتعامل مع السيارة كما لو كانت جيفة - لعله يتعامل كذلك معك أيضاً-، لكنه أحس بالخطأ، فابتَعَد. دع الجارح الآن وواصلْ رحلة عودتك الشفافة وبحثك المغري بالحنان إلى مجهول لا تريد أن تسميَهُ كذلك.. هل تجرؤ على تسميته على هذا النحو الأصدق؟. أنت لا تجرؤ.. وأيضاً أنت واهمٌ إذا حسبت الزوجة جالسة على كرسي انتظار مذهَّب أو مزركش. إن حلمك بكأس حليب دافئ هو الآخر وهم، فضرع العنزة التي تركتها عند باب الدار يوم سافرت، كفَّ عن الإدرار ثم جفَّ تماماً.. بل إن العنزة تدور حول نفسها منذ أن سافرت. ويوم شرعت بالعودة جفَّت هي الأخرى، كما جفَّت ورقة اليانصيب التي أبقيتها لعديلة، ألوانها اللماعة كعينيْ فهد جريح بهتت أولاً، وبهتت عديلة نفسها؛ إلا أنها لم تجفَّ كلها بَعْدُ... أمامك قطيع. انظرْ. ألا ترى عشرات الضروع وقد غدا كل اثنين منها لوحين من خشب متلاصقين صقيلين ويهتزَّان. ها أنت عند باب الدار. لماذا تُشيح وجهك؟ ما بال وجهك صار أشبه بوجه تيْس آسيوي مكسور الساقين؟ لماذا تهرول مبتعداً مقترباً من ساحة الدار؟.. أما كنت تريد الدخول لتعبَّ الحليب من كفيْ عديلة؟.. حسناً. أدخل. أحكِم إغلاق الباب. أرْتِجْهُ ثم تابع في الدهليز الطويل. الدهليز ليس مظلماً إلى الحدِّ الذي تتصوَّر. حدقتا عينيك هما المُجهدتان.. إن النور يغمر المكان كله، أنت الذي لا تراه، لأنه نور أسود -النور نفسه الذي أشعلت يوم الرحيل-.. لقد وصلت إلى آخر الدهليز. الأُكرة في متناول قبضتك. أدِرْها. أدرها، افتحْ. ليس في الداخل كلب.. تخلَّص من لعنة تصوراتك. كان لك قلب من صوان، ما لك الآن؟ ماذا بك؟.. ليس لك غير الكُرة. أدِرْها. أدِرْها بقوة وبثبات. (شيكسبير) قال: التردد ضعف لا يليق بالرجال. إن جرأتك في داخلك، وما تسمعه ليس عواء كلب. أنت تسمع صوتك. عديلة، في الداخل تنتظر، والكأس بين راحتيها. لكنها لن تسقيك الحليب، فإنه لم يعُد ثمَّة من حليب. تريدك أن تملأه أنت لها بالمُجَفَّف. فأنت من أرسل عصير البرتقال المجفف؛ صاحبك الذي أحضره، دق الباب وانتظر حتى تسلَّمته، تسلمت الزجاجة منه، فانصرف.. والزجاجة الآن في الداخل فوق منضدة التلفزيون.. أما التلفزيون فقد أبْعِد بعيداً، لأن عديلة كفَّت عن الحاجة لترى نفسها فيه أو تراك. وعديلة لم تشرب من العصير المجفف، عوَّدتْ نفسَها شراباً آخر موبقاً واحتفظت بالزجاجة ملأى لتشرب من المجفف معك.. ليس عليك سوى أن تُدير غطاء الزجاجة إلى أي اتجاه أردت فتنفتح بيَّارة البرتقال. ثم أمل الزجاجة -قليلاً أو كثيراً- يندلق الشراب بارداً كالزمهرير، حلواً كما المتعة والارتواء. سوف ترتويان. لسانك الذي أصبح له قوام مبرد خشبٍ صَدِئٍ، سيعود أملس وطرياً كخدود الأطفال النائمين، كقلوب الخِراف المذبوحة حديثاً، وإنما لن يكون له دفؤها... هل ستُدير الأُكرة؟ إذا لم تفعل أدرتُها أنا لا تقل إنك لا تراني. قل إنك لا تريد أن تراني.. .. أدِرْ.. أدِر الأُكْرَة.. دارت الأُكْرة. كل شيء حولك دار ثم ارتجّ. .. صوتٌ أشبه بالهزيم، ملأ الأرجاء جميعاً، لكنه في واقع الأمر لم يملأ شيئاً البتَّة. أنت الآن نخلة. نخلة تهتزُّ كأنْ لا واحة لها، ولا رُطَب فيها كي تتباهى. أنت مستلب الخاطر والجَنان. يحتويك ريش كثير كاد أن يملأ الغرفة ولكي تُبعِده عنك، طوَّحت في فضاء الغرفة يديك وساقيك وجسدك كله، لكنه كلما أمعنت، كلما تحرك مزيد من الهواء فازداد الريش المتطاير عدداً وكثافة. ألا تدري بأنك لو سكنْتَ لسَكَنَ الريش.. أنت تقول يا أللّه كم يكون الإنسان غبياً في بعض الأحيان، ولا تتذكر (نيوتن).. حسناً. واصل البحث إذن عن جدار تلوذ به وتحتمي.. لم تجدْ فردَّدتْ دون صوت: لعلّي أخطأت البيت. إنك تزمع أن تنادي (يا عديله)، وقد آن لك أن تكف عن الأفكار الحمقاء. إن صوتك إذا فعلت سيبعث في هواء الغرفة حافزاً يسهم في تطاير المزيد من الريش، وربما عطَّل قانون الجاذبية من أساسه. فالأفضل أن تستكين جالساً في مكانك، وأن تضم ذراعيك إلى صدرك كيفما اتفق وبهدوء بالغ كالضراعة ما استطعت.. تَبَصّر الريشَ من مكمنك.. إنه يتساقط في اتئاد محدثاً جلبةً رفيقة كسلحفاة تبيْض.. صممْ.. ارسم دقائق وثواني الحوار الصاخب الذي تنوي إدارته مع الزوجة عديلة أتحسب أنها خزَّنت الريش كي لا تراها ولا ترى الكلب. الريش ما يزال يلهو غير آبهٍ بشيء في بيداء غرفة متعتكما الوحيدة.. تعِبٌ أنت، فارخِ جفنيك ونَمْ. غفوت ساعة؟ ربما أكثر، ربما أقل.. ها هي معالم الغرفة شرعت تتضح رويداً رويداً. إنها غرفة متعتكما الوحيدة. هببت واقفاً. حشوت رئتيك الإثنتين بكثير من هواء الغرفة. الهواء بكْر، فلن يساعدك لترفع صوتك بالنداء عليها.. هممت بالقول. بدأت بكلمة (يا). ثم سكتَّ وسكنت. كان النسر الكبير الهرم يتقدم منك بكأس من عصير البرتقال المجفف. الكأس أًصغر من الغرفة بقليل. فزِعتَ فزعاً عظيماً. ارْتُجَّ عليك كأنك صُعقت. أحسست بالدوار. الغرفة كلها تدور. أنت أيضاً تدور. وروحك يدور.. غطَّاك النسر كلَّك. غَطَّكَ. ضمَّك تحت جناحين قويين من حديد وإسفلت. أحسست أن روحك تخرج من تحت أظافر قدميك. إن الروح قُدْس الأقداس، ولذا فإنه يخرج من الرأس. فلا تبتئس. لك الآن أن تصرخ بحثاً عن عديلة.. .. هكذا: عديـ.. .. لاه.. .. عديله. بعد ذلك طأطئ وقدِّمْ رأسك المصطخب بالأفكار للنسر الكبير الهرم. وقل له: عديلة حبي. عديلة محياي ومماتي.. سيُطْلِقكَ النسر. إن النسر أذكى. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |