موال وفيقة - نبيه شعار

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

جهـــراء

سقطت على قلب جهراء جملةٌ جبلٌ قيلت عجلى، وإنما بإصرار:‏

[السيد طلبك لأكبر أبنائه]..!!‏

كانت جهراء مولعة بجابر، شغوفة به، وتعتقد أن حبهما مثل جُبِّ القرية يزداد ماءً كلما زيد نزِحاً، أما أن يخطب جابر غيرها فتلك مسألة فوق كل احتمال. لقد كانت عصيَّة على كل خاطب. تعرف ذلك القرية كلها، وإذا كان جابر قد خطب غيرها وأزمع على زواج قريب؛ فيجب ألا يعني هذا أنها غدت لقمةَ أيِّ نَاوٍ للزواج.. فحين طلب السيد يدها لأكبر أبنائه- وهو تشريف ما بعده تشريف حسب مفاهيم أهل القرية- تأبَّت؛ ولم تتعلل بشيء. وعندما عرف السيد أجاب: أخطبها لنفسي إذن.. معروف عنه أن نفسه خضراء. وعندما استُدعِيَ أبوها إلى مضافة السيد أصرت أن تذهب معه.. أعتقد الأب بأنها تريد أن ترى السيد قبل أن توافق، وإذ فشل في إثنائها، قال في نفسه: حقُّها الشرعي أن تراه، أو لعلَّها تريد إعلان موافقتها أمام ملأ الرجال..‏

كانت جريئة كما هي دائماً، فقد دخلت مجلس الرجال وقالت:‏

- اسمع يا عمِّي، يا سيد القرية.. ماذا تريد المُهرة، يا عمِّي؟؟‏

وقبل أن تسمع الإجابة.. خرجت كرمح أصاب مقتله ومضى..‏

امتقع وجه أبيها.. وتلوَّن وجه السيد، احمرَّ اصفرَّ زعفراناً ثم أزرقَّ، من جرأة وقسوة ما سَمِع. همهم الرجال في جنبات المجلس. تنبَّه أبو جهراء لذهاب ابنته، فلوى وجهه قبل أن يجلس وهمَّ ليُغادِر، لكن السيد صاح به: بل تجلس وتتقهوى كالعادة يا أبا جهراء. ثم تنحنح.‏

سكت الجميع تلهفاً لما سيكون عليه ردُّ فعله. صمت طويلاً. عَبّ فناجين قهوة لم تُحْصَ عدداً. فاجَأَ الجميع بأن قال: أمسِ جاءني من الحاكم رسولٌ، أن علينا تقديم خمسة رؤوس إبْلاَ وعشرة رؤوس غنماً وبعض السمن. إن ضيوفاً مهمِّين سيردون عليه. فالإبل عليّْ.. ثم جعل يُسمِّيَ من اختار للوفاء بما بقي فيما الكل صامت في عالم صنعته كلمات جهراء.. أراد أحد الجمْعُ أن يعتذر، لكن مُسِناً هزَّ رأس السمع والطاعة، فانصاع الجميع.. أردف السيد: أما أنت فقد أعفيناك، يا أبا جهراء..‏

أُعيد صبُّ القهوة حتى آذن وقت الغداء فأقبلوا يلتهمون..‏

كان أبو جهراء كَمَنْ يأكل أحجاراً سِجِّيلاً تصطكُّ بين شدقيه وتكاد أن تسد البلعوم.. ويحسُّ بجبل من الخزي لِتَجَرُؤ ابنته بالصورة التي تبدَّى بها، كما ودَّ لو خسفت به المضافة وبالسيد ورجال القرية..‏

لقد فهم مغزى أن يُعفَى من المشاركة في الجُعْلِ المطلوب.‏

عاد الجمعْ فانعقد بعد صلاة العشاء إلا أبو جهراء فما جاء حتى أرسل إليه السيد.. إذّاك فضَّ السيد ثِقَلَ الجلسة بأن قال: مع الصبح أصطحب الجُعْلَ إلى المدينة. وصمت وقتاً دهراً أدار فيه داخل الرمل قضيباً كان في يده، ثم دفع القضيب داخل الرمل فانكسر. قال: والله، يا وجوه الخير، أصابت جهراء فيما أخطأنا. الأصقهُ لا سمعَ له، فَلِمَ يكون لديه بلبلٌ يشدو. إن البلابل تريد آذاناً تسمع.. والمُهرة تريد فارساً.. لا سائساً.. فأنت يا أباها يا أخي، تخيَّر لها.. إنها لجديرة بفارس شاب. بأفحلِ فحل.. وليس من الجنون دخولُ جهراءَ علينا الصبح، كما علمْتُ بأن البعض قالَ.‏

لم يعلق أحد.. لكن الكل تخوَّف مما وراء كلمات السيد.‏

رجّ الأسماع، ورجَّ هدأة الليلِ والمجلسَ وجميعَ البيوتِ الداجنةِ.. آهةٌ واسعةٌ تبعَها عويل طويل ومتقطِّع.‏

كانت جهراء قد تلقت ضربةَ مِجْرَفة قوية على رأسها وصدغها في الفراش، فخرجت غزالة جريحة تعدو في كل اتجاه، نصفَ عارية، لا هي تبكي ولا هي تصرخُ ولا هي تولولُ. كانت تعوي.‏

هبّ الرجال. تركوا المجلس للجمر يكوي دِلالَ القهوة.. عاجل أبو جهراء فألقى على ابنته عباءتة، فيما احتضنها السيد وشدَّ.. ما أحسَّت. واستمرَّت تولول.. كان ألم يفوق التصبرُّ يحتويها ويعتصرها اعتصاراً، والرجال متحلِّقون.. هذا يقول اصفعوها، وهذا يقول اتركوها لن تذهب بعيداً، وهذا يقول جازاك الله يا جابر.. لقد جُنَّت البنت مُذ قيل إنك ستتزوج غيرها..‏

أما أبوها فغدا داخل ذهوله، أبله لا يقوى على فعْل أو قوْل شيء البتّةَ.‏

أمر السيد سائس خيله ليحملها إلى الحريم، ثم ليسرج له فرسه، فقد طلع الصبح أو كاد، كما قال. لكن الصبح كان بحاجة لأكثر من ساعتين كي تطلَّ بشائرَه.‏

مضت على الحادثة شهور، وجهراء مقيمة مع حريم السيد في قبضة صمت داكن.. يكلمها الجميع ولا تجيب أحداً، وإذا ردَّت فلا أكثر من أن تقول: جابرٌ هوايَْ.. وتعود إلى داخل صمتها الداكن.‏

أما جابرٌ، فمشغولٌ بالإعداد لعرسه. وفتاتُه التي اختار تعيش اغتباطها.. وبين الحين والحين تتناول جهراءَ بدسيسة أو تذَكِّرُ بها مجنونة من قبل أن يخطبها السيد لابنه ثم لنفسه. بل تسميها المجنونة كلما أتت على ذكرها. وتبتكر الأقاويل عنها.. من قبيل: إن جُنَّاً يسكنونها ولا بد أن تؤذيَ من يلامسها أو حتى يقترب منها. وزعمت: إن هذا ما حَوَّلَ جابراً عنها.‏

وقالت إن جهراءَ كانت وراء احتراق محصول السيد منذ شهر، وأضافت: ماذا السيد صانعٌ مع مجنونة هل يُسَلِّمَها للمخفر؟ كيف يفعل هذا وهو من آواها وسترها بعدما لَعِبَ الجُنَّ بها لِعْبَ الرجال بالحريم.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أبْعِدْها وأبْعِدْهُمْ عنَّا يا رب..‏

كان النسوة يُنصِتْنَ ويَخْتَزِنَّ ما يَسْمَعْنَ فيروينَهُ حقيقةً ويَزِدْنَ. وكثيراً ما كُنَّ يُخفْنَ بها أطفالَهُنَّ ويَنْهينَهم عن الاقتراب منها.. خوفاً عليهم. ويَقُلْنَ لِضناهنَّ: إذا طلبتْ جهراء أي شيء منكم يا أولاد، فأعطوها، حتى لو كان لقمةً في أفواهكم..‏

وجهراء التي ضُربَتْ بالمجرفة، فقدت الكثير الكثير من ذاكرتها، فلا هي قالت ضُرِبْتُ، ولا اهتمَّ أحدٌ بالبحث عن سبب ما أصابها.. إلاّ أنها كانت تُحِبُّ الصغار كلَّ صغار، حتى إنها كانت تُسَرُّ وتحنو على الصبايا والهِرَرَةِ والجرابيعِ والفئران. لكنها كانت تقسو أشدَّ القسوة على الخفافيش التي تعبر ساحات الضيعة عند كل غروب، وعلى الرجال -شباباً كانوا أم شيوخاً- وذات مَرَّةٍ احتصنها عجوز خلف مطحنة القرية وَهَمَّ يقبِّلُها فغرست أظافرَها تحت لحيته ولم تتركه إلاّ بعد أن أخذت بأصابعها شعراتٍ منها قبل أن تبصقَ عليه وتُفلِتَ وتتقيَّأ.. وأيضاً تقسو على أشجار العُليقِ فتشدُّها حتى حدود الاقتلاع، تنظر إليها في تَشَفٍّ وساديَّةٍ مُطلقةٍ. والقرية ماشت خطيبة جابر، ليس بأن جهراءَ جُنَّتْ لأن جابراً تخلى عنها، أو لأن شيئاً ما أصابها تلك الليلة فخرجت حاسرة وتعوي.. بل لما تسرَّبَ من بيت السيد أنه قال لإحدى حريمه بأن جُنِيَّاً أصاب من جهراءَ وَطَرَاً تلك الليلة فجُنَّتْ. وهذا ما تلقفته خطيبة جابر وسارت به بين نساء القرية وفتياتها..‏

أما جهراء نفسها، فمُنشغلةٌ عن كل ما يقال، رضيّة باستعدادات زواج جابر، تسهم مع المُسهمات، وإذا نُهِرَتْ عادت فقالت: جابرٌ هواي. فيتركونها تفعل ما تفعل. وما إن ترى السيد مقبلاً نحوها ليؤوب بها إلى بيته مع مغرب كل شمس في حنوٍّ يحرص على أن يكون بادياً وواضحاً.. تترك ما هي مُنشغلة به أياً كان فتتطلع إليه بخنوع، ثم تمشي وراءه خائفة من شيءٍ أمرٍ لا يعرفه إلا هما.‏

القرية كلها من رجال ونساء، كانت تستغرب كيف يُطْلِقُها السيد نهاراً ويستعيدها كل ليلة إلى بيته.. وكانوا يتساءلون عما يدعوه لهذا، ولِمَ لا يُعيدها إلى بيت أبيها..‏

قيل بوجود اتفاق بينهما على ذلك حيث يتلو السيد عليها ما يتيسر مما لا يعرفه سواه، فتبقى هادئة ولا تزداد جنوناً.. وكان الواحد منهم يُسائل نفسه لماذا لا يجعلها الشيخ مع حريمه خادمة تكنس أو تحلب الماعز أو تقدم التبن للبهائم، بدل أن يُطلِقها هكذا في أزقة القرية عُرضة للمهانة والسخرية والتقوُّلات.. بخاصة وقد بدا كأنها حامل في شهرها الثامن. وبدأ الناس يتقوَّلون، فمرَّر السيد أنه نسي أن يقرأ عليها ليلةً، فأتاها الجني وأصبح لزاماً أن تلزم دار أبيها حتى تضع ما لا يعلم إلا الله ما سيكون.‏

في الصباح التالي لمبيتها في بيت أبيها قيل:‏

إن مخاضاً شديداً وغريباً أتاها مع الفجر، وما كاد يهمُّ أبوها بالذهاب ليُحضِر داية القرية حتى شعر كأن يدان من حديد أقوى من حديد كل المحاريث سمّرت قدميه ومنعته، ثم سمع صوت شيء كأنه مِزْرَبَّة تهوي لا يدري من أين ولا أين هوت، فشهقت جهراء وسال دم كثير من قمَّة رأسها وأذُنيها، ثم أسلمت الروح لبارئها..‏

.. وقد اختلف الرجال رأياً في أن يُصَلُّوا عليها أم لا.‏

كان رأي السيد:‏

- بل نصلي، إنما خارج المسجد.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244