|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
موّال وفيقة هدأت ضوضاء الليل الأول، والليل الثاني هجد، وهجع الليل الثالث.. كل شيء سكن، فشرعت نسائم المساء الرطبة الحنونة في اتخاذ مساراتها نحو شرفات العشاق. تغطَّى كل حبيب بحبيبه واحتمى به. امتزجت النجاوى بالتواجد باللهفات.. والسفن الراسية في الميناء، سلَّمت مشاعلها الأليفة لسطح الموج الناعس، بكل ما لها وما فيها من الدعة ومن الاستكانة. عند هذا الوقت بالذات، امتدت يد وفيقة البضَّةُ البيضاءُ كحمامة إلى خشبة السنديان التي جعلت منها مقعداً للأرجوحة الأثيرة. سعُدت الخشبة فماست الأرجوحة. كان عليها منديل أحمر مطرَّز الحواشي بخيوط أليفات من الفلِّ والقرنفل الأبيض العبَق، اعتادت وفيقة أن تعقده على الشعر الأشقر المنسدل على الظهر كلما هبطت إلى المدينة المجاورة، فيظن من تقصدهم أن التطريز فضَّة لشدة بهائه.. ولكنْ أنَّى لأهل الجبل أن يشتروا فضة يطرزن بها مناديلهم. لو كانوا يملكون لاشتروا بأثمانها تمراً يأكلونه في رمضان أو سمناً يمزجون به كعك الأعياد، أو كانوا اشتروا حمَّالات أثداء لنسائهم. صحيح أن وفيقة في غنىً عن حمَّالة أثداء؛ ولكن أثداء نساء القرية كلِّهن متدلِّية أبداً كضروع الماعز، وأحياناً تُشبه وهنَّ يمشين أوراق تنباك معلقة على عيدان التجفيف إذا داعبتها نسائم بحر هشَّة.. ولو ملكوا الفضة كانوا جعلوها خواتم أوْلَجُوا فيها أصابعهم علَّها تضيء؛ فربما أشبهت أصابع الأغوات المكروهين المحبوبين، وما ظلَّت أصابع أبناء آوى أو ذئاب بمقدماتها المُصْفرَّة من لفافات تبغ يتلهون بأدخنتها بين شفاه مُقْشِبة صيفَ شتاء، فيما هم يتلذذون بلسْعات احتراق شهي. ..فَيَدُ وفيقة البضَّة البيضاء كحمامة، تناولت منديل الدموع. اقتربت به من عينين دامعتين حرَّانتين واسعتين سعة الكون، فلامست بحنانه دمعة واحدة شرعت بالإنسيال على الخدِّ الأسيل الذي كأن فوق نَهْدَتِهِ أرجواناً، فتشرَّبها المنديل وازدهى. مدَّت نظرة إلى حيث يقيم البحر، آخر الأرض الممتدة من جرود القرية إلى حدود الوادي إلى الأفق.. مسَّدت كل ذلك بالنظرة. أحسَّت وفيقةُ أن النظرة لاقت حبيبها فقالت للقمر: - إن حبيبي في شقاء غربته يجمع الآن زعروراً أو تفاحاً أو أقاحي. ولعله مستلقٍ على حصيرته يفكِّر فيَّ. إن حبيبي يجمع المال ليُعْلِيَني بين البنات بهداياه الكثيرة الثمينة.. قماشاً وعطوراً، بل حتى ذهباً.. وسيشتري لي أريكة أتوسَّدها، وأوسِّد رأسه على صدري فوق قلبي.. سأُغنِّيه ويُغنيني.. عادت وفيقة بنظرتها فرأت أنَّات عناقيد العنب، المُعرِّش أغصاناً أغصاناً كالعشاق اثنين اثنين، تتوارى؛ ورأت الأسى ينتضي نبرته الشجية ويناولُها لاشتياق الصدر الثري المكتنز، لتنفتحَ مغاليقَ رغبتهِ وتنضحَ -كالآجر- مخزون النار القديمة، وتتعرَّق زجاجاً فينيقياً مُشرَّباً بالتوق الكظيم. قضت وفيقة الليلة كلها هكذا، حتى ترخرخ جميعُ الليل، وخرج من الوادي ملوَّناً بالشفق. صعد فوق الوادي الأسود كالباذنجان، فصبغَهُ بتؤدةٍ وبحنان أكثرَ من جمٍّ. صاح ديك وغنى شحرور. بانت شمس الأوْبة.. أيقنت وفيقة، وأيقنت يدها والأرجوحة والمنديل والدمعة والعناقيد والصدر ومغاليق الرغبة والآجر والليل المُغادر.. كلٌ أيقن أن الحبيب عاد. بدأت وفيقة تسمع ما كأنَّهُ صوت حبيبها. الموال الذي غنَّياه معاً قبل سنين، تسمعه الآن يغنيه ناقصاً أجمل ما كان فيه. وصوته لم يعد كما كان.. إن فيه بحَّةَ ناي يتعذب.. فَنَضَتْ رعشة مغاليق الرغبة، ثم سحبت من صوتها اختزان السنوات الباهتة، وتجاوبت مع الموال القادم من خلف السفر.. أذِنت لرحابة صوتها أن تسترجع مداها الابتدائي.. غنت داخل الصوت. رجعت إلى يوم أن غادر الحبيب وحيداً إلاّ من جُعبة أعدتها له وتعويذة دفعت مقابلها مئتين وثمانين حبَّة زيتون مُجرَّح، وأربعة أرغفة؛ وأضافت إلى المُقابل المدفوع قنينة زيت على سبيل الهدية؛ وأحاطت كل ذلك بعينين حانيتين واسعتين سعة الكون، ودعاءً صادقاً وصموتاً. كانت الضيعات المتاخمة والمجاورة مبتهجة ابتهاجاً عظيماً، فكلٌ منها تحسب العائد ابناً لها. أما العاشقة وفيقة وأترابها، فواثقات من أنه لوفيقة وحدها. إنه حَرَمْها الذي لا يُتَجاوَزُ قط باقتراب أو ملمس، كما أنها هي نفسها حَدُّهُ الذي لا يطال. فللآخرين وللأخريات أن ينظروا إليه. أن ينظروا فحسب...! علت في الجو البعيد هنهنات وزغاريد هزّتْ جذرَ الوادي وسقفَ السماء. انفتحت حقول صنوبر. فاح طيب كثير. ضاءت عيون وفيقة. صحا كل ما في عمرها، هتف بالعروق فصحت قانية دافئة. وضح انتظارها باللهفة.. فقد بدت عند أفق التطلع جمهرةَ عراضة: رجال ونساء وأطفال صبية وبنات يرقصون وهم يمشون بتدافع نمل.. ويمزج الجميع ضحكات تتخللها أحاديث عن السفر الطويل والبلاد التي عاد منها حيث يأكل الناس كل يوم ـ كما زعم العائد ـ شواء من لحوم الخنازير والظباء المستأنسة، مضمخاً بالعصفر والزعفران وبهلام لزج كالآهات. قال بعض الشيب: ـ إنهم كفارٌ على كل حال. فهم لا يصلون ولا يستغفرون ولا يعترفون.. أيتبطرُ أحد هكذا إذا لم يكن كافراً وابن كافر. اللهم أبقِ علينا إيماننا وقناعتنا فإن القناعة كنز لا يفنى. جاوبه حطاب صياد قديم: ـ لا. إن خنازيركم برية وهو يقول لنا إن خنازيرهم مستأنسة. ولكن الظباء؟! ماذا في الظبي ليؤكل؟ واللّه مافيه أكثر من أوقية لحم، والباقي جلاميط للقطط، اسألوني أنا. مرة صدت ظبياً أكلته وحدي وماشبعت.. من الشيب من تبسم ومنهم من ضحك. ثم عادوا ينصتون لما يحدثهم به العائد كالأنعام أوكما لوكانوا في خطبة جمعة أو قداس أحد. قال إنه أزمع مرة أن يشتري مدينة كاملة هناك، فعارضته الحميراء ـ مشيراً إلى رفيقته الأجنبية التي ما انفك يخاصرها منذ خروجهما من الميناء ـ ... قال بعض: ـ لو شاء ابن بلدنا لاشترانا إذن وبيوتنا وأبقارنا وكلابنا جميعاً. تصوروا، يقول كدت أن أشتري مدينة بأسرها. لقد صار من أهل المال، وغداً يصبح من أهل الجاه أيضاً.وربما جعله الوالي قائمقام الجبل.. لم لا، وربما جعله السلطان والي الشام. يقال إن الوالي مغضوب عليه الآن.. قال ثان: ـ أو وزيراً، أو آغا. كانت العراضة تستمع وتستمتع وتستغرب وتتعجب؛ بينما هي تتقدم وتتوقف، ثم تعود تمشي هوينى هوينى. قال العائد لواحد من العراضة: ـ آه على كأس عرق. لقد قرحت قلوبنا من شرب الويسكي هناك. أجابه الذي سمعه: ـ لعينيك.. كل شيء جاهز.. واجبك كبير أنت وضيوفك. ـ هذه زوجتي، ليست ضيفاً. قلت ذلك منذ وصلت. ـ أنعم وأكرم. على كل حال هي ضيفتنا. تدخل آخر قائلاً: ـ لعنهم الله وما يشربون بتلك الديار. هل يوجد أطيب من العرق وأنظف؟ إننا نصنعه بأيدينا فنعرف كل قطرة فيه، واليانسون من أراضينا.. سمعت أن الويسكي يصنعونه من البصل.. تفوه.. على هكذا مزاج. أيشرب إبن آدم معصور البصل ويترك معصور العنب المقطر. قالت الأجنبية التي تشبه كوز ذرة صفراء يانع: ـ أخيراً هانحن في بلدكِ. سأرى ماذا يكون العرق. لقد ثقبت آذاننا بكثرة حديثك عنه. أرخى على كتفها العريان يداًوساعداً. لف خصرها وابتسم لها. خشي الجميع أن ينهصر الخصر. فإن محيطه لا يزيد على قُطْرِ جَبَسَةٍ لم تكتملْ نضجاً. بل إن الخصر كله لم يكتمل نضجاً ـ كما قالت نساء عندما أبصرنها أول مرة ـ وقلن: ـ أما الوجه فسبحان الخلاق كيف أبدع وصور.. لكنهن أضفن: ـ إذا كانت زوجته كما قال، فلم العري والجمع رجال؟ إن نحرها ونصف الصدر عاريان تماماً. والظهر ـ أخزى الله زوجها وأخزاها معه ـ مكشوف كاندلاق ثمرة ليف في آخر آب. قال مراهق بهمس: ـ والله شيء حلو. حدجته بنت وتملَّته من رأسه حتى قدميه.. فانسحب إلى داخل العراضة. بنتٌ غيرها تبسَّمت لما قاله المراهق. ثالثة زمَّت شفتيها ثم تحسَّرت قائلة: ـ يا ويلك يا وفيقة مما سترين.. وسكتت. قالت عجوز: ـ احفظ علينا حياءنا يارب، فالحياء نصف الدين.. ألم تكن وفيقة أحلى بأدبها ونسبها وحمرة خديها وجدائلها وقامتها الرمح؟؟ ثم إنها تملك أرضاً فيها بيت وستين شجرة زيتون وأشجار فاكهة تغلُّ الكثير الكثير. وليس لها أقارب ولا أهل. أضافت صبية من الصبايا: ـ هذه التي أتحفنا بها على آخر الزمان، لا تعرف حتى كلامنا ولا تفهمه. ثالثة قالت: ـ يا حسرتي عليك يا وفيقة. لقد انتظرت انتظرت من لا يستحقك. كل الشباب هكذا لا أمان لهم. يمنُّون الواحدة منا ثم يمضون. عصافير من غصن إلى غصن. أكملت الأولى: ـ الآن حلَّت وفيقة لإبراهيم، لقد تفطَّر وجداً وكَلَفَاً بوفيقة، ووفيقة تتأبى وتنتظر عودة المهاجر. يا عيني على إبراهيم. مابقي فيه رمق. لكن الله سبحانه هاهو قد أذن أن يعوَّض صبره، إن لم يكن هذه الليلة بالذات، فلا أبعد من الأسبوع القادم. إن وفيقة لن تغفر فعلة معشوقها. إن لها عناد جدها يرحمه اللّه.. لقد تعقب دركياً إلى الشام وقتله، لمجرد أنه لطمه لطمة واحدة خفيفة. صحيح أنه أمضى لذلك عشر سنوات سجناً، لكنه عندما خرج كأنه لم يسجن. وقال بأنه قضى سبع السنوات السجن على جانب واحد من جانبيه.. ما تعب. وما قل صلابة. كان وظل سروة باسقة أو أرزة شامخة حتى مات، عليه رحمة الله. لاحَ سرو الضيعة وأرزُها. آذنت شمس الأصيل بالذهاب إلى حضن حبيبها المشتاق. أمسى مَرَجُ العراضة أقرب إلى أذني وفيقة. بانت ساحة الضيعة. تجلت دار وفيقة طوداً. اشرأب ياسمين سياج الدار. فاحت ريح: عوسج ونعنع بري. تبدت وفيقة. أطلتْ كعيد.. [وفيقة بيلسان الجبل، وصِبا الجبل، وفُلُّهُ، وزعترُهُ، وزَعْرَنَتَهُ، وعنفوانه، واستكانته.. ..]. هكذا كان يصفها إبراهيم. شاهدت العائد الأسمر كالبطم يعتنق خصر الأجنبية.. تسمرت وفيقة الانتظار المديد.. ظل الحبيب العائد يعتنق خصر الأجنبية... سكن الزمان لديها.. استعدت وفيقة لمواويلها. مدت ذراعاً كالشمس. رفعت ذراعاً أخرى. صارت شمسان على الشرفة، حزينتان وترتجفان؛ إنما مضيئتان. وكانت الشمس الثالثة ما تزال ماضية إلى حضن عاشقها البحر. تيبست العراضة. أرهفت لتسمع وفيقة. أبرقت عينا وفيقة. امتد البريق خطافاً نفاذاً كالقدر، فغمر ساحة الضيعة والعائد والمستقبلين، إلا الأجنبية. صدحت وفيقة بما لا أذن سمعت ولا مئذنة: هيهات يا بو الزلف عيني يا موليا شريان قلبي انقطع من نظرتك ليا ثم صمتت. لم يقدر أحد على إحصاء عدد المسامير التي صلبت قلب وفيقة قبل أن تخرَّ صَعِقَة.. غصَّ حلق إبراهيم بأطنان من السماق، فصعد الجلجلة إلى شرفة وفيقة لحظة أن خرت.انكب عليها محتضناً إياها كمن يحتمي.. بعد سنين، قال بعض البنات إنهن سمعن إبراهيم يقول لوفيقة: خذيني!! .. وإنها حين انفضَّ جمع العراضة من حول الشرفة والجثَّة، ضمَّته إليها، وإنهما اتحدا!.. لكن أحداً لم يصدِّق. كما أن أحداً لم يُكذِّب. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |