|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
عنق الجمل من يرى الذي اسمه نزَّال بن رافع، كما ادعى حين اقتيد إلى سجن حلب مصفد اليدين ثم أُسقِط في يده وتعامل باسمه الحقيقي طيلة السنوات السجن لا يملك إلا القول بأنه من البدو الذين لم ينزلوا حاضرة قطُّ، والألصق ـ في معاشهم وسلوكهم ـ بزمن قديم وظل قديماً، لا هو تغيَّر ولا هم أرادوه أن يتغيَّر. كان منظره وملبسه يؤكدان أنه لم يخالط غير سباع البيد وأبناء آوى ونجم الشمال وعواصف الرمل وسكون الصحراء واستكانتها.. كان بادي البداوة أشعث بجديلته ونهايات كل منهما الأشبهِ بنباتِ شوكي اضطهده الماء زمناً طويلاً.. لم يُعرف له في البدو قبيلة ولا عشيرة ولا فخذ ولا حِمى. ولم يُعرف من أي الاتجاهات جاء، كما لو كان قُدَّ من جبل بعيد، فركب ريحاً إلى أن استقرَّ عند خيمة الشيخ. حتى إن شيخ القبيلة نفسه رغم معارفه وعلومه، لم يعرف.. لكن تِبْعاً من الأتباع قال بأنه قد قدم من بلد الهجران، وصمت. وحين سئل نزال عن أصله وعن فصله، لم يُسمَع له جواب لا إيماءً ولا نطقاً.. فقيل: ـ أخرس، أطرش، لكنه يُبصر ويرى. أحد الجلساء قال: ـ إن أقرب بدو إلى مضاربنا يسكنون على مسيرة يومين من هنا أو أكثر..فكيف وصل إلينا؟.. تنحنح الشيخ وقال: ـ لابد أنه تَعِب الآن.. سنعرف خبره غداً، لقد طال علينا الليل يا رَبْع. ثم أمر له بطعام.. حدق نزال في الشيخ بعينين زائغتين حادتين حمراوين كعيون الجن. ظن الشيخ أنه يشكره، فهز له رأساً ثم مسد لحيته الشهباء ونهض ثقيلاً، فهبَّت المضافة وقوفاً. ارفض المجلس عن بكرة أبيه،إلا نزال فقد استمر يأكل يزدرد الطعام ازدراداً؛ قبضة أرزٍّ إثر قبضة، ويردف الاثنتين بقطعة لحم مختلط بياضاً كثيراً باحمرار قليل، ثم يعدل من قعدته ويعاود الكرة هكذا، ويسمع له لغط كأنه خوار؛ ثم يعود يزدرد ويزدرد.. فيما الخادم الذي بقي معه يوليه ظهره ـ حيث من اكتمال الكرم ألاَّ يرى المضيف أو ممثله، الضيف وهو يأكل . طال الوقت، حتى ملَّ الخادم واستشاط ليس لأن نزالاً التهم وحده ماكان يكفي ثلاثة فرسان أشداء، بل لأنه والنوم أخذا يتغالبان بعد نهار شديد الحرارة أضرم فيه النار وأنجز الطبيخ وأعدَّ القهوة أكثر من عشرين مرة وسلَّمها للخَوِيِّ (1) يدور بها على الشيخ وضيوفه: الجلساء والندمان والشاعر الذي يعيد كل ليلة الشعر نفسه بالصوت الخشبي نفسه تعاونه الربابة نفسها.. وبنصف دورة رأس باتجاه نزال، حسب الخادم أن ساعة الطعام قد آذنت نهايتها. أعاد رأسه كما كان. حدق في ظلام المضارب والصحراء.. من يكون هذا الغريب الأكول؟ ما سرُّه؟ من أين جاء؟ .. هل يضمر شراً ما لأحد ما؟.. عاد فالتفت.. فهم من حركة عينيْ نزال بأنه لم يشبع.. قال له: ـ أطعمناك طعام الحريم، ولم تشبع؛ يشهد اللّه إنك لمن الجن أو الوحوش. سأحضر لك شيئاً آخر تتسمَّمُهُ لتنام بعده كبغلٍ بَشِمٍ نافق. لم يبدِ نزال ماقد يشير إلى أنه قد سمع أو فهم.. قام الخادم متثاقلاً. رجع فقدَّم لنزال خبزاً وسمناً ودبساً وعاد إلى جلسته الأولى يحدق في فراغ المضارب والصحراء، فيما برودة الليل تزداد ثقلاً وإثقالاً.. وإذ التفت بنظرة عجلى، وجد نزالاً قد تدثر فروة تيس متآكلة وغط في نوم ثقيل، وشخر كبعير لم يكتمل ذبحاً.. فأطفأ السراج الوحيد في المجلس، واصطحب بندقيته وأحكم إغلاق طربال(2) الباب، وذهب ينام. وصل الشيخ إلى المجلس مع أول خيط من الضوء، ووصل معه كبار العشيرة، يتبعهم الخَوي الكبير متمنطقاً حزاماً جلدياً بنياً متآكلاً فيه جيوب ملأى بالرصاص وعلى كتفه الأيمن علق بندقيته؛ أما الكتف الأيسر فيتدلى منه جراب فيه سيف لا يُعرف ما إذا كان بتَّاراً أم لا؛ وفي حزام خصره بين الخاصرة والسرة تظهر قبضة مسدس نمساوي أهديَ للشيخ زمن العثمانيين لخدمة أداها لسرية من الجند بالدلالة على اتجاه نجدٍ، وإرساله معها خوياً لم يرجع عنهم، وقيل آخاهم فأرسلوه إلى الأستانة مستشاراً للباب العالي(3) لما أبدى من الإخلاص للسلطنة وماكان عليه من خبرة لا تُجارى في تقصي الأثر ومعرفة بالصحراء قبائلَ وأفخاذاً ومساكن.. وقيل في أحاديث أخرى، إنهم بعدأن أوصلهم نجداً، قتلوه. سأل الشيخ خويه عن وقت نوم الأخرس، كما سماه، فعاد الخوي بالسؤال إلى أصغر الخدم، ثم أجاب. شاور الشيخ رهطه عن إيقاظ الأخرس؛ قيل نوقظه يا طويل العمر. انحنى الخوي على النائم. هزه بغلظة مرتين فصحا ونشب واقفاً في زعرٍ باد.. وما كاد يستجمع وعيه حتى أقبل منحنياً على يمين الشيخ فقبل كتفه ثم لثم ظاهر الكف. شرب الشيخ وصحبه قهوتهم. أمر فَصُبَّ لنزال بفنجان ثم أومأ. فطوَّح الخوي الفنجان.. مرت أيام الضيافة الثلاثة، ولم يفه نزال بحرف.. جرت محاولات كثيرة لتعرف حاجته دون جدوى.. في ضحى اليوم الأول من الأسبوع الثاني، قيل: ـ يا شيخ، دعه يسرح ببعض غنمك مع السارحين. استحسن الشيخ الرأي. بدا على نزال أنه قد فهم، فقد أقبل هاجماً على الشيخ يقبل عقاله وكتفه ثم ظاهري كفيه. في الفجر اللاحق بدأ نزال يضرب مبتعداً عن المضارب إلى حيث الكلأ، بأغنام كثيرة وكلب وبعير واحد يمتطيه في الذهاب إلى المرعى وفي الإياب، ويسرحه مع الأغنام يأكل ويجترُّ ويمرح على هواه.. استمر نزال هكذا يوماً بعد يوم، شهراً في إثر شهر. لم يدر نزال أن التجاءه إلى مضارب الشيخ كان نجَّاهُ لو أنه بقي في المضارب. لكن بقاءه في المضارب يعني أن يعمل ليس خادماً فحسب، بل أقل مرتبة في خدم الشيخ كلهم، كان عليه أن يأتمر لكل خوي وكل خادم، وإن نفسه تعاف هذا. ومن يدري فربما استاء أو تشاجر فسيضطر لأن تبدر منه كلمة تكشف أنه يسمع وأنه يتكلم.. فتكون طامة كبرى. هكذا كان ظن نزال.. ثم ماذا لو أنه باح بسره، من يدريه بأن الشيخ لا يسلمه.. لكنه لم يفطن إلى أن الشيخ، كغيره من شيوخ البادية، كان سيجيره وسيحميه لا حباً به، وإنما كي لا يقال في العرب إنه لم ينتخِ، فما أجار وما حمى.. فتزول هيبة المشيخة ويصبح مضغة تلاك، وربما شعراً يُتغنّى به في الأماسي.. ذات يوم لمح نزال في مرمى النظر غباراً كثيفاً لم يتبين منشأه على التوِّ. وحين اقترب الغبار عرف أن سيارة أثارته. حين اقترب الغبار أكثر، ودَّ نزال لو انشقت الأرض فالتهمته والسيارة ومن فيها من الدرك(4) والأغنامَ والجملَ والكلبَ جميعاً.. أطلق ساقيه للعدو أقصى ما يستطيع، يتبعه الكلب والجمل. الراكبون الثلاثة لم يترجلوا.. أوقفوا سيارتهم وأخذوا يضحكون.. إن الصيد صار إن لم يكن في الشبكة، فهو في المرمى الآن.. إلى أين يا هذا الطريد؟ إلى أين؟؟ إن المدى مهما بَعُدَ، هو دون قدرتك على الهرب البعيد.. لك الله يا نزال.. لم يعد لك الآن، إلاَّ الله. أجهده الجري. وقف يلهث. زمَّ عينيه. رأى السيارة في مكان وقوفها، تساءل: لِمَ لم يلحقوني!! وحير جواباً.. رَجَّ قلبه أن السيارة تحركت باتجاهه.. أناخ الجمل.. لمع في وهج الشمس ساقا جزْمة.. إن دركياً ترجَّل.. قال له بصوت أجشَّ واثق: تعال.. أقبل نزال خافضاً رأساً، رافعاً عينين كسيرتين. فتح الدركي مغارة فمه، زعم الفم أنه يبتسم. ترك نزال لجام الجمل وسار، صعد السيارة صامتاً.. وقفت السيارة قرب الأغنام. جفلت الأغنام برهة. فزعت ثم عادت إلى طعامها من عشب الأرض الأزغب.. أصعد دركي إلى السيارة كبشاً مفتول القرنين كالوعل. وانطلقت السيارة باتجاه الإسفلت. اقشعَّرَ نزال.. خرَّ قلبه بين قدميه حين أمسك أحد الدركيين يمناه فلواها وأحكم فيها سوار حديد معلقاً بسوار آخر دسَّ له فيه يُسراه، وهو صامت سارح في ملكوت متلوِّن بالخوف وبالندم وبالذعر وبالتحدي، وبشيء من الراحة لم يعرف مثلها ويجهل أي سببٍ لها.. تذكَّر لتوِّه معصمي سناء وساعدي سناء وكتفي سناء، ثم برقت له رقبة سناء. ـ يا ابن الكلب، سنة كاملة نجري وراءك في إثر إثرك.. تترك الهندسة ودعة المدينة وتتعاطى رعي الأغنام يا ابن الكلب.. إلى أين كنت تظن نفسك هارباً؟؟.. إن يد الدرك طويلة، تصل إليك ولو كنت في أبعد سماء.. وها نحن صدناك كما يصطاد كلب جرب ولو كان مسعوراً. دارت السيارة مائة وثمانين درجة ثم أوقِفتِ لأن أحد الدركيين قال: ـ ألن يسألنا رئيس المخفر، ماذا أحضرتم لي؟ قال الثاني: ـ حبذا لو أخذنا له الجمل فاقتسمه مع قائد الفصيل. الثالث قال: ـ وكيف نحمل جملاً في سيارتنا الجيب هذه؟ كان نزال يتابع الحوار.. نسي سناء فقال: ـ تذبحونه وتجرونه بحبل، أليس معكم حبل؟ قال ثلاثتهم: ـ من يقدر على ذبح جمل صحراوي؟ إن الكباش الصحراوية عصيَّة على الإمساك، فما بالكم بجمل، ونذبحه أيضاً؟؟ لا.. لا نستطيع.. .. والله إن أفلت برك علينا وعلى السيارة جميعاً فجعلنا عجيناً. قال الذي أصفد نزالاً: ـ إن مَن قَدِرَ على سناء، لن يعجزه جمل. وقع قلب نزال. دخل انعدام الوزن هنيهة رجعت إليه فيها: سنوات دراسته الجامعية.. حديقة الجامعة، صحاب الجامعة، الطريق إلى الجامعة، وعده لسناء بالزواج وعش يملآنه أطفالاً ووروداً.. فاغرورقت عيناه بدمع غصَّ، غصَّ في المآقي، ما ظهر وما انحدر على خدٍّ من خد يه البارزين ككثيب متشقق في الصحراء الموحشة. رفع الدركي كفَّاً كخشبة وهوى بها علىخد نزال، ثم أخرج من جيب سترته مفتاحاً أصغر من عينه الحولاء، وأدخله في صفد اليدين، وتابع في إزباد: ـ انزل يا ابن القحـ[.....] أمسك الجمل واذبحه. نظر نزال إلى الدركي نظرة أشبه بالبلهاء.. كانت ذكريات الجامعة ماتزال ماثلة تتراوحه كما يتراوح الوقت بندولٌ رتيبٌ في ساعة خشبية.. صار أمام الجمل. أمسك اللجام. عَيَّنَ في عينيه. توقف الجمل عن مضغ اجتراره الأثير. ثم أغرق عينيه في عيني ذابحه وفتح شدقه فتحة صغيره كأنه يبتسم...لوى باتجاه نزال وهو في بَرْكَتِه، عنقاً رخياً سلساً كعنق زرافة ثم حناه أسفل فأعلى وشده باستقامة عن نحره، فبدا المنحر مستعداً لقدره المطلوب..هم الرجل ليفعل ما طلب منه. أمال السكين باتجاه رمل الصحراء. لامس بيسراه العنق الطويل ومسده بكف حنون كمن يلامس خد حبيب أو خد طفل وليد. أرخى اللجام وقفل إلى سيارة الدرك. حدق فيه صافِدُهُ بحدَّةٍ وصلف.. قال نزال: ـ اذبحوني أنا إن شئتم.. لن أقدِر. وتحدرت من عينيه دمعتان.. سمع أحداً يقول: ـ اعتبره سناء. ويردف: ـ دموع التماسيح.. أتدعي عدم القدرة على ذبح بهيمة.. حقَّاً إنك لمكَّار كبير. لم يجب نزال بأن العشاق والمحبين لا يُميتون أحداً ولا يقتلون بل إنهم هم يموتون ويُقتلون هوىً وصبابة. سمع كفَّاً كمرزبة تهوي على الخد المدمع. سمع، ولم يتألم.. خرَّ على الرمل. ثم نهض رمحاً متكسراً.. فتلقى بصمت وألم، ركلة حذاء ضخم على فخذه.. بادل الركلة بنظرة تحدٍّ من عينيه الحمراوين كعيون الجن. تاهت منه العينان. غاص في الذكرى.. (1) - الخَوِّي: جمعها الخَوَيَّان، وهم خدم مرافقون مميزون عند كبراء البدو وزعماء القبائل والعشائر مدافعون عنهم وحامين لهم. (2) -الطربال: نسيج قماش سميك لا يخترقه المطر.، تصنع منه الشوادر والخيام. (3) - الباب العالي: تسمية أطلقها السلاطين العثمانيون على رؤساء الوزارات عندهم. (4) - الدرك: تنظيم أمني لحفظ النظام في القرى والأرياف. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |