|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ذات ليلة من شباط سمكة بحيرة الأحلام الممتدة من سراب الهاجرة إلى حقول القمح والذهب والبترول، ظلت تحاور البنت البدوية سنين وسنين -ربما مائتين، وربما أكثر- حتى غدت كل منهما تخاطب نفسها عندما تخاطب الأخرى.. ولم تكبر أيُّ منهما عن قوس الطفولة. لكن الجميع يعرفون؛ ومنذ قديم الأزمنة؛ أن كلاً منهما مولودةٌ رمزَ طفولة أبديِّ النجوى، لايُغيّبه عمرٌ ولا تعصره هموم.. تتناجيان دون ماضٍ وقد ابتنت كل واحدة لنفسها الأمل نفسه، الحلم نفسه، وأيضاً الرغبة نفسها.. رغبةً بعالم آت من داخل المعاناة، مزهر بربيع لاينقضي وبشمس لاتغيب.. وبأن الغريب سيتجرّع الأشواك كلها ويلوذ بالخيبة المرة في بلاده البعيدة. وفي ليلة ماكان فيها ضوء، ماكان فيها نسمة، ماكان فيه صوت.. اشرأبت السمكة. نظرت بعينيها الحمراوين نحو البنت البدوية.. أومأت البنت البدوية أن التنانين مُغْضَبة، وقد تربّصت بالعاشقين وبالقوافي والمقامات العريقة عراقة نيران المجوس والشرائع الأولى.. فتمطّت السمكة، وتمطّى معها نجم الصبح فأضاء المكان برق وبيلسان وصفصاف فراتي.. ثم غادرت مصطخب الماء في البحيرة، نافضة عن جسمه الأثير: العوالق والأصداف الفارغة، فاعتنقت بها البنت البدوية اعتناق السيف بالرقبة، وأجهشتا معاً ببكاء صامت حارق حنون. كانتا خائفتين من شيء ما. شيء كالمعاصي أو أشدّ وطأة. قالت البنت البدوية: خذيني إليهم، إنّهم أهلي. قالت السمكة: تعاليْ إنهم أمهاتي وآبائي، فادْخُليني نذهب إليهم.. سرّحت البنت البدوية شعراً أصفر كاللهب. أغدقت عطور سالومي على النحر فسال إلى السّرة ثم توضّع مابين الخاصرتين. تعطّر المكان: الشاطئ والماء والنخل والشاطئ الآخر؛ واحتشدت جميعها بالابتسام. وفيما كانت البنت تهم بدخول السمكة الغضّة.. تلت صلوات وابتهالات استعاد بها الليل شرف الصدّقين والشهداء، وانتصبت قناديل العنفوان والكبرياء مدججة بالشهامة. هلل الأقحوان الندي. علت الزغاريد.. فالليلة، تدخل بطن السمكة، كما دخل يونس بطن الحوت الكبير. أقعت السمكة، ثم انتضت سيف البطولة وسرت من الرصافة إلى فيء المعتصم الشهم. شهقت عند الباب الدمويّ.. كان: النوارس، وعمال التنظيفات الطيبون، والجنود الشجعان، والرّضع، والعاهرون، وأبناء السبيل، والعسس الخبثاء، وفوّهات المدافع المتيقظة، وضفائر بنات رياض الأطفال، وصبيان الأزقّة، والأقحوان، وأسطحة المنازل، والساحات، والميادين، والأرصفة، والجسور، وأشجار الدفل والحور، والكتّاب الصادقون والمأجورون، ومحطات الكهرباء، ومواقع استخراج النفط، ومكاتب البريد، والمرابون، وبنات الهوى، والباعة المستقرّون والجوّالون، وطاولات المقاهي، والسماورات، ودنان الخمر، والمقامرون، والخمّارون، ورجال السلطات الأربع.. جميعهم كانوا واقفين بالمرصاد، غير آبهين ولا وجلين. والبنت البدوية لم تكن وجلة؛ فقد مدّت في اتئاد نمرةٍ جريحةٍ، عينيها المشوقتين من داخل عينيْ السمكة. حدجت المنظر كله.. رأت في أفق المشهد غرباناً مدلهمة كالغيوم، سوداً كالغضب الربانيّ. تساءلت: - أي قرصان تربّص بحريتك، يامن تجوع كلّ عامٍ حين يعشب الثرى؟.. وأية أصوات هذه التي تنفجر في نسمات الصبح البهيّة والنديّة فستقر في كل قلبٍ خليٍّ؟؟.. أغضت السمكة وجهاً حيياً وغاصت في الهم حتى الذوبان.. كان البحر يسكب زبده على أقدام بعدد الرمل والحصى نبتت على التوّ لصخرة كبيرة عاصرت الزمن كله. والنهر الغادر اقتاد ضفيرة البنت البدوية، الصفراء كاللهب الأقدس، وألقاها داخل البحر، تعبث بها الوحوش. طفت الضفيرة على الموج لحظة.. تسللت تحت الموج لحظة.. ثم تضاحكت بين موجتين زرقاوين كعينيْ حلبيٍّ أصيلٍ، واستسلمت لهما.. غزالةً مجهدة وسكنتْ. تاه الماء بهدوء ناسك بوذيٍّ وهو يحملها كما تحمل الفريسة إلى بيته الواسع داخل البحر. جميع الصقور الأليفة، والحباري، والأشعار النبطيّة، والجنائن المعلّقة في قصور الصحراء، والحشائش الضارة والنافعة.. شهدت جميعها المشهد كله ولم تعترض، ما ندّت عنها نأمة، بل أثرت المشهد باشتراكها في الرقص الموتيّ. وقد زُعِمَ بأنها كانت متواطئة مع النهر والتنانين الكفرة.. كان لسكوتها صوت المواخير والمراحيض العامة!! لكن الصحارى ارتُجَّ عليها فغاصت في الخجل. أما النساك فاعتصموا في صومعات التقوى يأكلون من خبز السلطان ويضربون بسيوفهم المنكسرة كصبايا مغتصبات، وفيما بعد اعتصموا بالتكايا يمارسون رقص السماح ويقيمون حفلات الزار، ويبتهلون.. يبتهلون ويستغفرون ويبتهلون. فجأة -تلفّت البحر الضخم كزرافة، ثم قبع متوحّداً مع همّه. استظلّ بالدهور الغابرة أيام معاوية، وبكى كطفل غرير مجذوم؛ فحضر السلاطين وجوهاً آهلة بالفرح وبالأزمان، حالمين بأثداء النساء قطوفاً دانية وتهاليل ألق، وكراديس من رمان الطائف، من تين الشام، وكمثري بيروت. قامت البنت من بطن السمكة.. تملّت في شبق الغرب القادم. صاحت بدلافين خليج العتمة.. ضاع الصوت ولم يسمع أحد شكواها، إلاّ الحوت.. بصق يونس وواساها، فخرّت وحيدة مسربلة بالدم الدافئ في المياه الدافئة، فاصطخبت الأغاني كالأناشيد، وتسرّب النهر إلى سردابه تحت الصخرة ذات الأقدام التي عَدَدَ الرمل والحصى. اشرأبت السمكة. واشرأبت الضفيرة. لم يلبث السرداب أن مار، ثم تهاوى، وهوى. فغاصت فيه البنت البدوية. قالت الصخرة: - نسي النهر أن يملأ السرداب. فوجئ البحر بالانهيار. واصل بكاءه الغرير، ثم انتحب لأن جديلة أخرى كانت قد أخذت طريقها إلى الاستقرار في قاعه الصقيل. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |