موال وفيقة - نبيه شعار

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

السنبلة

في اليوم القائظ. في أول اليوم القائظ. رفعت السنبلة رأسها الصغير، وبعد أن تلفتت ذات اليمين تلفتت ذات الشمال ثم شرعت في الكشف عن ركبتها أمام العصفور الصغير.‏

ولأن العصفور الصغير لم يعرها اهتماماً باشرت خلع ملابسها الذهبية قطعة قطعة غير آبهة بالسنابل الذكور المجاورة، ولامتعظة بما حلّ في العام السابق من السحق المتكرر الذي لايرحم لكل سنبلة تعرّت؛ وإذ فرغت أخذت تغمز لـه بعينها الواحدة كأنها تدعوه إلى فعل؛ فلم يستجب.‏

زعمت في نفسها أنه لم يكن راغباً في الفعل الذي تدعوه إليه ذلك الوقت المبكر من النهار القائظ، حيث كان النوم الصعب آخذه كلّه، وحيث كل شيء كان مايزال يغط بالنوم العميق. بعضٌ من الكل شيءٍ كان يحلم بالارتياح، وبعضٌ يحلم باستباق الأيام إلى الشهور وبمياه الأنهار في سعيها الحثيث باتجاه البحر، وبعضٌ باستباق الشهور وبمياه الجداول في تشاغلها بالجريان فيما هي تسعى سعياً سريّاً لايعرف الكلل لكي تتسرب إلى جوف الأرض، وبعضٌ آخر كان يتقلب في رقدته كاشفاً سيقانه ومافوق سرّته لشدة الحر، في اطمئنان ودعة.. أما البعض الكثير، فكان مستسلماً يحلم بانقضاء السنين ولايصحو إلا للصلاة. ذلك البعض هو الذي استوعب أن الغاية من الوجود كله هي العبادة تسبيحاً لربّ العباد آناء الليل وأطراف النهار.‏

وهكذا فإن السنبلة - وكانت ترى ذلك - أكملت عريها الصعب السهل الفاضح وغنّت للعصفور الصغير مايُعرف بأنه الأغنية الأولى، وحررت له التفاحة الوحيدة من سطوة الشجرة واستلقت تحتها..‏

ما كاد العصفور يهمُّ بالاقتراب - كان يريد أن يرى ما الذي يحصل ولماذا - حتى عالجته السنبلة واغتصبت قبلتها من منقاره المتورّد، فغضب غضباً عظيماً وأقسم أن يشكو أمرها للشمس، فإذا لم تنصفه شكاها للقمر، وإذا لم ينصفه هو الآخر اكتفى بالطلب إليه ألاّ يفسح مكانه لأي شمس راغبة في القدوم. وماهذا مطلب عزيز التلبية.‏

ملك الشجاعةَ قلبُ السنبلة، وفعل التحدي فعله فيها، فاستمسكت بقدميه وقالت له: لن تحلّق إلا وأنا معك.‏

غرس أظافره بقلبها تماماً وطار بجسمه وبروحه وبها، بعيداً بعيداً.. صارا في الجو.‏

نظر العصفور الصغير إلى جموع السنابل على الأرض فوجدها جميعاً مستلقية على البيادر وعلى جوانبها، تتزانى عصافير كثيرة كان قد سمع بأنه ستُقبلُ من مكان بعيد فترتاد الوطن وتفعل فيه ما تفعل. أحسّ بمرارة وبخزي شديد وبالعار يجلّله، فشدّ الأظافر على السنبلة بكل مافيه من قوة ومن غيظ ومن انتخاء..‏

أما السنبلة فكانت تنظر إلى الأعلى تستعطي الصبر وتَحَمُّلَ مشقة ماهي عليه، لكنها لم تكن تحسّ بالهوان ولا حتى بالامتعاض لهذه الطريقة الفظّة التي اتبعها العصفور الصغير مع ولهى أرادت أن تمتّعه وأن تتمتع لحظةً قبل وقت الحصاد القادم لا محالة قدراً سنوياً ماحقاً، لكنه معتاد.‏

توقف في الجو هنيهة.. استشعر في ذاته ذنباً لم يقترفه، فخجل خجلاً مابعده خجل، ودخل غيمة رقيقة فاغتسل تخلّص من آثام ماضية ومن إثم لم يرتكبه. وحين اغتسلت السنبلة أفلتها وأمرها أن تستر عريها فامتثلت صاغرة.. ثم توضأ كل منهما. قررا الذهاب إلى أقرب كنيسة لتعترف هي بذنبها، ويعترف هو بذنوب الآخرين.. لكنهما وقد وجدا نفسيهما وجهاً لوجه عجوزين بعد طول السفر في الفضاء الرحب، تراجع كل منهما عما انتوى.‏

عادت إلى تعرية ساقيها وكانا متشققين، طار صواب العصفور الصغير العجوز فأسلس لها منقاره الأحمر تقبّله تقبّله حتى ماتت.‏

لم يكن العصفور الصغير العجوز قد خبر الموت قبلاً، فاحتار فيما حصل، واستغرب أنها كفّت عن التقبيل.. كان قد وجد فيه لذّة عظمى عندما امتزج لعابه المالح بلعابها النشويّ حلو الطعم. فقد أعطاه لعابها شعوراً بشبع لم يشبع مثله يوماً قطّ.‏

هزها بمنقاره هزّةً.. هزّتين، لم تتحرك!. هزّها بأحد جناحيه، لم تتحرك!.. صفقها من الجانبين بجناحيه الاثنين، لم تتحرك!.. أحس بخيبة كبيرة، فبكا.. وبكت معه غيمة رقيقة بكاءً لاصوت له. حملها بمنقاره الأحمر واستقبل الشمس البعيدة ليشكو لها ماحصل. لم يعد راغباً بشكواها. ولا بالشكوى منها.‏

غادر الأمكنة والغيوم العالية والأزمنة، حتى وقف على باب الشمس فقرعه مرات. دفعه مرات أكثر فما فُتح. ظل واقفاً بالباب أعواماً، كل عام مقداره ألف عام مما يعدُّ أو يزيد.. ومايزال، وافقاً بالباب كسيراً يهز السنبلة بجسمه كله هزاً متواصلاً لاينقطع.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244