طيوف - وهيب سراي الدين

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

البذلة

عشت معه، كرفيقٍ دائم له، منذ أكثر من دهر. كنت أنمّي في عقله النصائح. ولكنه عصاني، واسترسل في تنمية جسمه. لم أتمكّن من إحداث التوازن لديه. فما أن أحصل على بطاقة هدوءٍ منه، حتى يثور من جديد. كان يعنف، ويبطش بزملائه الطلاب. وصارت علته الرئيسة تكمن في هذا الجسم المتنامي بكيانه. كأنه شبَّ فيه بسرعة، مثل جب يقطين! أوصيته كثيراً، فيما بعد:‏

-إياك ياسالم. أخفُّ صفعة كفٍّ تضع صاحبها في السجن شهراً. السجن هذا ابن حرام ياولد. لا يعرف كبيراً ولا صغيراً. فاقلع عن عادة الضرب هذه. ثم لاتجعلْ يدك طويلة. اليد الطويلة تقود صاحبها إلى السجن أيضاً.‏

وقف وحملق فيّ، بعينين محمّرتين. أخافني جداً. همز:‏

-الجسم (فبركة)، ماكينة. تأخذ وتُعطي. تُدخل وتُفرز...‏

ثم صمت، وانتصب بقامته العارمة مفتكراً. يريد أن يعمل المسكين ليأكل.‏

-طيب، هيا إلى المدينة. دعوته وقدته طائعاً، كالذي يقود وراءه جملاً أو فيلاً. وأخذت أذرع معه الشوارع. ذهل! راح يلتفت زائغ العينين. وينفخ أمامه أنفاساً حارّةً، في كل الاتجاهات. ماباله؟ فكرت فيه لِمَ اضطرب هكذا؟ ولكن يحق له.‏

الصراخ يصمّ الأذان: "هذه الجوارب، لا تعادلها جوارب في العالم".‏

-"تعال أشتر هذا الحذاء. إنه حذاء العمر".‏

ثم صوت غليظ هدر. جعله يجفل ويقفز كحصان شبّت فيه نار: "قمصان النجمة. ياقمصان"!‏

قال لي، وقنابل موقوتةٌ تترامى في دمه! هذه المدينة طبعها حوشي. الكل فيها يفتح فاه ليبتلع، كسمكة قرش هائلة.‏

حذّرته: يا أنتذا، ياسالم، إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب.‏

ردّ: قل سمكة قرش فحسب. ثم مسح ندى أنفه وابتسم.‏

-المهم أن تنتبه لنفسك في المدينة.‏

شرع يديه في الهواء، وانقبض وجهه: ماذا تريد أن أعمل في هذه السوق؟‏

قلت له، والصياح يتناوشنا من كل الجهات: اعمل دلاّلاً مثلهم. ولك صوت جهير كبوق. وقامة مديدة كبرج.‏

طامن رأسه بقبول خجل. وأخذ يلتفت ذات اليمين. وذات الشمال. وأنا أخترق معه زحامات الناس من الباعة والمشترين. لم يشعر بفضاضة، بسبب لباسه غير المقنع: بنطال مرقوع، وبزة قديمة باهتة، وحذاء صيفي مؤلف من نعل وربطة إبهام. داريته. وأوصيته ليصب ناظريه على المخازن. بل خالفني، وأخذ يستثمر جثته بمشية شمّاء شبه عسكرية. كأنه يريد أن يعرض هذا الجسم الجبّار، الذي جاءت به عماليق آخر زمان. غير أن هذا الاستعراض العامّ الذي قام به أمام المارة وواجهات المحالّ، ذهب سدىً. لم يستوقفه أحد. كأنه يرتدي "القبع الأخفى". أجل. كانت ثيابه الخلقة القبع الأخفى له. جسمه العبل اختفى فيها تماماً. ولم يشاهده أحد. كاد يفارقني بوداعٍ عنيف. ولكن استرضيته، ونصحته: ياسالم عليك ببذلة لائقة. اللباس هنا كل شيء! ردّ باغتصاب: ومن أين لي بالبذلة؟‏

-طيب. دعنا من هذه السوق، ولندخل سوقاً أخرى.‏

قبل المسكين مني، وعاج بقامته نحو سوق الألبسة المستعملة. وهنا اشتد زحام الأرجل.وعلا صراخ الباعة والدلاّلين. لقد أخطأت. يجب أن آتي به أولاً، إلى هذه السوق. لا عليه. المهم أن صاحب (بالة)، ناداه، وصار يساومه، عندما شاهد جسمه المهول. واتفق معه على بيع بذلات مستعملة، بنسبة ربحٍ معينة. أومأت إليه: أن اقبل.‏

وأمضى بضعة أيام. فرح. أصبحت الدراهم تخشخش في جيب بنطاله. رغب في عمله أكثر. وراق له مناظر البذلات التي كان يعرضها. ومهنته "الدلالة"، وهو يصيح الصوت تلو الصوت، كأنه يطلق موالاً من العتابا في برية خالية. كنت حين أسمع شظايا فمه، وهي تفرقع من بين شفتيه. أختبئ تحت إبطه. أو أتلبّس أحد جنوبه: على مهلك ياسالم. صرعت الدنيا.‏

دوماً أكرز له بالوصايا. حقيقةً. هذا الـ (سالم). وإن كان ينخلع فؤادي له إشفاقاً. فهو شخص صعب المراس، كالفرس الشموس. ماهذه الرفقة، التي ابتليت بها. ولكن أراني لا فكاك لي، إذا ما تخليت عنه يضيع. حرام! هذه مدينة! هذه حياة! الغيلان شخصوا من حكاياتهم وهُرعوا إليها. ولنحمد الله، الذي أسبغ عليه هذا الجسم العظيم. وإلا أكل فيها دون ملح.‏

ذات يوم قدّم له صاحب (البالة) بذلة كاملة بـ "طقمها، وحذائها، وقميصها، وربطة عنقها. منديلها ذو اللون الكرزي، مازال موجوداً في جيبها الأعلى. يجوز صاحبها مات قبل أيام. تعلّق بها سالم. وكاد يأكلها بعينيه. ثم شاورني. وافقت. قلت في نفسي: حرام دعه يقم بدعاباته، مع أهل هذه المدينة. وليذهب القهر مرةً واحدة من قلبه.‏

حين أخذ مني الضوء الأخضر غاب قليلاً يجوز وقف قبالة المرآة ورجّل شعره ونظر إلى قامته. ثم عاد بعد أن دسّ جسمه داخل تلك البذلة. ظهر لي رجلاً أنيقاً كامل التقاطيع والتفاصيل، بأربعةٍ وعشرين قيراطاً.‏

يا للأبهة!‏

ماهذه الشخصية ياسالم، ياملعون؟ كأن هذه البذلة مفصلةٌ لك عند الخيّاط. أفرج مابين شفتيه. وأشار إلي أن أتبعه. سرت معه جنباً إلى جنب، كتفاً إلى كتف. في شوارع المدينة. كانت مشيته الخيلاء. كأنه أحد أباطرة الرومان. ولا (جوستانيان) بوقاره وهيبته. مشينا. شاقت له مناظر البنايات الشاهقة. والفيلات الفارهة. أخذ يغازلها بنظرات حالمة. ثم وقف فجأة أمام مبنىً دون تعيين. كان للمصادفة مقرّاً لإحدى الوزارات. في الباب نهض حاجب، وحياه: أهلاً، راتب أفندي.‏

كاد يبتسم. غمزته: أن اسكت، لا تفضحنا، وارض باسمك المؤقت، (راتب أفندي).‏

اصطنع عبسةً تليق بهذا الاسم. وصعد الدرج. ثم نزل. سمع: ألم يمتْ راتب الجرجوري. ياترى؟‏

حاجب آخر: عجيباً! أذكر أنني قرأت نعيته.‏

أجابه زميله: راجع ذاكرتك، ياأبله. تقرأ نعيته وهو حي يرزق أمامك.‏

ضحك الحاجب الأول: صحيح. ومازال الشباب يلهو به. ويصبغ شعره الأشيب بالأسود، ليعود كابن ثلاثين.‏

كذلك أومأت له: أن هسْ.‏

وخرجنا. وعبرنا بناء آخر. كان محشوّاً بالطاولات والموظفات وأمامهن شاشاتٌ صغيرة. وآلاتٌ حاسبة. بشّت به موظفة كهلة ذات تجاعيد عميقةٍ في سحنتها ووجنتيها. وذات خيوطٍ بيضاء عالقةٍ في مفارق شعرها: أهلاً راتب بك. الرصيد مازال موقوفاً منذ الإشعار الأول..‏

ثم أعفته من الارتباك، وهي تتابع: راتب بك، ماهو نوع صباغ شعرك؟ صبغتك هذه المرة جيدة جداً. انظر شعري المخلوط بالأبيض.‏

ابتسم. فرحت منه لأنه ابتسم فقط. وأبقى الأمر كالسرّ. هذه المرة نال إعجابي بفطانته وحسن تصرّفه. لم يشأ أن يحرّك الرصيد. لا أدري لماذا؟ -وهذه فرصة- ثم تركنا، في الحال، مبنى المصرف خشية إرباكات أخرى. وولجنا مطعماً فاخراً في الجهة المقابلة. حقيقةً. شعرت بلذة الأكل، ونكهته الشهية. هذا مطعم من الدرجة الممتازة وله نجوم. شاورني أن أجلس على طاولة منفردة. و(أعملها) في العمر مرة واحدة.‏

قلت: لايوجد شيء في جيوب بذلة راتب بك.‏

واكتفينا، بعدئذٍ، بأن طعمنا بالأنف، لا بالمعدة، روائح المشاوي. والشاورما، والفراريج، و.. ثم خرجنا والنادل يقول: تفضل راتب بك.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244