طيوف - وهيب سراي الدين

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

تشكيل

(أربع قصص قصيرة قصيرة)‏

أولاً: الأم‏

هبّت نسمة صَبا، عندما استضحى النهار. فتمايلت خمائل السفح، وتهامست، مع الأفواه اللدنة، التي كانت تداعبها برقّةٍ وعذوبة.‏

ظبية وخشوفها الأربعة، استطابت الإقامة، في هذا السفح: مرعى، عين ماء. ظلال، هواء... خيرات الله...‏

ثم هبّت، بالمقابل، عواءات أخرى!‏

رفعت الظبية وصغارها الرؤوس، عن العشب النديّ. وانصبّت العيون العشر، دفعةً واحدة، نحو الشمال. آه...! أقبلت ترزم. يا للهول إنها هي. ذئبة تحوّم حول طريدة.‏

فاضطرب السفح، بأرجائه كلها. وأخذت الأظلاف تنغرز، في سندسه، مشدودَ العراقيب: هيّا، يا أولادي، جاءتكم الذئبة.‏

الذئاب أعداء الظباء، مذ خلقها الله. ومنحت أنياباً ضاربة. وأضراساً طاحنة، تفري، بها، العظم قبل اللحم.‏

وعطف السفح أكثر، بانحناءاتِ تضاريسية. علّه يخفي ظباءه المذعورة. ولكن الخشف الرضيع. الذي رأى السفح، قبل سويعات، لم يستطعِ اللحاق بأمه وإخوته. الركض ميزة الظباء! أنت سريع كظبي، ما شاء الله!‏

أقبلت الذئبة تُرغي وتزبد. وقد هيّجها الجوع. جراؤها دون طعام، في مغارتها. وحملقت عيناها المحمرّتان، في الخشف الطفل، الذي مازال يضلع في مكانه، وقد أُغلقت عليه الجهات. لم يبصر أي أثر، لأمه وإخوته. هذا حادث يصادفه أول مرة، وللوهلة البكر، في حياته، التي بدأها ببضع ساعات!‏

الذئبة تهرول نحوه بهُدوء. ثم تواقفه. وتتأمله: أين ستغرز أنيابها؟ وهل يكفي وجبة لأولادها، ولها؟‏

أحسّ الخشفُ بلمسة مشعّرة.‏

الشعر بطبيعته ناعم الملمس. جُذِبَ الخشف إليه. تذكّره جيّداً؛ قبل قليل كان يحضنُه. وأخذ يتحسّس الغرو الناعم، في جسم الذئبة المقعية أمامه.‏

- هل هذه أمه؟‏

إنه لم ينظر إلى وجه أمه، التي أسقطته، من بطنها، قبل ساعات. بل أُسعف، غريزةً، إلى ضرعها المغمور، بالشعر الرخف، وجرع منه الحليب، كان لحظتئذٍ، جَدَّ جائعٍ.‏

الذئبة الرابضة، تنظر إلى الأمام، منشغلةً، بالظباء البعيدة الهاربة. عيناها المشقوقتان، في وجهها المخروطي، يتطاير منهما شرر الخسارة والغضب. الخشف -الطفل- الأسير. لم يبالِ بها. إنما انجرف بالشعر الحريري، ذي التيلة الطويلة، في جسمها. ولا يدري كيف دسّ رأسه الصغير، تحتّ بطنها. وبفمه الدقيق. التقط حبّة الثدي.‏

كان هذا الثدي، كالثدي الذي التقطه سابقاً.‏

الثداء واحدة في العالم!‏

وحدة الثداء لا تتجزّأ,‏

لذاه درّ الثدي في فم الخشف. وأصبح ضرعاً ممتلئاً.‏

يا للجود! يا للكرم!‏

الحليب طفح. الحليب شخب....‏

واسترضى جسم الذئبة، بعد أن خدر، بسيلان الحليب الفائض. ودون علم منها، أحنت رأسها المثلّث العظيم. وفغرت شدق فمها الهائل. وأخرجت قطعة طويلة، من اللحم الأحمر المبلّل، باللعاب. وطفقت تلحس، الخشف كجروٍ لها!‏

ثانياً: حكاية وردة‏

عندما ارتوى التراب، بالسائل القاني قال: "هذا لوني". بل استدرك: "لا، بل هذا طيني".‏

ثم ترنّح الجسم النازف. وخَرَّ عليه جثة هامدة. واندغم في ذراته، وحين نبتت وردة الشقائق، على الضريح. أجابت الريحَ والعصافير والشمس، والفراشات، عن لونها الأحمر: "إنه من دمه".‏

***‏

(شهاب غزالة): وافق على كلام وردة الشقائق هذه. وأكد "الحكاية"، في لونها، التي تناقلتها الشفاه، ثم صادقت عليها (الكيمياء). ومهرتها بطغرى خاتمها.‏

قال (شهاب غزالة)، نفسه، للناس المحتشدين حوله. لتطهير السفح، من دوس الأحذية الغريبة:‏

-"استوقفكم، يا قوم، ساعة من الزمن، فقط، لا أكثر. أريد أن أزرع نفسي. ثم أعود إليكم...".‏

***‏

وفيما بعد، تحدّث الناس، في قرية (ملح)، بغبطة، وحبور عن المرأة، التي انتبر بطنها، بطفلها (نعمان).‏

كما تحدّثوا، باللهجة ذاتها، عن أصل وردة الشقائق وسمّوها "وردة شقائق النعمان".‏

ثالثاً: الاحتجاج‏

عندما استيقظ، من تحت الصخرة الكبيرة، في لحف السفح. وجد الصبح مفعماً بالنسيم والشمس والندى...‏

خرج، من قوقعته، ومد جسمه الطري اللزج. ونصب شاربيه الطويلين أمامه. وصمّم على مغادرة المكان.‏

أخذ يزحف فوق العشب البليل، بحيوية ونشاط، بعد ليل كسول. أمضاه، في وكره العاتم. كانت وريقات الأعشاب القصيرة المتوّجة بحبيبات الطلّ، تحفّ به وتتمايل حوله لتفقأ له بلوراتها اللؤلؤية، كما يحدث، عادة، في مناسبات الاحتفاء المهمة. طبعاً، على شكل مصغر.‏

هو، من جهته، كان يصدمها، خلال مسيره، بدرعه الصلب. حركة جسمه هذه. كانت شبه انسيابية. ينفّذها بتناوب إيقاعي منتظم. كأنه يقوم بعملية استعراض بهلوانية، في مشهد عام. يثبت مؤخرته على الأرض، ويقذف بمقدمته إلى الأمام. وهكذا دواليك...‏

وكم ازدهى، متباهياً بنفسه، في أثناء "بخترته" الرائعة هذه! هنا ملك السفح. هنا أمير العشب. هنا حامل الدرع.‏

ثم توقف عن سحب جسمه الرخو، الليان، إذ عقف شاربيه إلى الأعلى، ثم إلى الخلف. وتحسّس بهما قوقعته الحصينة. من يحمل فوق ظهره قلعته، التي تحميه، أينما حلّ. وأينما رحل، غيرى؟؟ نفخ، وتابع "مشيته" الشمّاء. وعيون الأعشاب الخضراء تحدق به، من كل جانب، كعيون الضفادع.‏

أما تويجات الأزهار المطرزّة، بأجمل الألوان. فكانت لا تبخل عليه. فتغمره بشتى الطيوب والأعباق.‏

إذن، فلتطب له الحركة، وليسرع إلى أكمته الجميلة. هناك، عن ذروتها الصغيرة. سيرى الدنيا. ويشاهد الكون. ويعانق الشعاع و.. انداح يدّب بجسمه مدّاً وجزراً. وهو يمور توهّجاً وحرارة. وشارباه يتمايلان فوق رأسه. يتلّمس بهما أنامل السفح الناعمة. ويسترشد بهما، أيضاً، طريقه، "كرادار" عسكري.‏

كان، حقيقةً، في الغابة من الحبور. كأنه لم يشاهد، في حياته، صباحاً مثل هذا الصباح الربيّعي. كما أنه لم يدر، في باله، خلال موكبه الاحتفالي هذا. أن يحسب أي حساب، لمخلوقٍ غيره. في هذا السفح البديع. ولِمَ لا؟ وحصنه معه. و(راداره) يحرسه. غير أنه لم تمضِ بضع ثوانٍ، إلا وينذره هذا الأخير: أن قف. وخذ حذرك.‏

وبالفعل. توقف الحلزون. ولشدّ ما اعتكر مزاجه. شاهد، بثقبي عينيه الدقيقتين، قدمين. تنتصب عليهما قامة طويلة مؤلفة، من جذع، ورأس ذي قبعة، ويدين تحملان بندقية.‏

- من يكون هذا المخلوق العجيب، الذي يعترض طريقي؟؟‏

تساءل الحلزون، في نفسه، محتجّاً. ولم يسعه، إلا أن عاد، ولفّ جسمه، في داخل قوقعته. وترك على فوّهتها بصقة كبيرة.‏

رابعاً: التحدي‏

كانت شجرة فينانة وارفة الظلال. مزهوّة بخضرتها. أوراقها الملساء تتلامع، تحت صفحة الشمس. وتشكّل خيمة كبيرة عالية من اللآلئ!‏

المكان امتلأ بالعبق والأريج. الأغصان المثقلة تدلّت نحو الأرض. كأنها تنحني شكراً لها؛ على عطائها. وما زوّدتها به، من نسغ وعناصر نماء.‏

ولا تدري، كيف خالط، فجأة، ظلّه الواسع أفياءها الفيحاء. وفاحت رائحته النكراء. فاعتكر مزاج شجرة الإجاص هذه. التي تحدّت جفاف الطبيعة، في برّيتها القاسية. من أين أتتها هذه التلّة اللحمية المتنقّلة، وأفسدت عليها خلوتها البهيّة؟‏

دار الفيل بكتلته العظيمة، حول شجرة الإجاص. وهو يشهر، عليها، من فكّه الأسفل، نابين بارزين يلمعان أبيضين، كسيفين قديمين، بل رفع فوق رأسه خرطومه الطويل. وصار يلوّح به على قبّتها العسجدية. حتى أصبح مثل أفعوان، يلتقط عصفوراً، في الفضاء..‏

حتماً، يقوم هذا الفيل الضخم، بعملية تخمين.‏

- هل تكفي هذه الشجرة الوحيدة وجبة له؟‏

ذعرت شجرة الإجاص. واهتزت، بكل أغصانها. يا للمصيبة!‏

أدركت الخطر، الذي يحدق بها.‏

ظل الفيل يدوس الأرض، بأخفافه العريضة، وهو يدور حول الشجرة. كأنه لم ينته، بعد، من عمليته الحسابية. ثم عاد وفرح. كالذي يفعل عندما يعثر، فجأة، على ضالته المنشودة:‏

- هذه الشجرة العنيدة، تكفي كرشي... الآن.‏

وفي الحال. أخذت الأماليد، والأوراق، تضطرب، وهي تحزم. وتلفّ بذلك الخرطوم الآفة. ثم تحشى، به،في فوّهة مغفورة، تحت الرأس.تدعى فماً، حيث تهرس فيها. وتسحق بأضراس طاحنة.‏

ولكن، على الرغم من كل ذلك، لم تستسلم شجرة الإجاص. إذ ظلت تهتزّ، وتقاوم فناءها "الفيلي" هذا.‏

ولكن، حين وجدت أخيراً أن ليس من الأمر بدّ: أخذت تضغط نفسها. وتجمع أجزاءها، إلى أن تحوّلت إلى كتلة صغيرة مكثفة جداً جداً، بحجم قبضة اليد. وأرادت أن تتحدّى الفيل الغاشم بها. غير أن هذا الآكل العاتي. هرس حبة الكمثرى، بين شدقي فمه الهائل. وراح يلوك ويتلذّذ بطعم عصيرها الشهدي.‏

وعلى الرغم، من كل هذا، لم ترضخ الشجرة. بقيت مصرّة على ألاّ تخسر كيانها، فوق سطح هذه الأرض. فانقلبت، بل تكثّفت أكثر، من حبة كمثرى، إلى بذرة صغيرة، صغيرة. بحجم حبّة القمح. وهكذا تمكنت من أن تنفذ، من بين مسننات أضراس الفيل. وتسقط إلى جوف بطنه الواسع. هناك، طبعاً خضعت لعمليات صعبة التعقيد، في أثناء استراحة الفيل، وهو يستردّ أنفاسه اللاهثة، عقب عملية هرش شاقّة.‏

كان، هو، ينظر إلى بقايا العيدان، في الجذع المحطّم. وكانت البذرة الصلبة، تغوص، من جهتها، في سراديب مظلمة مملوءة بمواد عفنة. وتتلقى شتّى أنواع المفرزات والعصارات. ومع هذا ظلت صامدة. لم تنفلق أو تلين. ثم اجتازت هذا البحر اللزج، من الأخلاط والملاط. إلى دهاليز طويلة، طويلة. من الأنابيب المحلزنة. كما خضعت، أيضاً، لفعل حركات هذا الحبل المديد، من الأمعاء المتعرّجة. وكذلك بقيت متماسكة. ومحافظة، على وجودها، في مسارها المظلم. وأخيراً، أطلقها الفيل إلى الخارج. بعد جهد جهيد، من الآلام، والمغص الحادّ، فالتقطتها الأرض. بعد انفلاتها واحتضنتها، في ثنايا ترابها الخصب الحنون.‏

وبعد عدة شهور. ولدت هذه الحبة برعماً. شَقَّ ذرات التراب بورقته الرخيصة الطرية. وصار، فيما بعد، شجرة ثانية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244