طيوف - وهيب سراي الدين

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

سيرة حب

العالم كرة مطلقة بيضاء، يلفّها غمام رمادي، ينداح كالغبش، وتنساب عليها رؤية لزجة، كالهلام.‏

ويسحق جفونه، في الإغماض. ليغور في أعماق عينيه. لشدّ ما آلمته وحدته، في هذا الفراغ الواسع! كأنه استوحش فيه، أو خاف. يريد عالماً مسكوناً، متحركاً، لا عالماً ساكناً مقفراً...‏

وبعد طول انتظار. بل، بعد طول إغماض، جاد عليه، عالمه الخالي هذا، ولمح نقطة صغيرة، على حافة اللانهاية. أخذت، عن بعد، تنمو وتتجسّم، لتصبح بحجم رأس الدبوس. إنها تقترب منه. وها هي ذي مازالت، معلقةً، بين سماوات عينيه المغلقتين، تشبّث بها، بكل ما لديه، من الحواس والإحساس. إنها هي، هي نفسها، قفي. لا تهربي. رأيتك في صورتك المرسومة أمامي.‏

حنّت عليه النقطة. وصارت تكبر وتكبر، داخل عينيه، حتى سدّت عالمه الفضائي بالكامل. بل أشرقت عليه صورة بديعة جميلة؛ بل كياناً مشخّصاً عذباً. لم يخطئه يقينه. إنها هي... وليورق الهذيان. ولتزهر الأساطير!‏

ثم يجفل الجسم المسّجى، على السرير، وتنشقّ في الوجه المصفرّ العينان الغائرتان. ويمور البؤبؤان الصافيان، تحت الجفون، علهّما يمسكان بالرؤية الحالمة، وإلى الأبد. ولكن هيهات! إذ اخترقت الأذنين المتصلّبتين، على جانبي الرأس الموسّد بالمخادّ، ضجة عظيمة: نشيج... نحيب... شتى تشكيلات البكاء والعويل تندغم، في مشهد فجائعي مريع!‏

الخيبة،‏

لم تظهر على شاشتي العينين تلك الصورة البهية. أين اختفت، في هذا السواد المطبق؟ وكيف؟ لا يدري.‏

غير أن الشفتين اليابستين ارتعشتا قليلاً: "يا .. هيـ.. فا.. ء".‏

وعلى الرغم، من كل ذلك، ظلت نجمة ابتهالاته هذه، لا تجيب، بل تتالت دفعة ثانية، وثالثة، من ضجة جديدة، فانطلقت أبواب الوجه الشَّمعي. وغامت العينان، في سباتهما الأول. لتعودا إلى مدَّخرات عالمهما الداخلي النقي. بدلاً من صراخ العالم الخارجي. الذي يجب أن يصفع على ذاكرته الكئيبة.‏

***‏

كان اثنان، من بني آدم وحواء يتقابلان كل يوم. ويتعانقان حتى يشفّا، ويتحولا إلى كيان واحد خالص، من الوجد، والروح، والعذوبة! صبيّة تمحو العالم ببسمة.‏

وشاب مفتول العضلات يدفق حيوية.‏

ويحلو الهمس -على السرير- في عالم الجمجمة المسحور. داخل الرأس الصامت. ويعبق بشذا الأنفاس والهمهمات، التي تصدح فيه، كطيور الأصباح، حين تخضل ريشها قطرات الندى:‏

- "آه...!، يا هيفاء، الحب فيض كالبحر، لا ينضب".‏

- "بل الحب، يا أكرم، فضاء شاسع لا حدود له".‏

-....‏

-....‏

يتناغم الحبيبان في أبدية اللقيا. ويظلّ الحب ينبع، ويفيض في محرابه. ليزخّ بوابل نيرانه ذينك العابدين المتيمين.‏

ويندلع نفس لاهب بفرح بدائي: "أكرم، متى نتزوّ.."؟‏

- "ولكن، هذه الدورة التدريبية، في كليّتي العسكرية. لا أستطيع تأجيلها، على كل. لابدّ من أن تنتهي ونتزوّج يا هيفاء".‏

ثم ينغمسان في شعور ماتع بهيج. يطفوان فوق زوارق المخايل والأحلام.‏

***‏

يلفّ الزمن بكرة أخرى من شريطه الأملس، على بكرته.‏

وها هما ذان -مروان وهيفاء- يندمجان أو يلتحمان بعرس زواجهما. وتضجّ في الرأس المسحور أصوات المزاهر والدفوف. وتتعالى أصوات الشبّان والشابات، بالزغاريد والأهازيج المضمّخة بعذرية الريف. وإيقاع دبكات القرية، المعبرة عن عفوية أهلها، وحيويتهم.‏

هيفاء ملاّك نازل من ذلك الفضاء، تحيط بها هالات من نور! وأكرم، بجانبها، يشعّ بهاءً وسعادةً...‏

لقد انتهت الدورة التدريبية، في الكلية العسكرية، وتخرّج ضابطاً برتبة ملازم. وبيده تسلّم قرار السماح له بالزواج...‏

... وتتقلقل الجثة في سريرها، من جديد، وتثور ضوضاء حولها. غير أنها لا تخترق هذه المرة الأذنين، في ذلك الرأس. ليبقى، هو، مشحوناً بعالمه الخاص. ولتظلّ العينان، فيه مغمضتين. كأنهما تطبقان، بكلاّبات على موجوداتهما، حتى لا تهرب، من بين الرموش والأهداب.‏

وكانت حياة زوجية هانئة. يلفّهما كيان روحي واحد. وبيت واحد، في بلدة جولانية صغيرة، على الجبهة الجنوبية. البيت عشّ لعصفورين كبيرين يزقّان فيه القبل. ويرشفان رضاب الشفاه شهداً ورحيقاً. ويتملّى أكرم رقائق الوجه الذائب، بين جمر يديه، كالجبن. في كل صباح:‏

"أنا عائد إليك مع المبيت المسائي، هيفاء".‏

وتنظر هيفاء، في العينين السماويتين، وأطفال الفرح تزغلل على ثغرها: "عد بالسلامة، لي، أكرم".‏

ويوغل الرأس الصامت، في التحديق: "هيفاء".‏

ويتلألأ كوكب، وينفرج برعم أقحوان، عن رفيف موجات، أثيرية:‏

- "نعم، يا أكرم، يا عيني هيفاء...".‏

وتلمع هيفاء، في ذلك الرأس، ببهرتها، كقالب سكب فضة، ثم تغيم فيه غنجاً ودلالاً. جميل جداً أن تغنج المرأة وتدلل، أمام زوجها... ويذوب أكرم، على ناره المحرقة!!‏

وفي أعلى درجات الحرارة، في الطبيعة، يتمّ اتحاد العناصر، والتحام الذرات.‏

***‏

ها هي ذي هيفاء تطوّق عنق أكرم، بيديها الساطعتين. ترمش له. وتبتسم. ثم تنغم في أذنيه لحناً عذباً: "فراغات أحشائي امتلأت، أكرم".‏

وأكرم يكاد يطير، من الابتهاج. في بطن زوجته جنين معجون من طين جسديهما، يا للحب! يا للحياة! حقاً السعادة، في الامتداد. أكرم هيفاء، سيمتدان.‏

وتهمز الشفتان في الوجه الجامد. تريدان أن ترفعا صوتهما، بالكلام. لعلّ هذا العالم الخارجي يسمع الحديث القدسي لمناجاة داخل الجفون. غير أن تقطيبة أطبقت، فجأة، بقبضات فولاذية، بين العينين المغمضتين، وارتسمت كعقدة صعبة الحلّ: "هيفاء. تبلغت مهمتي العسكرية، القتالية سميها ماشئتِ. وسأنقذها في موقع، على الجبهة، حافظي على وديعتي في بطنك...".‏

ويهبط على الأرض الشبح المضيء، الذي زاره، كنجم قادم، من أعالي السماء. وتهدر على سفوح (تل العزيزيات) قرب بحيرة الحولة، دبابة، وينفجر من حجرتها العليا زغرودة ريفية عتيدة:‏

- "يا أم الوحيد وأبكي عليه...‏

الموت لا يرحم حدا...".‏

"لابدّ ما تنعي عليه...‏

إن كان اليوم. أو غداً...".‏

كما تنفجر من فم المدفع الأمامي القذائف والأهوال.‏

الأغنية ترعد.‏

والقذائف تحصد.‏

ولكن رصاصة خبيثة سامّة، من الجهة المضادة. تخترق ذلك الصدر المطهم بأشعّة النصر والحماسة. وتثقب فيه الرئة اليسرى. فيتهاوى الجسد المارج، كجسر ينهار على قواعده.‏

***‏

لم يعِ أكرم صليل المقصّات والمواسي، في غرفة العمليات الجراحية، في مشفى (المزة) العسكري. بل ظلّ، في غيبوبة، لعدة أيام.‏

وهيفاء في عشها الجولاني الحميم، تحلم، تمور في داخلها صورة طفل مشرق. يحبو على الأرض قربها. وينغم لها بصوت عذب رخيم أولى كلمات أبجدية العالم: "ما.. ما.. با.. با". وتمدّ يديها له، كأرجوحتين، من عاج. ثم يضجّ الصدر، بكأسين مترعين بالحليب. والحضن الدافئ يغمر كومة صغيرة من جسد البشرية، ثمينة، ثمينة. لا تعادلها الدنيا بأسرها. انتزعتها من جوفها، لتمنحها حنان الأمومة، بأقصى ما تملكه من طاقة وقدسية.‏

إنه مروان!‏

بلى، أكرم -والده- كان يكنى بأبي مروان قبل الزواج. وها هوذا أكرم مصغر بين يديها. العينان، الشعر. الرأس. لون البشرة الحنطية، كل شيء، في مروان هو أكرم. وتحسّ بارتكاض سريع مفاجئ في تجاويف بطنها، وتستفيق، من خدر بهيج، وتبدأ روحها بالخفقان، في عالم يقظتها هذا، عالم الوحدة. والفرقة، والحسرات، والبعيد والآهات....‏

الحقّ على جنينها. لماذا أفقدها هذه اللحظات السحرية الماتعة؟ ثم جلست في سريرها. وراحت تماشي أكرم "هناك"، وهو يصول ويجول بدبابته. حيث خطوط النار الأولى. ولكن بعد قليل. أخذت أذناها تسترقان صوت حركة، في الخارج، ثم سمعتا هدير محرّك سيارة، بلى هذا الباب يقرع و "من الطارق"؟‏

يرد عليها صوت غبي: "أنا أم أكرم، حماتك، يا هيفاء. افتحي، لي...".‏

وتقاطعها هيفاء صارخة: "لا، لا . أبداً أكرم في خطر.. أكرم ما...".‏

- "يابنيتي. أبو مروان، في البيت، ينتظرك، يا أم مروان. جرحه بسيط وسيمضي إجازة نقاهة صحية، لمدة شهرين. لا تخافي. وقد طلبك.. هلمي معي".‏

ويتبخّر، في الحال، كالسراب، ذلك الفرح السامي، من هول الصدمة!‏

***‏

يغضب مروان لأبيه. ويريد أن ينتقم من عدوه. ولو خرج مبكّراً، في غير أوان خروجه. فيزداد به مخاض الرحم. ويسقط، في الأخير، جثّة صغيرة جداً، هذه المرة عكس ما رأته أمه، في داخل نفسها. طبعاً، تتضاعف مصيبة هيفاء فلشدّ ما عزّ عليها أن تسقط من امتلأت به تلك الأماكن الخاوية، من بطنها طرحاً ميتاً. كانت تتمسك به أربطتها الوعائية. كأنه جنين كل هذا الكون!‏

ولشدّما فجعت بالنبأ الشؤم. حتماً، أكرم ميت. أو بحكم الميت. طيّب لماذا أسرعت، يا مروان، وقفزت هذه القفزة، من قفص حياتك، فخسرتها؟ والدك أكرم أحب حياته، فحرص على إنجابك، ليحيا بك...‏

إيْيْيْه.. ..! أيتها الحياة، لكم أنتِ قاسية، وعنيدة! لماذا لا تحبّين الاكتمالُ؟ يعني كأنك، لا تستمرين إلا في النقصان. كيف سأتحمّل نقصانك الأهوج هذا؟ أكرم ذاتي الثانية. فلقة حبّتي. ومروان حشاشة روحي. فلذة كبدي. صدري مازال يندفع له بكأسيه الممتلئين. ودمي يغلي له بالحليب الحار. كان ضيفاً رفيقاً لطيفاً قادماً، من قلب هذا الوجود. من أعماق كياني، ولكن راح يضرب في أحشائي كمطرقة. ليخرج. ويرمي فتاتاً. وأحرم بالتالي منه، ومن رهيف أنفاسه. ومن موسيقى بكائه وصراخه. ومنن رائحة قماطه: وحتّى من رائحة بوله. ماذا سأفعل بترنيماتي التي صغتها من نبض قلبي، لأهدهده بها؟ وتهطل لآلئ لا تحصى، من محارتي العينين الذابلتين.‏

***‏

تتحرّك الجثة على السرير، فيزداد، معها، العويل من الأفواه الجافّة: "عادت الروح إلى أكرم. دبّت الحياة في جسمه المسبل...".‏

يقولون في الريف: ثمة تفتيحة ما، قبل الموت".‏

ويقول علماء التشريح: ثمة دماغ صغير، في رأس الإنسان. يدعى بالدماغ الصنوبري، يقع تحت دماغ الجمجمة الكبير، وظيفته استلام قيادة الإنسان، لبضع ساعات، قبل الموت. بعد أن تحلّ عطالة الفناء، في دماغ الجمجمة.‏

وهكذا، دفق لون وردي، في الوجه الجيليني الأصفر. والعينان فيه انفتحتا على وسعهما. وراحتا تجولان، في الوجوه المتحلّقة حول السرير، والتي بدت تشرق بلون الأمل، من جديد، بعودة الحياة هذه. واضطربت الشفتان اليابستان بصعوبة في فم هيفاء: سلامتك أكرم. بطني عاد فارغاً. سقط منه مروان.‏

أكرم في كامل وعيه يجيب زوجته: "الله على المسبّب اللئيم، يا هيفاء. وجنينك مروان بمرتبة الشهيد".‏

وابتسم لها.‏

يا للعجب! الذي مات، عاد يبتسم ويتكلم: "هيفاء، انتبهي جيداً لما سأوصيك به. اعلمي أن الرصاصة، التي اخترمت رئتي، من جنود العدو. هي رصاصة سامة، من النوع المحرّم، في الحروب. لذا لا يمكن أن أعيش أطول من المدة التي حددّها الطبيب. وأنت، يا هيفاء، مازلتِ فتاةً، في ريعان شبابك، فأنصحك أن تكوني وفية لحبي لك. حبي هذا الذي لا يسعه كون. ولكن أراه يصرخ في أعماقي. اسمعي ما يقول لي: هيفاء في ميعة صباها لا يجوز أن تحرم منه. ولتتعامل، بإذن طرشاء مع كل ما سيقال لها: زوجة ضابط. أرملة شهيد، بطل معركة تل العزيزيات. كيف تنساه وتتزوّج؟ لا، يا هيفاء لا تسمعي كل هذه الأقوال. وتخلّي عن ذاك الصيت. وتزوجي. حبي الصادق لك. يدفعني. ويلحّ عليّ بهذه الوصية. إياك هيفاء، احرصي على تنفيذها...".‏

واندغمت بقية الكلمات، في صرخة بكماء: "يا أكر...".‏

ولكن أكرم الذي لم يكتمل اسمه في فم هيفاء. .؟.؟. غرّب عينيه. وأطبق شفتيه على: "وداعاً، هيفاء. تزوّجي، وأنجبي مروان آخر...".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244