طيوف - وهيب سراي الدين

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الحارس

كان من عادته، أن يبقى ساهراً ليله، في الكوخ المخصّص له. المهم أن تظلّ عيناه، في وجهه، مفتوحتين. لا تعرفان الإغماض، وليؤكّد سهره هذا، كان يدور، بين الفينة والفينة، حول سور القصر، ثم يؤوب إلى كوخه، مطمئناً راضياً.‏

كان صاحب القصر يوصيه، أحياناً: "إياك، أبا محمود.. كنْ يقظاً طوال ليلك، القصر بحراسة..".‏

فيقاطعه أبو محمود، قبل أن يكمل: "قصرك، بكل ما يحتويه، أمانة، في عنقي، برهان بك".‏

ولكن برهان بك، يعود يذكّره، ويشدّد عليه: "تعلم كثيراً عن حوادث السطو والسرقة، في هذه الأيام، أبا محمود. فليكن ليلك نهاراً. ونهارك ليلاً".‏

***‏

ودرج أبو محمود، الحارس، على هذا المنوال، الذي رسمه له "معلمه" خلافاً لما تعارف عليه الناس في حيواتهم المعتادة: الليل للراحة والنوم. والنهار للشغل والتعب. فالعالم عنده "مقلوب". ولكنه كان يقنع نفسه: "هذه هي طبيعة عملي، كحارس ليلي".‏

***‏

في هذه الليلة، بالذات، خالف طبيعة عمله، وضغط عليه جسمه لينام، ولتكن له ليلة واحدة، مثل ليالي الناس، أخذ النعاس يراود عينيه بقوّة، قاومه، بيد أن عينيه عادتا ترنّقان، وهو قابع في كوخه، قرب بوابة القصر، وانعقدت رموشهما، وأطبقت جفونهما عدة مرات. وكان عندما يصطدم رأسه، بجدار الكوخ يفطن بمهمته، فينهض مذعوراً، يفجر عينيه، ويحملق بهما، في الظلام وفي مصابيح القصر. ثم يدور حول السور.‏

-"أنا في هذه الليلة، غير أنا"! قال في نفسه‏

***‏

حقيقة، في الليالي التي أمضاها سابقاً- وهي لا تعدّ- كان يتسلّى بالنجوم المتلألئة فوق رأسه. يحاول، وهو سهران، أن يبحث عن نجمته، بينها، ونجمة زوجته، ونجوم بناته الثلاث، أليس لكل نفس بشرية، تعيش على سطح هذه الأرض نجمة في السماء؟ هكذا قالت له جدته، مذ كان طفلاً، في السادسة من عمره، جدته "صالحة" لا تكذب، وأوصته ألاّ يشير إليها بأصابعه.‏

ولكن أنّى له أن يتعرف إلى هذه النجوم الخمس، من نجوم هذا البيدر العالي، الذي لا يحصى. إذن لتظل تساليه، بها، في سهره المتواصل، وليدقق نظره، في عناقيدها. وكيف تكون أشكالها، ومتى يظهر بعضها؟ ومتى يغيب؟ كأن قُدّ من شخصه عالم فلكي يعتصم في مرصده:‏

-هذه نجمة "الصبح" وتلك نجمة "الزهرة" . وذاك " الميزان" ... وأولئك " بنات تعش" من نجوم الدب الأكبر... أ.. ؟ ما زلن يحملن نعش أبيهن، ليثأرن له، من قاتله النجم "سهيل"..‏

وكان يقطع بهجته، ببهاء عالم الليل الرائع هذا، وبحكايات نجومه العذبة. دخول سيارة من بوابة القصر، أو خروج سيارة أخرى. فيجفل، على حين غرة، كمن يعود من رحلة ماتعة.‏

يتقدّم نحو البوّابة.‏

سيارات فارهة عديدة، التي كانت تدخل القصر وتخرج منه كل ليلة، وفيها كثير من ذوي "الذوات"، من كلا الجنسين، برهان بك شخصية مرموقة. وتزوره شخصيات مهمة.‏

***‏

عجيب! لِمَ هذه الليلة مع أبي محمود ليلة شاذّة؟ مزاجه فيها جد معتكر ومضطرب. جسمه يطلب الراحة بإلحاح. عيناه تطبقان جفونهما بشدّة. عرف في قرارته السبب وعزاه "إليها".‏

فكّر في أن يدور دورةً كاملة حول السور، حتى لا تأخذه سنة النوم المتحكّمة.‏

بعد أن رجع. وقف في باب الكوخ. سمع خشخشة. فحلّت فيه اليقظة فجأة. واستنفرت أعصابه: "هذا لص، يريد أن يسطو على القصر. الحق مع برهان بك يجب أن أبقى يقظاً حذراً".‏

تحدّث مع ذاته. واتجه نحو الخشخشة. لم يتعرّف إلى مكانها. أطلق سهام نور مصباحه اليدوي، ليخدّد بها جسد الليل البهيم. حتماً، كل اللصوص ضد النور، مثل كل الضباع. فاللص سيهرب الآن.‏

ولكن الخشخشة عادت إلى أذنيه، بعد أن رجع: "يا للّص اللعين! هذه حركته. ما زال متلبّساً، هنا".‏

اعتباطه بالأمر، أغلق عليه تفكيره السليم، فراح يرسم داخل نسيج العتمة الكثيف صوراً عديدة، لهذا "الحرامي" الطامع بأموال سيده. أو بأثاث قصره، أو بإحدى سياراته الفخمة، وكيف سيلقي القبض عليه، ويقيّد يديه المجرمتين، بجنزير حديدي، كأنه "شرطي". وليهمّ يفتّش، وهو يُصيخ سمعه، ويشحذ عينيه المكدودتين. غير أن كل محاولاته باءت بالفشل، لم يجد أحداً. فجلس منهكاً محطماً، في باب الكوخ، كأنّه صخرة ملقاة في قاع وادٍ. لا محالة، لا فكاك له من ترك عالم اليقظة، والخضوع لسطان النوم، سلطان النوم أقوى سلطان، في العالم!.‏

***‏

وها هو ذا ينود برأسه. ولكن الخشخشة تعود إليه من جديد، فينقذ، هو، من جديد.‏

"أف! كم هذه الليلة سيئة معي"؟/ تساءل مع نفسه، وخطا نحو مصدر تلك الخشخشة. فكّر بروية، وهو يمشي: لو يوجد لص لما بقي في جهة معيّنة ثابتة. إذن، ثمة شخص آخر يلاعبه، في الظلام، من يكون هذا الشخص، من بين أصدقائه القلائل، يا ترى؟ أهذا وقت للممازحة أيها العابثون؟‏

وأخيراً تمكّن من أن يحدّد المكان، أو النقطة التي ينبعث منها الصوت. وبوساطة مصباحه اليدوي شاهد ذلك الضفدع الغارق، في حفرته، بين الحشائش، وأوراق الشجر المتساقطة. رفع قدمه ليدوسه، بل ليسحقه، ويشفي غليله، ولكن رحمة مفاجئة دبّت في قلبه، فعاد إلى طبعه، وعفى عنه: هذا مخلوق بريء، يسعى لينقذ نفسه، ثم قدّم لي خدمة جلّى، فلولاه لكنت، الآن، في عداد النائمين، أو قل في عداد الميتّين، لما أنا فيه من همود.‏

***‏

أجل، كان لذاك الضفدع فضل على أبي محمود، بعد أن رجع إلى كوخه، هجم عليه النوم، هذه المرة، بقوّة. طبعاً ليس الحكم كله لإرادة الوعي والعقل لدى أبي محمود. بل ثمة إرادة أخرى، معاكسة، وهي إرادة حازمة صارمة، إرادة العضلات والخلايا، فالجسم البشري، حين يصل الإجهاد به إلى درجة السقف، يعلن عصيانه وتمرّده، على صاحبه، وأين أنت، الآن، يا أبا محمود، من هذا الصراع العنيف، بين هاتين القوتين المتصادمتين، في كيانك؟‏

وانبرى لسانه، في لحظات وعيه القليلة، يقذف ثرثرة، بحقّ تلك "المخلوقة"، التي سبّبت له المتاعب، في ليلته هذه!‏

***‏

بلى، تحرّشت به أم محمود في النهار، وهو يغطّ بنومه العميق، عقب سهره طوال ليلة أمس، اندست بجانبه، في الفراش، وقالت له، وهي تهزّه، بكل قوّتها:‏

-"أبو محمود، لا يوجد، في البيت أحد، الأولاد في بيت جدهم.."‏

-"أبو محمود منذ كم شهر، لم.."‏

-"أبو محمود..".‏

بعد هذا الإلحاح استفاق أبو محمود. وأخزى، في نفسه، ألف شيطان. بل عاد، وفكّر بصفته رجلاً أو زوجاً، لهذه المرأة، أن لها عليه حقاً.‏

-"مسكينة! لقد مضى وقت طويل، لم يسنح لها مثل هذه الخلوة".‏

شدّ حيله، ساعتئذٍ، ولبى طلبها، ثم بقي يقظاً طوال نهاره. أبت أعصابه التي ابتهجت، لذاك الالتحام المخملي العذب، أن تنسى فرحها الجميل، وتخمد في نوم سمج ثقيل. وهكذا واصل يقظته، إلى أن حان موعد حراسته، ولكن، في الليل، دفع باهظاً ثمن فرحه ذاك.‏

***‏

إلى متى يستطيع أن يقاوم هذا الـ "أبو محمود" ضغط النوم عليه، في محرسه، بل إلى متى تستطيع طاقة الوعي لديه أن تصدّ أوامر الجسد المحتشد عليه، بكل خلاياه وأليافه؟ فإذا ما جدّ الجدّ، بينهما، فلكلّ منهما عالمه، ولكلّ منهما، وسائله الخاصة، لتأمين راحته وديمومته.‏

لا. لا. في النهاية، وفي الهزيع الأخير تحديداً. استسلم الوعي عند أبي محمود، وغاب، هو في غياهب سمادير، لاقرار لها. لم تعد السيارات التي تدخل، أو تخرج، من بوابة القصر، تُسْتَوْقَفُ. كما نجت "الفاتنات"، في داخلها، من لصلصة العيون. ونظراتها المريبة. ولتترك المفاتيح في أقفالها، بالبوابة. ولتترك، بالتالي، هذه الدنيا بأسرها..‏

***‏

لم توقظه زمامير السيّارات. ولا الأصوات المتعالية، من حوله. حتى صباح اليوم التالي. وحين سألته زوجته، لينام في النهار، كعادته، من أجل السهر في الليلة القادمة، صرخ بوجهها: لقد سُرّحتُ، من عملي، وكنت، أنتِ، السبب..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244