|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
دعوة لم يكد يصدّق نفسه، أنه هو نفسه، هو عينه! هو بمجموع قامته، ذات المئة والسبعين سانتيمتراً. والمؤلفة أجزاؤها، من جذع، ورأس، وأطراف علوية وسفلية. بل كرّر سؤاله، على ذاته: "هل أنا قاسم بوزنقة حقاً، أنا هو ذا العامل الفنّي، في مديرية الأرصاد الجوية"؟ أنا موظف عادي- يا ناس- مرتبتي التاسعة. أشتغل خلف الآلات، وأتلّقى رسائل التسجيلات، لأنقلها إلى مذيعي شاشة التلفاز، الذين يصيغون منها، هم بدورهم، نشرة جوّية، تبث بعد نشرة الأخبار، كلّ صباح وكلّ مساء. أجل، أنا هوذا الشخص البسيط، الذي لا تتعدّى معارفه الاجتماعية، أبعد من أقرباء الجد الثالث، أمّا الأصدقاء، فمن أين آتي بهم، وأنا أمضي معظم وقتي، خلف بكرات التسجيل، وآلات الاستقبال والإرسال؟؟ -"أحقاً، أنا قاسم بوزنقة بشحمه ولحمه. و..."؟ وكاد ينطق، وهو يعيد السؤال، عن نفسه. بل نطق هذه العبارة الأخيرة، أمام الرجل السامق، قبالته، ذي البذلة السابغة، طبعاً، بعد أن أبرز له هذا بطاقة شخصية، من نوع خاص. ومع كل هذا، لم يصدّق قاسم بوزنقة: "أنت، تدعوني خطأ، أيها الأخ"! جهَمَ وجه الرجل السامق، ونَبَر: "أنت مدعو.. أبلّغك هيّا". -"يا أخي.. أنا اسمي قاسم بوزنقة. وعملي، كفنّي، في مديرية الأرصاد الجوّية، فلا مقام لي، حيث تد...". أسكته: "أنا مكلّف بدعوتك وكفى" بيد أن قاسم بوزنقة، على الرغم من كل ذلك. ظلّ يفكّر، في جوهر هذه "الدعوة". وهو موقن كل اليقين أن اسمه وارد خطأ فيها، ولكن تساءل في ذاته: ما الأمر الذي حدث "هناك"، حتى سبّب، لي، هذه الدعوة المستعجلة؟ في طبيعة الحال، هو، كرجل محدود يعرف حدوده، لم يكن يأمل، في الحلم، أن يدعى، إلى ذاك المكان، بله الواقع! لذا بقي يؤكد، على نفسه، أن اسمه ليس من الأسماء البارزة في "البلد"، التي تدعى أصحابها، عادة لاستلام مهمات كبيرة، أو لتنخرط في عداد قائمة موظفين، من مستوى عال. هو موظف صغير، يعيش على البركة وإن كان ماهراً، في عمله الذي اختصّ به. -"لِمَ تفكّر، يا قاسم؟.. أسرع". نتره الرجل الذي ينتظره صوتاً قاسياً. -"نعم.. نعم" أجابه قاسم بوزنقة، وراح يكيل الشكر، في الوقت ذاته، لزوجته (هدوبة) التي ادخرت له بذلة مكويّة، في الخزانة، منذ أيام عيد الفطر السعيد. *** جلس وحده، على كرسي وثير، في بهو فسيح، أخذ ينظر في رسوم جدرانه العجيبة، ولم يفطن بنفسه، إلا حينما دخل عليه رجل، يرتدي، هذه المرة، زيّاً عسكرياً مزوّقاً كأنه من الحراس "الخاصّين". قدّم له كأس شراب فاخر، وجالسه على كرسي آخر. دون أن ينبس، معه، بكلمة. ما زال قاسم بوزنقة، يراوده الشك، في أنه استدعي خطأ، لاستلام منصب مهم. شرب الكأس باحتشام، ثم دخل عليه شخص آخر، بزي مدني حاسر الرأس. يجوز أنه يشغل -هنا- منصباً خطيراً. إذن، الآن، يقابل قاسم بوزنقة وزيراً، أو يقابل زميلاً له، في وضعه الجديد! انفرد به هذا الرجل المدني، بعد أن خرج الرجل العسكري، بالكاس الفارغة: -"أنت قاسم بوزنقة، الخبير، في دائرة الأرصاد الجوية"؟ أومأ قاسم بوزنقة له، باحترام ولباقة: أن نعم. أجل. اكتفى بهذا الجواب الإيمائي من رأسه كرجل سياسة. يتدرّب على الاقتصاد، في الكلام- السياسة ابنة حرام. تفرض طبيعتها -فوراً- على معتنقيها- "يا سيد قاسم/ قال الرجل المدني/ مطلوب منك تقديم تقرير مفصّل عن حالة الأنواء. وأحوال الظواهر المناخية، واتجاهات التيارات البحرية. وبخاصّة تيار (آزور) الذي يهبّ من المحيط الأطلسي نحو الشرق، في أوائل فصل الشتاء، لِمَ تأخّر هذا العام، عن موعده"؟ -(إذن، هذه هي "قصّة، الدعوة)- هَمَدَ قاسم بوزنقة، في مكانه، حين سمع كلام جليسه. ثم نطق بصعوبة: "متى سأقدّم هذا التقرير (سيدي)...؟ -"يوم غد" /أجابه (سيده) ثم أردف: "تأخر تيار (آزور) الأطلسي، سبّب انحباس المطر، وهذا الجفاف القاتل". بَشّ وجه قاسم بوزنقة قليلاً، وأراد أن يدخل الفرح في نفس جليسه المتشائم: "تقول رسائل الاستقبال، التي نتلقّاها، من الأقمار الصناعية، إن عودة هذا التيار، إلى اتجاهه الأصلي، أصبحت قريبة". هزّ جليسه رأسه: بل ابتسم: "إذن، مصادفة طيبّة اجتماعي بك، أيمكن تحديد وقت وصوله إلينا"؟ بلع قاسم بوزنقة ريقه، وقال: "لا أدري ما سجلته الآلات في غيابي، سأعلمك هاتفياً". بَرَم الرجل شفتيه، وعبس بوجهه، كأنه أصبح، فجأة، عنترة العبسي: "إياك أن تفشو بالمعلومات إلى أحد. إياك أن تنقل نبأ (التيار)، إلى مذيعي النشرة الجوية، حتى إشعار آخر، أحذّرك، تحت طائلة المسؤولية..". ثم قطع الجلسة: ".. انتظر هاتفك. السيارة جاهزة". وهكذا، عاد قاسم بوزنقة إلى دائرته، وهو يتلمّس أعضاء جسمه، فيما إذا كان قد ترك منها شيئاً، في مكانه! *** ظل قاسم بوزنقة يتحرق، لينزف بشارة سارة، إلى فلاحي بلاده الذين نشفت دماؤهم من أجل نقطة ماء تسقطها عليهم السماء يتحلّقون كل مساء، حول التلفاز. وقد سئموا أقوال المذيع المكرورة وحركات عصاه المارشالية، على الشاشة. دون فائدة. وتتعاظم رغبته، الآن في معرفة سرّ ذلك الحرص على الكتمان، من قبل جليس الأمس، ماذا يختبئ وراء الأكمة، يا ترى؟ آ.. آ..؟؟ فطن: "يجب أن أهتف.." -"هالو.." -"نعم". -" أنا قاسم بوز.." -"معروف" -سيدي ستصل خيرات تيار (آزور) يوم الجمعة القادم. -"شكراً يا قاسم بوزنقة. عليك بالكتمان، كما أوصيتك" أرخى قاسم بوزنقة سمّاعة الهاتف، وكاد ينفلق نصفين. *** في يوم الخميس، استمع قاسم بوزنقة، إلى دعوة عامة، في الإذاعة والتلفزيون معاً، تطلب من سائر فئات الشعب الانضمام في مسيرة "دعاء". ترجو الغيث من السماء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |