|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:58 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
هذيان في حضرة عنترة العبسي -"اغرب عن وجهي". صاح بي بصوت عالٍ سمعته بأم أذني. كاد يمزّقني. اقتربت منه. ابتعد عني. وكرّر بصوت أشدّ: "فعلتها يا منظوم"! ثم توارى. تقلقلت في مكاني. وحثثتُ دماغي .لاسترعي ما الخبر؟ أقبل ثانية، من مزقة تفتّقت، في أغوار دماغي نفسه: "أهكذا تفعل"؟ -"أف..! ما زال كالجمل الهائج"/ نبست شفتاي عبارة الاستغراب هذه، ولذت -كلّية- بالفرار، من هيبة حضرته! *** ثم وجدتني ثانيةً، أغوص، في غياهب سديم لزج رخو. عال! لأطفو، فوق هذا الهلام.. وسدّ الغبش كل أقطار الفضاء، من حولي، غير أنني لم أبالِ. فالخوف أوشك أن يسحقني. -"أسرع، يا منظوم"/ ناديت نفسي ورحت أحوّم، وأصعد تائهاً في الفضاء. وجدته أمامي، بهيئته المهيبة نفسها. وشدهتني منه صرخة حادّة، كالطعنة المسنّنة: "أين هربت، يا جبان"؟ ارتعدت مفاصلي. وهبطت فوراً، على سطح الأرض. رأيتني جثّة صغيرة بل جثّة متقزّمة، تقارب حجم طفل. لا بأس بالطفولة. بل أهلاً بها ومئة (مرحباً). وأخذت، في الحال، أدرج في معالم "عالمي" الجديد هذا -عالم طفولتي- ولكن بعد قليل وجدته قبالتي، وراح يرعبني أكثر. نطقتُ بعفويتي الطفلية: "صاحب صندوق الدنيا، كان يغريني، بصوته الأخاذ، يا سيدي: هيّا يا أولاد، شاهدوا أبا الفوارس عنترة العبسي، شاهدوه، على حصانه الأبجر.. شاهراً سيفه.. حاملاً رمحه. هلمّوا. هلمّوا، يا أولاد.."! وصرت أبكي.. *** بكاء! نعم، ولي عشرة قديمة مع البكاء. كنت أبكي حفنة من دموع، عند قدمي أمي، من أجل الحصول على بيضة واحدة، من بيضات دجاجتنا الصفراء، لأهرع، بعد ذلك إلى حيث الصوت يعزف ألحانه الساحرة: "هيّا، يا أولاد، شاهدوا أبا الفوارس عنترة..". كان يبهرني الوجه الأسود، داخل الصندوق، بل يخيفني بعبسته، وعينيه البيضاوين، اللتين يتطاير الشرر منهما، وشاربه الطويل الغليظ، مثل نصل سكين، وهو يجول ويصول، بحصانه، وقد تسربل بعدّة قتاله. ليذود عن عروسه (عبلة). وكنت أتساءل دوماً في نفسي، لماذا أنشدُّ إلى رهبة هذا الرجل الفارس؟ ما السبب في ذلك؟ ولِمَ كلّ هذا الخوف من الهيبة الرهيبة؟ هل للخوف متعة يا ترى؟ أو بالأصح هو متعة بحدّ ذاته. بلى. بلى. كان يغريني لأصبح من زئابن صندوق الدنيا الدائمين، وأتملّى من خلال صوره الرهيبة، رغبتي الجارفة في الخوف، أنا يا ناس صرت أحب أن أخاف، وأحب أن أخاف من صورة هذا الرجل بالذات، وأهيم في مشاهدة صورته المرعبة، في ذاك الصندوق. *** أ.. ها هو ذا نفسه يستوقفني مرة أخرى، على ظهر حصانه الأبجر. نهرني: "حماقتك، لا تغتفر، يا منظوم". تلجلجت شفتاي بخجل: "صاحب القصر، أبو شحّوذ، هو الذي دفعني، يا سيدي". هَمَزَ، وصوّب رصاصتين، من عينيه، ثم تركني وغامَ عالياً في الفضاء. انتبهت، بل فطنت، بأنني قلت: "صاحب القصر". لا "صاحب الصندوق". هذه المرة. ثم رأيتني، قد نبتت قدماي وبقل شعر وجهي. وانتصبتُ واقفاً قبالة صاحب القصر، أبي شحوّذ، نفسه. سَمِعَتْه أذناي، يساومني: "هذا قصر (بهرجة)، يا منظوم يؤمه الفضوليون، فيه تحف، وحيوانات نادرة الوجود، أقبل نصيحتي، وانضم إلى فريق عملي، مهمتك أن تركب حماراً مزركشاً. شكلك المسطّح مناسب جداً، لتكون "مهرجاً" على ظهره.. و.." *** وأقبل الناس المهووسون بحبّ (التفرّج) والتسكّع. وأطللتُ عليهم أتبختر على صهوة حماري (غبيران)، المطرّز بالأحزمة المخطّطة، تغرّد بروعته المشنشلة بالأجراس والخشاخش. وصرت أرقصه على إيقاع الطبلة، كأنني في مضمار، لأحد أهرامات مصر. فرحت بعملي هذا، واحتضنتْ جيوب سترتي المبرقشة النقود التي لم أكن أحلم بها، في يوم من الأيام، وأبو شحوذ من جانبه، كان يصرخ بأعلى صوته: "الذي يريد مشاهدة عنترة العبسي، فليدخل القصر من بابه الأول، الذي يريد..". ويتأجّج حب الفضول، في نفوس المحتشدين، حول الحمار المطهّم وفارسه الغضنفر، ويهرعون، ليدخلوا قصر أبي شحوذ، ولكن كانوا حين يخرجون، من الباب الثاني، يتساءلون في قرارة نفوسهم عن هذا الـ "عنترة" غير أنهم، على الرغم من كل ذلك، ظلّوا يرنون إلى حماري المطرّز، الذي زاد له، أبو شحّوذ العلف، حتى سمن كثيراً وأصبح كله نشاطاً وحركة. يطير من (وزيز) ذبابة، عند أذنيه وقل:ْ! من سيصمد ويثبت، فوق ظهره؟ عفواً، سيدي أُراني أسمع أبا شحوّذ بعينه، وهو يطلب مني المزيد، من الحركات البهلوانية: ".. هيّا، يا منظوم أرني مهارتك فوق صهوة حمارك..". عذراً، يا صاحبي، عنترة، أبو شحوّذ، هو الذي كان يطلب مني ذلك- أعتقد هكذا قلت-ُ يطلب مني أن أقلّدك، بحركاتك، على ظهر حصانك الأبجر، الذي ذاع صيتك بها، هذا الرجل، يا سيدي، اسمه أبو شحوذ، وهو اسم مشتقّ من (الشحاذة) لا يكتفي بالقليل، فعلمّني أن أقوم بتلك الحركات، وعلّمني، أيضاً أن أردّد نخوتك: "أنا عنترة العبسي، أنا أبو الفوارس..". -"أنا حبيب (عبلة) زينة صبايا العربان..". وأخذت أقلدّك، يا سيدي، بصوته، وحركاته المنقولة عنك. وتذكرتك، يا أبا الفوارس، في صندوق الدنيا، وازددتُ حماسة، ألعب بالرمح، والسيف والترس، كما كنت تفعل، أنت. ولكن حماري غبيران الملعون، جفل بي، اليوم، على حين غرّة، ورماني أرضاً، أووه ه..! فطنتُ أنا في يقظة، الآن، أم في..؟ أف! ما هذه العصابة الثخينة التي تلفّ رأسي؟؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |