|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:59 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
أذنان وقرنان قصة ساخرة: لم يدر، في بالِ (بردوع)، أن يفكّر، في حياته، التي عاشها، عند صاحبه (سرحان الساري)، أوفي هذا المصير الذي آل إليه، أو، حتى، في وضعه الاجتماعي ـ الحيواني ـ إذا جاز هذا التعبير ـ الذي يعامل به. لم يخطر في باله أن يفكر في كل هذه الأمور، لولا تلك "الغرزة"، في (رمانة) كتفه، واخترقت العظيم، عندما استلّ صاحبه، سرحان، مخرزه من بردعته. ـ "أف.....!"، /نفخ بردوع متأففاً. لشدّ ما تألّم! ماذا يريد منه سرحان الساري هذا؟.. أكثر من السير خلف رفيق عمله (قميران). وتتبّع خطواته، خطوة خطوة. وَهَمَّ بأن يستحثّ قوائمه الأربع، دفعة واحدة، طبعاً، على مضضٍ، ليسبق قميران نفسه، غير أن سرحان المعتلي صهوته، عاد وكبحه برسنه. لا يجوز للحمار أن يتقدّم على الثور. بل عليه أن يمشي وراء مؤخرته، ويستظلّ بفيئها. ـ "إذن، لِمَ تلك الغرزة اللعينة، التي غرزتها في رقبتي، يا سرحان......."؟/فكّر بردوع في نفسه، ثم تابع: ـ "هل هي للعبث واللهو؟ أم تزجية للوقت، في هذه الطريق الطويلة؟ ولكن أراك قد آلمتني هذه المرة. لقد وصلت نخستك إلى قنا عظمي... وِيْيْه......! ماهذا السائل الأحمر، الذي بدأ يتدفق، من رقبتي، وينساب إلى صدري، ومابين يدي! لقد بقرت جلدي، يا سرحان....". وكان بردوع قد حرّك أذنيه، ورقبته، وشاهد بأمّ عينيه المثبتّتين، على وجنتي رأسه الكبير، الدم وهو يسيل، ويتساقط قطرات متلاحقة.. حملق. هو، يملك عينين واسعتين، ولكنْ، هما عنده، واسعتان للحزن والهم، فليحملق بهما، ماشاء..... غير أن غرزة أخرى صكت في (رمانة) كتفه، لا تقلّ ألماً عن الطعنة الأولى، مع صرخة غاشمة: "حا....خائر......". ـ (أي خبيث هذا الحمار؟ لا يجوز أن يلتفت إلى جسمه، وينظر ما أصابه. هذا يعني اعتراضاً منه. ولا اعتراض للحمير) ـ / تكلّم سرحان الساري، في هذه الأثناء، وهو يستحثه. بيد أن (بردوع) تابع، تحته، يدبّ بدعساته المتحاملة، خلف قميران. وليسفح الدم من رقبته، ماطاب له! وليعوِ الألم، في أعصابه. مايحلو له!... كظم نفسه، بكل مايستطيعه من صبر الحمير المعروف، وغَضَّ عينيه، عن ذلك المنظر الأحمر، ليستقر في أعماق نفسه. ـ "أ..."؟ جفل. وكأنه فطن: لماذا، يا ترى. يعتصر قلبه. بهذا الشكل؟ ألهذه الدرجة الدم غالٍ وثمين؟ واقشعرّ في سريرته. وهو يستعيد رؤية قطرات الدم القانية. كأنه يريد أن يسترجعها إليه مرة ثانية. ولا يدري كيف عاد، وفكّر في حياته الشاقّة، التي يحياها، عند صاحبه سرحان، هذا الذي يحمله فوق ظهره، الآن. ألا يكفي هذا الرجل الطمّاع ما بذله، اليوم بالذات مع قرين نيره قميران، من جهدٍ وتعبٍ، في فلاحة كرم (الشعاف)؟ لقد عملا طوال سبع ساعات، دون انقطاع، مثل جرّار (ديزل)! حتى أكملا فلاحة الكرم. وفي هذه اللحظات، أحسّ بردوع أن جرحه قد أخذ ينعره. فقلص (جلدة)، رقبته، وتابع يتساءل في نفسه: ألا يكفيك هذا العمل، يا سرحان. المحترم، حتى تستلّ مخرزك، وتزرعه في رقبتي مرتين؟ وهأنتذا، مازلت شاهره بيمناك، كأنك عنترة العبسي. ياصاحبي، أنا لستُ (الأبجر)، حصان عنترة، ومع هذا أراني ألحق بقميران، دون تباطؤ. ألا تفقه هذا يا بن آدم؟ وهنا، شعر بردوع أن أطبقت على خاصرتيه لكزة حادة، من قدمي سرحان، مع زعقة عظيمة: "حا......سايب......". عجيب! كم تحب العجلة ياصاحبي؟ لا تخف، ستصل دارك، بعد قليل، وستجدها قائمة كبرج قديم. فلا تكن عجولاً، حتى لاتصاب بالندم. نعم إذا ما نفقتُ. فستندم. طبعاً، ليس حزناً علي. بل على خسارتك إياي. حرام! أنا جدّ منهك........آه!.........ياسرحان الساري. كم أنت قاسي القلب؟ كنت في (كرمك) مثل دولاب. لا يهدأ. ناهيك بأنني أصبحتُ عجوزاً، ورميتُ أسناني، بل أسناني التي كنت تعرف بوساطتها عمري وتقول أصبح بردوع ثنيّاً. أو رباعيّاً. لقد رميتها، وصرتُ أدرد. وعمري صار دون قياس، أي تجاوزت سنّ العمل. وهأنتذا ما زلت تسومني سوء العذاب وإذا ما فطستُ، فستجرّني إلى المزبلة للكلاب. أهذا عدل منك ياصاحبي....؟. ـ هِشْ...... حا....... يا حمار المداس"./وبضع لكزات مؤلمة تنهال على خاصرتي بردوع. فكفّ هذا عن أسئلته المتلاحقة، وازدرد، بخياشيمه، كميةً لا بأس بها، من الهواء، وَصَرَّ جسمه، تحت صاحبه، ليسرع به أكثر. غير أنه وجد جسمه يترنح، ويكاد يسقط أرضاً، حقيقةً. أصبح هذا الحمار عجوزاً، أين هو من قميران. هذا الثور الذي، مازال يمشي، أمامه بقوة وكأنه في استعراض عام، يلوح بذيله الطويل، كمذبّة. لينشَّ عن جسمه الذباب. لا شك أن هذا الثور، في ريعان عمره. إيْيْْهُ....! كم أيام الشباب عذبة وجميلة؟ وكل كائنٍ حيٍّ يريد أن يبقى شاباً! وتداعت لبردوع أيام شبابه تلك: ـ أي جحشٍ رشيق خفيف الحركة، كنته، يا بردوع تنطّ مثل كنغر. بل، كنت لا تقلّ فتوة وحيويةً، عن قميران. هذا الثور الذي يتبختر، الآن، أمامك.... ثم لا يدري. كيف راحت الدموع تزخّ، من عينيه، وتطسّ وجنتيه طسّاً. لاشك أن (مراجعته) تلك. قد فتّقت له جراحه. لقد كان معفىً منها، لولا هذه النخسة الدامية. تابع يمشي، ولكن، من خلال دموعه، غبش أمامه قميران يحرّك فكّيه. ويجترّ. ـ "أ......"؟ إنه غي مبالٍ بي هذا الثور. بل مرتاح البال ومسرور. ولِمَ لا؟ وهو الحيوان المدلّل ، والمعفى من الركوب والتحميل والنخس و ... ،. وهنا، عاد بردوع ولمح اللون الأحمر ، في جسمه. فحرَّكته رؤيته وهبّت ، في نفسه زوابع الألم ، من جديد. ـ "آه.... ياسرحان! لماذا لا تعاملني، مثل قرين نيري قميران؟ لماذا لاتركب على ظهره مثلي؟ علماً أن أن ظهره عريض، وواسع، لا كظهري الحاد كالسكين، من شدّة هزالي. آ....؟ أنت تضع تلك البردعة الرثة حتى لا تورث الدبر لأليتيك... طيّب. إذا أنت لا تستطيع اعتلاء صهوة قميران. حمّله عدة فلاحتك: العود: السكة، النير..... تُراني أحملها وحدي. إضافة إلى حضرتك. أهكذا تتركه يسرح ويمرح. بعد أن فككتَ رقبتينا، من النير؟ يمشي الخيلاء أمامي. كأنه منحدر من سلالة عريقة. وأنا أنود وراءه، بحملي المهبط، تتلّني برسني. وتستل مخرزك الخاص بي وتصيح: حا.... يا حمار الكلب....! أتعس بقوائمي ذليلاً. وأتابع صبري.. عذاب.. عذاب.. إلى ما لا نهاية، يا سرحان، ياصاحبي، أنا لا أطالب بالمساواة مع بني البشر. بل أطلبها مع بني البقر...". وقطعت تفكير بردوع عدةُ لكزات عنيفة من رجلي سرحان. فأسرع ليلحق بالثور.فسُرَّ سرحان هذا. واسترخى بأطرافه وجذعه ورأسه وأصبح شكله علىظهر حماره،كفزّاعة أسطورية. أحسّ بردوع أن رجلي صاحبه تمتدان على معرفته هذه المرة: أفّ....! إلى هذه الدرجة الامتهان، يا سرحان؟ تضع قدميك على رقبتي، فوق رأسي..... تفوو.....على حياتي عندك... ثم شخر، حتى وصل هواء زفيره الساخن إلى قميران، أمامه، وفطن: ـ "وأنت، يا قميران، قل لي: كيف حصلت على حقوقك وامتيازاتك هذه. يارفيقي، أنا كحمار، لا حقوق لي. أرجوك أن تدلني على الوسيلة التي نلت بها ذلك... أ..... ه؟ أو أنك لا تريد نصحي. إذ مصلحتك تقتضي أن أبقى بجانبك هضيم الحقوق....". وبينما كان بردوع يتمتم عتابه في نفسه.كانت الشمس قد أطالت من ظله، أمامه، فرأى رأسه الكبير. وكيف تحيط به أذنان طويلتان. ـ "أجل... هاتان الأذنان هما المصيبة"!.. ثم انداح يفكر فيهما. وقدّم له ذهنه المتفتّح في هذه الساعة الفائقة (استمارة)، كاملة عنهما. فكم كان يُعيَّر بهما؟ وبطولهما؟ حتى أصبحت علامة ثابتة من علامات الغباء و(الحمرنة)!... وظل هذا الحمار مشحوناً بأفكاره الساخنة هذه، إلى أن خطا قميران نحو منعطف الطريق المؤدية إلى القرية. فظهر له رأس هذا الثور كاملاً. أثبت بردوع عينيه، وكأنه يرى رأس قرينه أول مرة في حياته. رأى في هذا الرأس العظيم قرنين بارزين. ـ "ياللهول! ماهذان القرنان، يارفيقي قميران؟ من أين أتيت بهما؟ إنهما قويّان حادّان كخنجرين. يا حسرتي. ليت أذني الطويلتين مثل قرنيك.......... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |