طيوف - وهيب سراي الدين

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:59 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

تلك النافذة.

(1)‏

في الساعة الواحدة، بعد الظهر، فرغت من عملي، في عيادتي السنّية. جلست على كرسيي الخاص. لا كرسي المرضى ـ طبعاً، استرخيت، بكامل ألياف جسدي عليه.ومددت ذراعي اليمنى، بخاصّة المتعبة من قلع ضرس رجل، من الريف. كانت هذه الضرس طاحنة يسرى، في الفك الأسفل. زهاء الساعتين استغرقت، وأنا أُقاوب، وأحفر، وأمسك تاجها بالكلاّبة، ويفلت. ثم أكرّر، وأشدّ، بكل قوتي.‏

وكم مرة، هويت بقامتي، نحو الأرض ـ ياللخجل!، ـ عملية نادرة تحدث في عيادتي اليوم. ضرس تريد أن تتمسّك بصاحبها، حتى نهاية العمر. ولكن صاحبها هذا، لم يحافظ على صحتها، في فمه، حتماً، طوال حياته، لم يستعمل معجوناً، أو فرشاة، فنخرها السوس، وأخذت أعصابها تصيح ولا تستريح.‏

بعد أن تمكنّت من انتزاعها. حشوت حفرتها اللثوية بالقطن. وارتميتُ على ذلك الكرسي، كالقتيل.‏

وانصرف الرجل، واضعاً يده على خدّه الأيسر، المسكين ابتلى بضرس ضخمة، كضرس الجمل! لها أربعة جذور بارزة نافرة. كأنها أنياب أفعوان سامّة. ولكن ما إن تمالكت نفسي، حتى دخلت عليّ (أمينة) ـ كاتبة العيادة ـ وقدّمت لي ورقة مكتوباً عليها اسم.‏

قفزت عن الكرسي كالنابض. ذهلت أمينة مني. هذه هي المرة الأولى، التي تراني، بها، في مثل هذه الحال، "هل أصاب الدكتور مسٌّ؟ أم قدّمت له ورقةً مسحورةً"؟.. /حتماً فكّرت أمينة في نفسها.‏

دارت شعوري. وأغلقت الباب. ناديتها في داخلي: "بل قدِّمتِ، لي، ورقةً ساحرةً، يا أمينة. تأكدّي أنها ساحرة...".‏

لم أتمكّن التخلّص، من آثار جفلتي. شقّت أمينة الباب ثانية:‏

ـ أنت مرهق، يادكتور، سأدعها تنصرف".‏

ـ لا، لا، أمينة. إياكِ. دعيها تدخل، بعد خمس دقائق، على الأقل، اغلقي الباب. وابقي بجانبها، من فضلك".‏

وأخذتُ استقرئ المرآة، أمامي، عن لون وجهي، وماحلّ بي. أفّ! ألهذه الدرجة ترتقص فرائصي؟ ثم عدت إلى الورقة الباهرة.‏

تحملق عيناي فيها. إنه اسمها! إنها هي قادمة إلى عيادتي بكل جلالها وجمالها. ياه....! ـ اسم "درّة السليم"، اسم جميل. لوحة تشكيلية خالصة. وأمينة ـ البزيقة ـ التي خطّت حروفه. هي أبدع فنانة أعرفها، في حياتي، يالكِ من إنسانة مبدعة، يا أمينة! كيف صغت الألوان؟ وصوّرت الحروف؟ الـ(د). والـ(ر) والـ.... وكيف رسمتْ ريشة قلمك الثنايا والحنايا والنقاط.....؟‏

شقّت أمينة الباب ثالثة: "أتدخل يادكتو....."؟‏

ـ "أرجوكِ. خمس دقائق آخر. يا أمينة".‏

(2)‏

ورحت أذرع الغرفة جيئة وذهاباً. استعداداً للمقابلة العجيبة. وظلّ، أكثر من لحظة، شهب أبيض يغشى عيني. الغرفة كانت فضاء، من أثير، لا حدود له. وقفتُ حائراً. أريد أن أرى الأشياء حولي....‏

ثم لحسن حظي، تكثّفت هالات النور. فتماسكتُ أكثر، متحاملاً على نفسي. وأعتقد أنني سمعتُ صوتاً. بل سمعت نغماً، لحناً....:"ضرسي تؤلمني، يا دكتور....".‏

الحمد لله. يجوز آلام ضرسها شغلتها عن آثار ارتباكي. عال! لم تلحظ شيئاً مما حلّ بي. وإلا، لما كرّرت: "أراك واقفاً، ضرسي. ضرسي. تقدّم، يادكتور. في غرفة الانتظار حجزتني عشر دقائق وهنا...."!..‏

تمكنّت من أن أفكّ عقال لساني المتيبّس، في حلقي، وأردّ عليها:‏

ـ سيزول عنك كل ألم، بعد قليل".‏

زرعت بي عينين واسعتين ولطيفتين. ولم تطرف بأهدابهما الطويلة لبرهة. كأنها تتساءل في نفسها: صوت من هذا الذي أسمع؟ لم يكن غريباً عن ذاكرتي. متى كنت أسمعه؟ والملامح.... ياترى؟‏

وأنا، في أثناء ذلك، تمتمت في ذاتي أيضاً: درّة السليم، بعينها، بين يديك الآن، يا منصور الشاهين، فاهنأ برؤيتها. ويالسعادتك! هي نفسها تجلس على كرسي عيادتك. بقامتها الوضّاءة، وهيئتها البهيّة، و........‏

وهممتُ بأن أجرّب صوتي المخشوش ثانية:‏

ـ "أهلاً بك، يادرّ....".‏

لم أكمل. سكتُّ. رأيت ابتسامة برّاقة تشعّ على الثغر المجمّر كزهرة جلنار. وإخاله، قد عاد، ورنّ في أذني النغم نفسه:‏

ـ "أهلاً، بك يادكتور منصور".‏

بلى، كظمت آلامها، ونطقت إنابةً عني.‏

وساد بيننا صمت.‏

يا إلهي! كرسي العيادة، صار يمور، بنور يخطف العينين. لا، يامنصور الشاهين. اصمد وتماسك. حتى لا تخسر جولتك. هذه فرصة قدّمتها لك السماء. فلا تفوّتها.‏

ولكن. عجيب! ماهذا الاهتزاز، الذي مازال يعتريني؟ حتى أسناني تصطكّ في فكي. لذتُ بوجهي عنها. وتناولتُ إبرة (البنج)، لأعود طبيب أسنان، مئة بالمئة، وأتخلصّ من ماكينة جسمي. ماهذه الليونة؟ بل ماهذه الميعةُ؟ أوقل الرخاوة؟ منصور، كن رجلاً. كن طبيباً صلباً قاسياً أمامها./ شجعت نفسي، وكرّبت عضلاتي، ولاسيما عضلات أطرافي العلوية.‏

ـ "افتحي فاك، يا آنسة درة".‏

وتناهى إلي شميم عطر فمها الفاغم. يارب. استر موقفي، هذا اليوم. أف! ما أصعب المرأة! وما أقوى‏

تأثير سحرها! أهكذا تفعل بي "درّة السليم". وأنا‏

في عزّ شبابي؟..‏

تكلّمت في داخلي...‏

وكان قد انشطر، أمامي، جمام ورد، وبانت لآلئ الأسنان الناصعة. حرام! حرام!.. عليك أيها "السوس" المجرم أن تعيث نخراً في قطع مسكوبة مرجاناً. وياقوتاً. وزمرّداً. و....‏

ولم أصدق نفسي.كيف راحت أصابعي تفتّش عن الضرس المصابة، بين الثنايا والضواحك. حبست أنفاسي. يالابتهاجي! حقّاً إن درّة السليم تجلس بين يدي مستسلمة مطواعة. أمسك أسنانها، ورقائق وجهها... ولكن فكّرت، كيف سأغرز هذه الإبرة الظالمة، في تلك اللثة العاجية؟ وتردّدت غير أنني فطنت بوضعي. أنا صمّمت على أن أعود طبيب أسنان. ودرّة السليم زائرة في عيادتي. إذن هيّا باشر، يامنصور.‏

ولشدّ ما تألّمت! وكادت تصرخ من (السيرنك). لابأس. تصرخ. اصرخي، يادرّة السليم. صراخك موسيقى عذبة، تأتي من صوب الملائكة.‏

وبعد التخدير. رحت أداعب ضرسها. جسستها بالمقوب. وأمسكتها بالكلاّبة. صاحت: آخْ، آخْ، خْ... دكتور منصور...‏

يالسعادتك، يامنصور! ماذا تسمع؟‏

ثم علمت بنفسي أنني عجّلت، المخدّر لم يصل بعد، إلى مركز الألم.‏

جلستُ على كرسي الخاص، أنتظر وأنظر.ولا أدري لِمَ تولدّت لدي أفكار غريبة؟ بل شيطانية. هل أنتقم؟ آه... ! منك يادرّة السليم.كم عذبتني في حياتك؟ وكم تعلقت عيناي، وجوارحي بك، وأنت في نافذتك؟ ييْيهْ.......! يازمن! حقاً إنك لعادل. أعدت إلي من كنت، قد حرمت منها، حتى انعدمت، البتة، من وجودي.‏

(3)‏

كانت الحياة نقيّة صافية، كماء السلسبيل. تفيض رقراقة، من نافذة واحدة فقط.تفتح في قصر منيف. يشرف على ساحة قرية (كوم الحصى) الصاخبة، بضجيج أولادها. وكان الحسن والجمال، آنذاك، مجسّدين في كائن آدمي. لا، بل ـ على الأخص ـ في كائنة حوائية..‏

كانت هذه الفتاة، لا تتجاوز العاشرة، على ما أظنّ، يطلّ وجهها، من تلك النافذة، كبدر نيسان، في يومه الرابع عشر. أو قلْ، كان يشعّ علينا، كقرص الشمس، وأمّا اليدان، فبياض الثلج!، ماهذه المخلوقة، التي زادت في نعومتها، وسطوع بشرتها، طراوة الفيء، ورغادة العيش، كابنة وحيدة لسيد قرية (كوم الحصى)!.‏

كنت لا أتجاوز الثانية عشرة. وأنا أخوض غمار مسابقات الألعاب الريفية، مع أترابي، حينما تسنح لنا عطل المدرسة، وكنت، في الوقت نفسه، أشعر أنني أُحَرَّضُ، من عينين برّاقتين ترقبانني، بحماسة. وتحيطانني بهالة من شعاعهما الحميم. وهكذا أخذتْ تجنّ الخلايا، والعضلات، في جسدي، وصرت أحصل على القدح المعلّى، في المباريات. دوماً منصور الشاهين الأول في لعبة (الحاجوج). وفي لعبة (السبركة)، وفي سباق الركض، من مختلف المسافات. فتربح صاحبة النافذة رهانها مع نفسها.‏

لم أكن، قد بلغت سنّ النضج بعد. فلماذا هذا الميل الجارف تجاه النافذة المشرعة. والمتلألئة بالسحر والجمال؟ ولماذا تجاهد قدماي، لأسبق أقراني، وأنال نظرة الإعجاب. أو طرفة الهدب؟‏

كان حين يهتف، باسمي: فاز منصور الشاهين... أشعر أنني ، حقيقةً، أصبحت في ذروة المجد!.‏

ولكن، ماذا يقبع وراء المجد نفسه؟‏

ياناس، ياعالم. أنا نلتُ من النافذة تلويحة يد، اليوم.‏

إنها، هي، تحييني، على فوزي.‏

بل في يوم أغرٍّ آخر. أسقطت، عليّ قطعة من (شوكولا). واه....! ماهذه الـ(شوكولا)، وما أطيبها! أنا طوال عمري، لم أذق طعم (الشوكولا). والدي ((المرابع))، عند ((أبي درّة)). لم يشتر لي. في حياتي حبّة "ملبّس".‏

كنت ابكي حفنة من الدموع، حتى أحصل على بيضة. من بيضات دجاجاتنا. التي تصادرها أمي، دائماً لابتياع الصابون، وملتزمات أخرى. واليوم أمضغ، بلعابي أحلى طعم. هو طعم (الشوكولا)!‏

غير أنني، في اليوم الثالث ـ إضافة إلى غبطتي، التي لا تُحدّ. ـ زدتُ حيرة. فعندما كنتُ مشرئباً بقامتي، نحو العلاء، لألتقط قطعة(الشوكولا) الثانية، من النافذة، على إثر فوزي بسباق (الحاجوج). لم أجد في يدي سوى نصف قطعة. رأيت (درة) ذاتها. تلوّح لي بالنصف الآخر، من علِّ، ثم تأكله.‏

من المؤكد، أن هذا الأمر، لم تقم به اعتباطاً. بل له في نفسها أكثر من معنىً.‏

ياترى؟ هل أصبحت تعرف الـ....؟‏

(4).‏

وصرت أمكث تحت النافذة، في الصباح والمساء والظهر. كدت انقطع عن الذهاب إلى البيت. لولا الجوع، وتناول الطعام. بل سجلت أيام غياب عدة، في المدرسة. قلبي تعلّق بالنافذة. نعم، لم أستطع التخلّص منها، ومن هذه الحالة، التي تلبّستني، في سن مبكِّرة.‏

ثم انطلقت ـ كالعادة ـ الإشاعات والاتهامات. فهدد والدي بالطرد من عمله. وحلت على رجلي سياط الجلد، من هذا الوالد البطّاش، الذي كانت ذراعه، مثل ذراع الجمل. يهوي عليَّ بخيزرانة ليّانة، ويصرخ بي:"إياك تفعلها ثانية. إياك تقف تحت النافذة. أو تلعب في الساحة. ستدمر حياتي يالعين. من أين سنعيش؟ ومن أين سنأكل؟".‏

والخلاّصة، أنَّ ماحلّ بي، من عذاب، أعادتي إلى رشدي، بل إلى مدرستي. فانصرفت إليها كليةً. بعد أن حرمت من النافذة والساحة معاً. لا أدري. هل كنتُ أدرك، باللاشعور، أن طريق الاجتهاد، سوف تصلني، في يوم من الأيام، بدرّة السليم؟‏

فانغمست بين كتبي، وعزفت عن العالم.وصرت، وكأنني عابد، في صومعة، فنلت شهادتي الابتدائية، بدرجة ممتازة. وقدمت لي، على أثرها، مساعدة لأتابع دراستي، في كلية طب الأسنان. بعد تفوّقي في شهادة الدراسة الثانوية، فنسيت حياتي في القرية، وغاب عن نفسي كل ذلك الماضي الأول.‏

(5)‏

ـ "أعتقد أنني لم أعد أشعر، بألم، يادكتور منصور".‏

نغم صوتها العذب الرهيم رنَّ في أذني. التفت إلى الكرسي المتوهّج.‏

ابتسمت: "لقد أخذ المخدّر مفعوله، الآن".‏

بادلتني نظرة مشرقة، من عينيها الوطفاوين، ورمشت بأهدابها، فأقبلت عليها، ولكن الذي شغل فكري أكثر مشكلة أصابع يديها. ليس بماسها الكهربائي، وما يولّده من ارتعاشات. و..... بل، هل طرأت على هذه الأصابع إضافات أخرى؟..‏

الحمد لله، بانت لي أصابعها عارية. حين دقّقت النظر، فأَلحْت أمامها، بأصابعي، التي ما زالت عارية أيضاً. ونطقت، هذه المرة دون كلفة: "درّة... سأزور بيتكم مع والدتي".‏

بادرتني بابتسامة، وأطرقت نحو الأرض...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244