|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:59 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
القرنفلة.. ومصارعو الثيران 1 خنق الألق المنبعث من صدرها أعصاب عينيه.. وملأت رمانتا ركبتيها رؤاه.. وانزلقت ساقاها أمامه عبلاوين كشهوة عارمة.. أما الرجل الذي بينهما فكان سادراً في إغفاءة.. والسائق الكهل يتتبع مراحل الطريق بانتباه، والسيارة تودع آخر إطار الخضرة الذي يحيط بالمدينة.. وقالت تسأله: لماذا أراك مستغرقاً في استعراض البرية من زجاج السيارة.؟ فأجاب: مدينتك ظالمة.. قذفتني إلى جوفها لأضيع سجيناً في شوارع ملتوية، ومكاتب ضيقة، وبنايات متراكبة.. -هل تحن إلى حياتك الأولى في الريف؟ -أجل.. -ألا تعترف أنها كانت حياة تافهة وبليدة؟ -... -لماذا لا تجيب؟ -أحياناً.. ينتفض عرق غاضب في كفي.. وأتمنى أن أصفعك.. -ولماذا لا تفعل؟ اصفعني.. إنني لا أزال تلميذتك على أي حال.. -.. -هل ستصفق مع الذين سيصفقون لي اليوم.. -هذا يتوقف على الداعي للتصفيق.. -سأقدم فصلاً من رواية مثيرة.. -لم أطلع عليه.. -هذا اعتراف منك بأنني أهل للثقة.. -سأستمع إليك في الصالة.. إن بي اليوم شوقاً إلى المفاجآت.. -هل فاجأتك موافقتي على السفر معك ومع زميلك الآخر إلى مدينة نائية، بمفردي؟ -أجيب عن نفسي فأقول: بعض الشيء.. -لو أن صبية من بلدتك، سافرت مع شابين غريبين عنها إلى مدينة نائية، ألا تلحق خناجر أبيها وأهلها بها وبالشابين لتجعلهم مزقاً على حجارة الطريق! -ولكن أباك كسر خنجره قبل أن يسمح لك بمرافقتنا.. -إنه على كل حال على ثقة منكما.. -أرجو أن يكون كذلك بالنسبة لك أيضاً.. 2 في ردهة الفندق: -لم تقل لي ماذا ستقدم أنت للجمهور.. -قد ارتجل تحية.. أو ألقي قصيدة من محفوظاتي.. أو القصة التي قرأتها عليك من الهاتف.. -إنها رائعة.. -لم أقل هذا أنا.. -لن أستطيع منافستك.. -لسنا في ميدان نزال.. -وصديقك الآخر.. ماذا سيقدم.. -هذا السؤال يوجه إليه.. -لماذا أنت عنيف في حديثك اليوم؟ -لأن الموعد قد أزف، وأنت لا تزالين لم تبدلي ثيابك.. -ومن قال لك أنني سأبدل ثيابي.. -ولكن هذا الثوب الذي ترتدينه أشبه بصدارة تلميذة مدرسة.. -لا تنس أنني لا أزال تلميذة.. ثم.. ألم تقل أن بك اليوم شوقاً إلى المفاجآت؟ 3 في القاعة الكبرى.. طفلة المدينة الكبيرة على المسرح، في عينيها تحد جميل، وحول وجهها هالة من ليل شعرها البهيج، استكانت بدعة على الكتفين المستورين بالثوب البسيط.. ومع لقاء عينيها بعيون الجمهور وهي ترفع رأسها مع آخر جملة، دوت القاعة بالتصفيق.. لم يصفق لها، ولكنه كان سعيداً بها.. اسكرته لثغة صوتها، وتتالت شخوص المسرحية بساح شعوره في تمردها، وتألقها وسقوطها، وبطولتها.. ورأى أمامه حقولاً وسيعة، وبيادر قمح وداليات عنب لا تحصرها العين، وشجيرات قطن.. ورآها.. هي.. تقفز في الحقول والجنان والبيادر، فراشة ذكية، تحط على الزهر والسنابل وعناقيد العنب وكنافج القطن. فتنسج ثوب العروس، وتصنع رغيف المسكين، وتعصر خمرة العاشق.. و.. وسألته وهما يهبطان الدرج: هل أعجبتك.. -هل تعرفين سر نجاحك اليوم؟ -حتى لو كنت أعرفه، لزعمت عكس ذلك.. فهلاّ أوضحت؟ -لقد نجحت لأن الناس صفقوا لما ملأ آذانهم قبل أن يصفقوا لما ملأ عيونهم.. -ولكن الناس كثيراً ما يصفقون لما يملأ عيونهم.. -ذلك النوع من التصفيق ضجة آنية سرعان ما تموت أصداؤها بين جدران المكان.. -هل تنصحني بالمثابرة على السعي في هذا الطريق؟ -هذا هو طريقك الوحيد إلى النجاح الحقيقي. -والطرق الأخرى؟ -إنها تنتهي دائماً إلى ضياع.. 4 في حفلة المساء الساهرة.. يرقصان.. -ألا تستطيع أن ترقص أفضل من هذا؟ -لا أستطيع إلا أن أتفادى تشويه منظر حذائك الأنيق بحذائي الغليظ.. -وهل تجيد دبكة القرية؟ -آمل ألا أكون قد نسيت خطواتها. -هل توافق على أن تكون أستاذي في الدبكة.؟ -هذا إذا وافقت على أن تتخلي عن هذا الحذاء ذي الكعب العالي.. -أنت محظوظ.. الكل ينظر إليك بعيون حاسدة. -إياك أن ترميه في صالون الحلاق.. -ماذا تقول؟ -شعرك.. هذا الطويل.. إنه تاجك الطبيعي.. إن منظر القرنفلة المثبتة فيه بديع.. لا تفرطي بخصلاته يوماً.. هل تقطعين وعداً بهذا؟ -ولكني أتكلم عن العيون التي تأكلك حسداً وأنت تراقصني.. -لا تعلني عن نفسك بهذا الأسلوب. -سأبدل صيغة الإعلان.. هل يعجبك ثوبي؟ لونه الذهبي أعجبني.. أما شكله، فلا.. هذا أحدث أزياء الموسم.. اسمه البرميل.. -أرجو أن يكون هذا البرميل آخر قالب تضيعين فيه. 5 الليل في هزيعه الأخير.. والفندق ساكن هادئ.. وهو جالس في شرفة غرفته، وقد أسند رأسه إلى حديد الحاجز البارد، وراح يفكر في لا شيء.. وأقبلت متسترة بثوب طويل: هل أنت تعاني من الأرق؟ -كيف جئت إلى هنا؟ -ألم تقل أن بك اليوم شوقاً إلى المفاجآت؟ -قلت لك كيف جئت إلى هنا؟ -هذه الشرفة مشتركة بين غرفتينا.. أجبني.. هل تعاني من الأرق؟ -أنا لا أعرف الأرق.. أنام عندما أشاء وأستيقظ عندما أشاء.. إنما أردت أن أنعش صدري بهواء الليل.. -ولكن الليل ولّى.. إننا نستقبل الفجر الآن.. -هذا لا يهم.. سأستقبل الفجر.. -هل نستقبله معاً؟ -الفجر نوع غامض محبب من صلاة صامتة لا تعرفينها.. -علمني هذه الصلاة.. سأركع إن شئت.. -أشك في أن ركبتيك الجميلتين تصلحان للركوع من أجل الصلاة.. 6 بعد دقائق.. -لماذا أنت ساكت؟ -ولماذا أنت ساكتة؟ -أنا أفكر.. -هل أستطيع أن أعرف بماذا تفكرين؟ -بدعوتك إلى غرفتي.. -ولماذا لا تكون الدعوة معكوسة.. -صديقك الآخر ينام في غرفتك نوماً هادئاً.. فلماذا تريد. -أن تزعجه؟ -ولكن ما مناسبة هذه الدعوة في مثل هذا الوقت؟ -ألم تقل أن بك اليوم شوقاً إلى المفاجآت؟ 7 في غرفتها.. بالفندق.. هي ممدودة بقميص النوم الحريري على السرير.. وهو جالس على الكرسي يدخن.. قالت بدلال: هل يعجبك هذا النوع من قمصان النوم.؟ -أهذا إعلان جديد؟ -سمّه ما شئت.. هل يعجبك؟ -هل أذكرك برأيي في البرميل الذي حشوت به جسمك في السهرة -لماذا تثير أعصابي؟ -أنا أجيب على ما تطرحين عليّ من أسئلة -سئمت الإجابات الذكية.. كل من حولي يكلمني وهو يحاول أن يثبت لي أنه ذكي.. كلمني كالأبله.. لماذا لا تعتبرني أهلاً لثقتك؟ -لأنك امرأة.. -سأقذف رأسك بهذه المخدة إذا بقيت مصراً على إثارة أعصابي.. -أقسم لك أنني أجيبك بمنتهى التلقائية والبراءة والعفوية، ودون إصرار خبيث مسبق.. -إذا كانت المرأة لا تصلح لأن تكون أهلاً للثقة، فهي تصلح لأن تكون أهلاً لأشياء أخرى.. أكثر إغراء. -لأن تتلاعب مثلاً بأعصاب إنسان مسكين مثلي.. -هذا اعتراف ليس في صالح رجولتك! -قلت لك أننا لسنا في ميدان نزال.. -ولكني أتحدى.. -أنا لا أنازل إلا رجلاً.. مثلي -ماذا جئت تفعل في غرفتي إذن؟ -جئت أصنع أعمالاً بطولية. -إذن، قص عليّ قصة تافهة.. من حياتك طبعاً.. -كان لي والد عجوز.. يعيش في بلدتي البعيدة على فراش المرض ينتظر مني ثمن الطعام والدواء.. ولما كنت قد صرفت المبلغ الذي ادخرته لإرساله إليه في سهرة مع فتاة جميلة، مثلك، عيناها خضروان وساقاها بديعتان، فقد مات ذلك الوالد العجوز.. -هل أنت حزين؟ -أنا أحزن من أجل الأحياء. -لا تعذبني أكثر.. إن من يفاجئنا في غرفة واحدة، بفندق غريب، وفي مدينة غريبة، لا يتصور أن الود بيننا مفقود.. هل كنت تعاملني هكذا لو كنا مثلاً عروسين في شهر العسل؟ -لا.. -ماذا كنت ستفعل إذن؟ -كنت سأتلو صلاة قصيرة على روح أبي.. ثم أفتح أكمام وردة حمراء على فخذك الأيسر.. -ولماذا لا تفعل الآن.. -لأننا لسنا عروسين في شهر العسل.. ولأن فخذك في حماية خنجر الثقة.. 8 بعد ستة شهور.. أمام صديق على مقهى منعزل.. الصديق: ولكنك قلت مرة أن حبها يأكلك كالجرب! -ليس في وسع الإنسان دائماً أن يضفر لجنازته إكليلاً من الورد.. -حتى وأنت تقف على قمة أحاسيسك المترعة؟ -هذا ما يجعلني أتساءل عن الأماني التي عقدتها يوماً في جديلة شعرها فسقطت رخيصة تحت قدمي الحلاق.. وعن الرواء الذي كان يبدو حتى في تقطيبة العتاب المنعقدة على جبينها، كيف سحقه افتعال العاطفة، وهي تتكلف الحديث وتوحي بأنها تغفر وتستغفر.. والليل البهيج الذي كان يستيقظ في سواد عينيها.. والنهار الذي كان يتفتح في بياضهما أنقى من الطهر.. والقرنفلة.. -ماذا؟ أية قرنفلة؟ -هل تستمع إلى قصة تافهة.. من حياتي طبعاً؟ -هات.. -كان هناك إنسان يعيش في مدينة كبيرة.. وكان يحب القرنفل.. وفي مدينته كانت تعيش صبية حلوة تشك قرنفلة في شعرها.. وكان يحبها وفجأة.. قرر أن يفترق عنها، ويحمل صليبه، ويمضي وحده. -ولماذا لم تصبح عوناً له على حمله الثقيل.. -لأنها شغلت عنه.. -لماذا؟ -برمي القرنفلة كل يوم، لواحد من مصارعي الثيران.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |