|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:00 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الزلزال (8): عاد إنعام إلى منزله متأخّراً، علائم الضيق والاكتئاب تتلامح في وجهه وحركاته، دخل غرفته دون أية التفاتة أو تحيّة لأحد من أفراد أسرته، خلع ثيابه ورماها في أرجاء الغرفة؛ وارتدى بنطال النوم بالمقلوب وقبل أن يهزّ أركان البيت بصفق الباب خلفه خاطب زوجته المنتظرة دون أن ينظر إليها: قولي لمن يسأل عنّي لست موجوداً.. سافرت مدّة يومين.. أفهمت ما عليك قوله.. وحدث الزلزال الصغير، بدت الزوجة ذاهلة كأنَّ الباب الذي هزَّ العمارة قبل ثوانٍ قد صفع كيانها إنَّ قرارات زوجها لا تقبل الطعن والاستئناف.. حفر بذاكرتها على توالي الأحداث والأيام حكمته المقدّسة. لا علاقة لأهل البيت بعملي فدعوا الرأس لشؤونه"... وكان يعقّب على هذه البلاغة المركّزة بقفلته الشهيرة: لعلّك فهمت ما أريد وكانت تهزُّ رأسها بالإيجاب الذي لم يشأ فهمه أبداً... راودها شعور بأن يكون رأسه بين يديها في مثل هذه الساعات الصعبة تمسح شعره بأصابع دافئة.. وتنضحه بالكلام العذب الملّطف.. ولكن أنّى لها ذلك مع رجل بطبيعته.. تضرّعَتْ إلى الله أن يساعده فيسلم همومه لنوم عميق. وأن يساعدها فتبقى مستيقظة لتتمكّن من الإحاطة بما يعانيه ولو على نحو تقريبيّ، على شاشة ذاكرتها كانت صور الماضي تتسارع بسياقٍ طبيعيّ إلى أن بدأت تظهر ملامح السنتين الأخيرتين بألوان مختلفة وإيقاع مستقلّ عمّا سبقها من سنوات. ثروة وافرة تجمّعت لديه بقفزات سريعة نقل العائلة إلى شقة فاخرة، اشترى سيّارة فخمة، بدأ يهتمُّ باقتناء التحف الفنية وبعض القطع الأثرية النادرة، أخذ يتردّد على الفنادق والمنتجعات تعدّدت رحلاته إلى الخارج عائداً بالهدايا النفيسة... رمى علبة السجائر جانباً.. وراح يتعاطى السيجار بأنواعه الكوبيّة الممتازة... كان المفضل لدى عمال الفنادق والمقاصف لارتفاعه بخشيشه وكانوا يتنافسون على غمره بالألقاب: بيك /أمير/ سيدنا/ وهو يتضخّم حتّى أوشك أن يُسقِطَ أيَّ تمثال في ساحة عامّة لينتصب مكانه.. الساعة الثالثة بعد منتصف الليل أو الثالثة من صبيحة يومٍ جديد... والسيّدة مستمرة في تعميق الإضاءة المسلطة على تضاريس السنتين الأخيرتين.. من حياة العائلة... وكسيّارة يتعقَّبها رجال السير ويعترضونها للتدقيق في أوراقها وهوية ركابها.. اعترضت ذاتها فيما تسترجعه سائلة: ما دورك في كلِّ ماحدث؟.. تجيب نفسها ببساطة: وما حدث؟.. لعلَّ الرجل مصابٌ بوعكة صحيّة لم تتح له فرصة التعبير عما يكابده لكنَّ جوابها الآخر على ذاتها كان شديد الاختلاف.. ويقتضي إنفاذ البصيرة في العمق والجرأة العالية في مصارحة الذات.. تسأل نفسها من جديد: لماذا تعقَّدين الأمور؟.. الرجل معتكف.. ولم يُفصح عما يشغله بعد.. فلمَ الرجمُ بالغيب وحمل الأمور على محمل الشرَّ.. أنتِ ما تزالين إنسانة طبيعيّة موشومة بعذابات الماضي، وضنى أيام الشح.. علاقاتك مع الجيران حسنة.. ولا تتأخرين عن تقديم بعض الإعانات الضرورية لهم..و... نهرت ذاتها هامسةً: كفى... كيف تنسى أنَّها سعت باستمرار لتنظيف بعض علامات الاستفهام المرتبطة بثروة زوجها السريعة... كأنْ تتحدَّث لزوَّارها عن مضاعفة جهوده، وتقدير المسؤولين المهام التي يقوم بها، وانتدابه من قبل المؤسسة لتأمين المواد الأساسيّة من الخارج وما يترتّب على ذلك من تعويضات ومكافآت. إنَّما المؤسف أن الناس يهملون قضاياهم الذاتية أحياناً كثيرة ويفتحون ألسنتهم على قضايا الجيران والأصحاب.. دون أن يمتلكوا النزاهة والتجرَّد.. عليها دوماً أنْ تقدِمَ لهم كشفاً بما فعلَتْ وما بنيّتها القيام به.. وبعقليّة المرأة المتَنّورة وجدت نفسها معنيّة أكثر من سواها بمفهوم الحرية الشخصيّة.. ومدى احترام المجتمع له... وبعقليّة المرأة المتنوّرة لم يغب عن وعيها أيضاً أن المجتمع كيان متكاملٌ ومتماسك ومن المستحيل تفكيكه تحت أيّ شعار مهما كان برّاقاً ومغرياً... إذاً كيف يمكن التوفيق بين الجانبين دون أن يكون على حساب أحدهما في النهاية.. توصّلت مع نفسها إلى نتيجة مبسَّطة: للناس قناعات راسخة في قاع نفوسهم ليسوا مستعدّين لطرحها أو تعديلها حتّى لو كانت خاطئة أحياناً... لهم حياتهم ولنا حياتنا.. فليفعل كلٌّ ما يريحه.. ولكنْ هيهات أن نمتلك الوعي الحضاري الراقي لنحمي الآخرين من فضولنا.. ونميمتنا.. والنوم بعد هذه النتيجة غدا مناسباً ما إنْ تحركّتْ للنوم حتَّى رنَّ جرس الهاتف.. نقزت وانتابتها قشعريرة مفاجئة.. مَنْ الهاتف في مثل هذا الوقت المتأخّر جداً.. ارتاحت لأنَّ زوجها لم يرفع السمّاعة على غير عادته في الاستئثار بالردّ على المخابرات الليليّة المتأخّرة.. وبلا التحية التقليديّة بادرها المتصل: ـ منزل السيد إنعام.. ـ نعم.. من يطلبه.. ـ لا يهمَّ.. سيعرفني جيداً حين يجيب.. ـ سيّد البيت مسافر وسيغيب مدّة يومين.. ـ وهلْ سافر على بساط الريح.. أو لبس طاقية الإخفاء... ـ سافر كما يسافر كل الناس.. ـ الظاهر أنَّ سيّد البيت يعلّم أهل بيته الكذب الذي يتقنه بتفوّق.. ـ عفواً.. هذه جرأة أو وقاحة.. لا أقبلها... اعذرني... ورمت السماعة على جهاز الهاتف كأنَّ تيّاراً كهربائياً صعقها.. وكاد أن يُغمى عليها لكنَّها تمالكت ذاتها واستردَّت جأشها لمواجهة الموقف الذي ينطوي على مأزق مداهم.. لامت نفسها على تسرّعها في إقفال الخط.. كان عليها أن تضبط أعصابها وتكظم غيظها مستدرجة المتكلم إلى سبب اتصاله في وقت لا تجري فيه إلاّ الاتصالات الخطيرة كما درجت العادة.. ولكن قلبها مابرح يخفق بشدّة.. ونبضها كوقع حوافر الخيول في أرضٍ صلبة.. أتوقظه لتستطلع حقيقة المتصل؟.. أتوقظ الأولاد للتداول بشأنّه إنَّ أحوال زوجها في الفترة الأخيرة لم تكن مطمئنة.. صامت، سريع الغضب، شرود يتجنّب الدخول في مناقشات مصيرية.. يدخل إلى البيت ويخرج بسرعة كأنَّ صوتاً داخليّاً يأمره بالخروج.. لعلَّها أكثر النساء تخوّفاً في العالم.. وأكثر النساء جهلاً بما عليها أن تفعله و.. وقرع الهاتف من جديد.. وقرعها جرسه بآلاف العقارب الواخزة.. بات عليها ألا تضيّع الفرصة هذه المرّة للكشف عن هويّة المتصل وسبب اتصاله.. ومدَّت يدها كأنّها توشك أن تمسك أفعى من رأسها.. وحدثت المعجزة ورفعت السمّاعة فسبقها صوت المتكلم إلى أذنها: ـ أخبري سيّد المنزل أنّنا نعلم عنه كلَّ شيء.. وهو في قبضتنا مهما ظنَّ نفسه بارعاً في التخفَّي والتضليل.. ومن المؤكّد أنَّه يسمعني الآن... السفر ممنوع إلاَّ إلى الأبدية.. فليعد إلى قواعده سالماً... ولم يترك المتكلم للزوجة أيّة سانحةٍ للاستفسار إذْ جاء دوره في إقفال الخطّ.. انتهت المكالمة وابتدأت من جانب واحد.. انتهت على النحوْ الذي لا ترغب به أيّة امرأةٍ في مثل وضعها.. وقد وقعت عليها وقوع الزلزال.. وأضحى كلٌّ ما تتخيله كومة خراب وأفقاً موصداً بالغربان.. لم يعد لديها أيُّ شكٍّ أنَّ زوجها في خطر.. وخطر سريع أيضاً.. ماذا تفعل ولا دور لها في شؤون عمله.. بمن تتصل لتدفع الخطر عن شريك حياتها.. أيّ نافذٍ ستتصل به لن يستقبل الأمر استقبالاً بريئاً صافياً... رادوها استنتاجٌ لم تعبأ به أبداً.. في أنَّ حُسَّاد زوجها ومنافسيه على مركزه المرموق يمارسون عليه الضغوط النفسيّة لتقديم استقالته إنَّ صوت المهدِّد يشي بروح إجراميّة ولهجته لهجة زعيم العصابة الواثق من قدرته على فعل أي شيء.. لا تدري لماذا خيّم عليها بالتداعي ماضيها الدراسيّ فاسترجعت قصيدة امرئ القيس... واستحضرت ليله الكابوسيّ المرير الذي لن يكون الصباح بأفضل منه.. لا مفرَّ لها من إيقاظ الزوج المعتزل النائم أو غير النائم.. وليس أمامه إلاّ أن يعترف بالحقيقة لها لإنقاذ حياته.. لكنَّها خشيت من ردّة فعله.. فالمتّهمون يدافعون عن أنفسهم بضراوة تفوق بأضعاف دفاع الأبرياء.. وما أدراها أنَّه متّهم... المذنب بريء حتى يدان.. والصباح قادم على أيّة حالِ.. ولو كان الانتظار على الزمن القليل المتبقّي كالموت البطيء.. هذا التلفاز اللعين.. كيف يسمح لأضوائه أن تبقى محتجبة؟... أيقف المنقذ على الشاطئ ليستمتع بغَرق الناس؟.. أيعني ماهي فيه إلاّ الغرق نهضَتْ.. دارت على نفسها.. اتّجهت إلى غرفته.. كفّها على مقبض الباب ثمّ عادّتْ وسحبتها.. تحرّكت إلى غرفة الأولاد فتحت الباب قليلاً.. إنَّهم نائمون.. هجست: الأولاد دائماً ينامون في الأزمنة الصعبة.. ولا بأس.. لن تتجاوزهم المشاكل أبداً.. نظرت من النافذة إلى امتداد الشارع الذي ينقشع ليله تدريجيّاً وتتوضح معالم الأبنية شيئاً فشيئاً قطة تقطع إلى الجهة الأخرى بكسل.. تمنّت لو كانت مكانها.. غيوم متفرّقة تتدرَّج صاعدة من الأفق الغربيّ.. عربات نقل العمّال وتوزيع الخضار والفواكه واللحوم شرعت في تفريغ حمولاتها.. فنجان من القهوة يضيف بعداً وجدانياً إلى المشهد هي الآن في مواجهة التلفاز... تناولت الرشفة الأولى... ضغطت على جهاز التشغيل.. تجوّلت بين المحطات المختلفة.. فإذا بمذيعة الأخبار تهبط من خبرٍ إلى خبر حتى انتهت بموجز سريع: معارك في أفغانستان والشيشان والفيلبين.. احتجاز رهائن في أندونيسيا واليمن.. تخوّف بعد الزلازل المدمّرة الأخيرة في عدة بلدان من حدوث زلزال في الجانب الشرقي من البحر الأبيض المتوسط... كلمة الزلزال أصابتها كشظيّة ضوئية.. أشعلت مراكزها وعقدها العصبيّة... فتَنْتَها كمصادفة مثيرة.. رسمت على عينيها مشاهد انهيارات بديعة.. أصواتٍ دون استغاثات، تصوّرت أنَّ الزلزال ماردٌ أسطوري تخلّى عن عبثيّته واكتنز طاقاته الهائلة.. وأطبق.. إنّما على أوكار الجريمة والتخريب.. على قصور المعربدين بأحزان البشر وآلامهم... والشاربين بكؤوس اللذائذ دماءهم.. تمثّل لها أيضاً بأصابع طويلة حادّة تستطيع أن تخترق الجدران والأسوار والسقوف والحواجز لسحب المتآمرين على مصائر الناس واستقرارهم وتثبيتهم في مسقط نجمٍ قطع قيود الجاذبيّة وهوى.. كما يدوس رجل بدين حبّة عنب.. الزلزال كلمة لم تتوقّع أن لها هذا السحر الجارف.. والجذب العجائبيّ.. لامتصاص الحرائق من الروح.. والذيافين من البدن.. تستطيع الآن أن تستمتع بفنجان قهوتها..وأن تترك زوجها ينام مطمئناً.. وأن تدعو لأبنائها بالتوفيق في دراساتهم وحياتهم.. سحبت مأخذ الهاتف.. واستلقت على الأريكة ونامت.. الزلزال (9) تناولَتْ هدى الصحيفة المهتمة بالشؤون الاجتماعية على نحو اعتيادّي كما تفعل كلَّ يوم وابتدأت من الصفحة الأخيرة المخصَّصة للأخبار القصيرة المثيرة.. فضائح سياسية وسينمائية / أرقام قياسيّة/ مزادات فنيّة/ جرائم مروّعة/ إلى أن رست عيناها على إعلانٍ في منتصف ويمين الصفحة... قرأته بسرعة ومضَتْ إلى سواه فشعرت أنَّ قوّة محيِّرة تشدُّ عينيها إليه لتعيد قراءته وفق مضمونه التالي: راغبٌ بالزواج من فتاةٍ لا تعنيه أوصافها مهما كانت.. ولا مستواها العلميّ أو الثقافي.. والمطلوب منها مساعدته في الاهتداء إلى زوجة أخرى تتمتّع بأفضل الصفات.. من لديها الاستعداد لتلبية هذه الشروط فلتتصل على الرقم /777777/... ملاحظة: إذا توفّرت الزوجة الثانية فلن يتخلّى عن الأولى.. أعادت هدى قراءة الإعلان مرّات ومرّات وفي كلِّ مرّة شعرت أنَّها تقرأه للمرّة الأولى وأنَّها تزداد جهلاً بمدلوله كلّما جدّدت قراءته. بل هزَأَتْ بنفسها حين قرأته من النهاية حتّى البداية...(إذا توفّرت الثانية فلن يتخلّى عن الأولى..) ملاحظة غريبة تعني أن وضع الأولى مرهون بالثانية.. ضحكت هُدَى كما لم تضحك من قبل.. ضحكت حتَّى كادت أن تقع عن الكرسيّ: أيُّ رجلٍ هذا الذي يطلب من امرأةٍ أن تقوده إلى الثانية؟.. من المؤكّد أنَّه يحاول استغلال نقاط الضعف الأنثويّ المتمثلة بعيوب الشكل الخارجي وهو عرضٌ لن تقبل به إلاّ الفتاة اليائسة المهملة التي تبغي الزواج بأيّ ثمن.. ولو على حساب هيبتها وكرامتها.. تترك هدى الصحيفة وتتجّه إلى النافذة المطلّة على الحديقة.. شجرات نامية على طرفي المدخل الخارجي، يليها من الداخل بقعتان صغيرتان من أزهار وورودٍ متناغمة.. الممّر الرئيس في الوسط تحفُّ به أعشاب نظيفة متأنّقة الاخضرار تشرب الماء من يد هدى وتغتسل به.. غفلَتْ عن ذاتها... وهي تسمع العبق المتجاوب بين الأشجار والأزهار والأعشاب.. مسحت ستارة النافذة على وجهها الرائق الأسارير.. واسترسلت إلى أوراق الصحيفة فنثرتها على أرض الغرفة.. سارعت هدى إلى الأوراق وجمعتها ولم تجد بدّاً من قراءة الإعلان الغريب وقد أشبعته إعادةُ.. إنّه ينطوي على تحريض شيطاني بقبول التحدّي... لا... لا... يكفيه تفاهة وسخفاً.. لعلَّ صاحبه أراد اختباراً نظرياً لاحتمال شاذٍ... لا يبحث فيه إلاّ عن فرائس وضحايا وأقدار محطّمة.. تحوّلت إلى الواجهة الشرقيّة من البيت وقد أدارت الصحيفة بين يديها فأضحت كالقمع أو مكبّر الصوت.. هاهي أمام المشهد النقيض لحديقة البيت المتقنة الاعتناء.. تعني الحديقة العامّة.. المصابيح الكهربائية مهشّمة أغصان النخيل المدلاّة غدت كالأراجيح، خشب المقاعد تكسَّر أو اقتلع صنابير المياه سُرِقَتْ فسُدَّت إلاَّ واحدة حوّلت ما حولها إلى مستنقّعٍ دائم.. حديد السور تملّع ليسهل اختراقه من كلِّ الجهات.. هذا المسح التقديريّ أجرته في الدقائق التي وقفتها.. سألت نفسها باستغراب وفطنة: ما العلاقة القائمة بين بيان حال الحديقة.. وإعلان الصحيفة يا للإعلان الماكر..؟ يضغط شعورك على غير انتظار.. يقذفك إلى مقارنات عبثية.. يقلب الأعماق على المظاهر.. ويستدرجك إلى مالا ترغب به وما أدرانا أن يكون مجرّد مداعبة عابرة مجانيّة.. إذاً لا بديل عن الاتصال بمكتب الصحيفة للتأكّد... وجرى الاتصال بالصحيفة وكانت نتيجته صدمة على صدمة.. فالإعلان صحيح وقد شدَّد صاحبه على أهميّته.. ودون تعمّد وجدت نفسها أمام المرآة.. قامتها متوسطة.. ليس وجهها بقبيح.. متناسبة الصدر و الخصر والساقين.. سُمرتُها فاتحة عيناها عسليّتان.. تميل إلى ألوان الفساتين الغامقة.. فقَدَتْ والدتها منذ سنتين، تعيش مع والدها وأخوين أصغر منها.. تحاول التوفيق بين شؤون المنزل ودراستها الجامعية وقد أشرفَتْ على التخرّج.. يشهد الأصدقاء لها بالذكاء والقدرة... أمن المعقول أن يفتك بأعصابها إعلانٌ أراد به رجل مجنون أمراً لا يعلم إلاَّ الله أهدافه..؟ أيليق بها أن ترمي كيانها في مغامرة مجهولة دون قيدٍ أو شرط.؟... وما سيكون موقف أبيها وأخويها حين إبلاغهم برغبتها الطائشة؟.. نعم كلُّ هذه الاسئلة مشروعة وموضوعيّة.. لكنَّ الشرخ الداخليَّ قد حصل وهي تقترب من توازن الأمرين.. على منطقيّة الأوّل وعبثيّة الثاني.. وتبقى لحظة الحسم النهائيّ.. تنقّلت بين الواجهتين بحرارة مرتفعة.. وقرأت الإعلان للمرّة الأخيرة وقرّرَتْ أن تلعب دور المحاور الخبيث لبعض الوقت.. تقرّبت من الهاتف كأنَّها تراه وتستخدمه لأوّل مرّة في حياتها.. وضعت إصبعها على القرص كأنَّها خبيرٌ في سلاح الهندسة يحاول تفكيك لغم أرضيّ دون أن ينفجر به.. أدارت القرص كمن يحرّك بأسنانه سيّارة شاحنة.. كانت تتصبّب عرقاً في تصميمٍ عنيدٍ لإتمام ما نوت عليه.. وحين أكملت دورة الأرقام كلها لبثَتْ تنتظر الردّ كأنَّ سدّاً سينفجر من ضغط المياه أو انهياراً أرضياً سيلتهم مئات المنازل.. وتناهى الردُّ إلى سمعها رزيناً: ـ ألو.. من المتكلم ـ أهذا هو الرقم المنشور في الصحيفة للمراجعة بشأن الإعلان المعروف؟.. ـ هو بالذات آنستي. ـ وما أدراك أنّني آنسة.. ـ لا مصلحة إلاّ للأوانس في مثل هذا الاتصال... ـ وإذا أرادت امرأة متزوجة أن تعيش تجربة جديدة.. ـ هذا شأنها.. لكنَّ المرجّح أن تفشل.. ـ أتتوقّع النتائج قبل حصول الحوادث...؟ ـ امرأة متزوجة لا تتخلّى عن رجلٍ لتقترن بآخر باحثة له عن امرأة سواها.. ـ يبدو أنك خبيرٌ بالقضايا العاطفيّة للرجال وللنساء.. فكيف تسمح لنفسك أن تطرح على صفحات الجرائد ذلك الإعلان المهين المحطّم؟ ـ لم يسبق لي أن حطّمْتُ امرأة.. ـ وهل تعتقد بوجود فتاةٍ في هذه الدنيا تقبل هذا العرض؟ ـ إذاً لم تتصّلين؟ ـ استفساراً.. ـ الاستفسار يسبق الإقدام على العمل. ـ لنقل أريد التسلية وقتل الوقت. ـ لا تكذبي على ذاتك أيّتها الأنثّى.. فمنذ نشر الإعلان لم يتصّل بي إلاّ أنتِ.. ـ رُبَّما لم يقرأ الإعلان سواي.... ـ وسوف لن يقرأه سواكِ.. ـ لعلّك عالم بالغيب حين تتوقّع ذلك. ـ كلُّ ما أعلمه أنَّ هذا الإعلان قد كتب لامرأةٍ واحدة... وهي التي تبادر إلى الاتّصال.. ـ ما مصدر هذه الثقة العارمة بما تقول؟ ـ مصدرها اتصالك.. ـ أنا أنثى ضجرة تلقّفْتُ الإعلان وحوّلتهُ إلى مادّة مثيرة من القيل والقال.. وإنّي مستعدّة لقطع الاتصال فوراً... ـ أتحدّاك أنْ تفعلي ذلك.. وإذا جازفت بفعله ستندمين وتعاودين الاتصال. ـ إنّك مغرور بما لا يطاق. ـ وأنت جريئة بما لا يُقارن... ـ شخصّيتك لغزٌ محيّر.. ـ إنّه افتراضٌ... قد تتراجعين عنه... لكن عندما يتسنّى لك أن تختبريني.. ـ لا اختبار حين تصرُّ على جعل امرأةٍ مطيّة لأخرى.. وداعية لها.. ـ مَنْ تتمتع بجرأتك فستجدها فرصة لخوض معركة نادرة الوقوع أو مستحيلة.. لكنَّها رائعة في كلَّ الأحوال.. ـ قد أخسر ذاتي فما الفائدة من خوض هذه المعركة.. ـ بدأت أشكُّ في أنَّك ستخسرين ذاتك.. ـ ما دليلك إلى هذا الشك؟ ـ أنت تقدّمين الدليل تلو الدليل.. ـ أنا لستُ دميمة أو مشوّهة أو كتلة حطام إنسانيّة.. ـ وأنا لم أرد في إعلاني مخاطبة الدميمات والمشوّهات والمحطمات إنسانياً.. ـ وإذا افترضنا أنَّ الوفاق والسعادة توفّرا في تجربتك مع المرأة الأولى.. فهل تبحث من خلالها عن امرأةٍ أخرى.....؟ ـ إذا شاءت الأقدار أنْ يحدث ذلك.. فإنّ زلزالاً عظيماً يكون قد وقع.. ـ إذاً اعذرني إذا قطعت الاتصال.. ـ ألو.. ألو... ألو.. أين ذهبتِ...؟... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |