حافلة التراب - غسان حنا

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 03:00 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الزلزال (10)..

كما يتوجّب نهضت الأم قبل ابنها.. تفقّدت محفظته بكل ما تحتويه من الكتاب إلى الممحاة مسحتها بإسفنجة مرّطبة.. رمت جوربي الأمس المنصرم في سلّة الغسيل. دهنت حذاءه ولمّعته جيداً.. رشّت الثياب التي سيرتديها بعطرٍ جذّاب.. حضّرت له وجبة إفطارٍ مدروسة غذائياً ثمَّ تهادت كي توقظه بأصابع الشمس الناعمة طبعت على جبينه فخدّيه فعنقه عشرات القبلات إلى أن فتح عينيه...‏

رتّلت له وسبّحت وحملته كالحمل الوديع إلى الحمّام فقضى حاجته.. وغسلتْ له وجهه بماء فاتر.. وفرك أسنانه تحت إشرافها... نظّفت أذنيه بعيدان القطن الطبيّة..سرّحت شعره بمشطٍ يشبه الزوارق الموصوفة في القصص الرومانسية... سقته كأس الحليب أوّلاً.. وناولته طعام الإفطار ثانياً.. وزوّدته بموزة ثالثاً... ... وجلست أمامه توصيه رابعاً: لا تُسرع في هبوط الدرج يا بنيّ فانحداره سريع... وراقب موضع قدميك جيداً.. لا تضع يديك على حديده لأنَّ آلاف الأيدي القذرة سبقتك إلى ذلك... الزم الرصيف دون أن تقترب من طرفه الموازي للشارع فقد يندفع سائق متهوّر فيقفز بسيّارته إلى الرصيف ويصدمك... انظر أمامك حتّى لا تتعثّر وخلفك حتّى تعرف إذا كنْتَ ملاحقاً.. وعلى جانبيك لتجنّب الارتطام بأحد.... وفوقك توقّياً من سقوط إناء أو حجر أو ماء على رأسك وثيابك.. لا تجلس إلاّ على المقعد.. إلاّ بعد مسحه... إلاّ قرب طالب يشبهك تماماً في حياته ونظافته.. أبقِ محفظتك موصدة.. ولا تدع أنفاس رفاقك تلفح وجهك لا تزعج معلّميكِ ومعلّماتك بالأسئلة المتلاحقة أو المثيرة... واحجب وظائفك عمّن قربك.. لا تركض في الفرصة فقد تتعرّق وتصاب بنزلةٍ صدريّة إضافة إلى التهاب الحلق وبنات الأذنين وأبنائها... لا تشرب إلاّ قليلاً كي لا تضطر إلى إفراغ مثانتك في ذلك المكان الذي يقرف لساني من التلفّظ باسمه القذر... لا تضحك عالياً.. أو تصرخ في نداء رفاقك... وتجنّب أن تدفع أو يدفعك أحد.. لا تبصق إلاّ في المنديل... ولا تستخدم هذا المنديل إلاّ مرّة واحدة.. لا تدنّس فمك بالألفاظ والنوادر البذيئة لأن هذا من طبع أولاد الشوارع المتروكين في الأزقّة والأحياء.. ليتحوّلوا إلى زعران ومجرمين.. وإذا سمعتها تجاهل معناها.. وابتعد عن قائليها...‏

يا بني... افعل في مشوار العودة ما فعلته في مشوار الذهاب بتفاصيله وحذافيره وإذا اعترضك أيُّ طارئ اتصلْ بي على الفور تجدْني قربك سكتت الأم وابنها يحملق فيها وكأنَّه ينتظر ملاحق إضافيّة على النصّ الأصلي للوصيّة.. ولبث يحملق حتّى استغربت الأمُّ وظنّت بالحالة سوءاً فهزّته من كتفيه بلوعة قائلة: بنيّ... حبيبي.. ما أصابك.. أخبرني... ضحك الولد... وضحك.... وضحك...حتّى امتزجت دموع والدته بضحكاتها أيضاً ثمَّ توقّف فجأة ليقول لها:‏

ـ لقد سمعت وصيّتك كلَّها فأرجوك أن تسمعي وصيّتي..‏

ـ حاضر يا مهجة قلبي..‏

ـ لا تشعلي الغاز فقد يحترق البيت، ولا الكهرباء فقد تصعقين لا تشربي المياه فهي ملوّثة. وكذلك الفواكة والخضار.. لا تزوري الجيران حتّى لا يسخروا منك أو يستغيبوك... لا... لا.. صرخت الأم في وجه ابنها...‏

كيف تسمح لنفسك أن توصي والدتك وأنت الولد الصغير العاجز.. غداً حين تصبح رجلاً افعل ما تشاء.. وتكلّم بما تشاء.. قفز الولد في الهواء في نصف دائرة ورفع يده في وجهها قائلاً:‏

ـ إذا التزمْتُ بوصاياك فلن أصبح رجلاً أبداً.. ألقى قنبلته ورفع محفظته وتدفّق على الدرج إلى المدرسة.. وترك أمّه فريسة زلزالٍ عظيم.. قلب كيانها رأساً على عقب.. دون رحمة..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244