|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 03:00 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الزلزال (11) وقف على حافّة وعيه كأنه يريد أن يقفز في هاويةٍ للمجهول دون قرار لماذا في المجهول ساءلته روحه؟... ـ كي لا أرتطم بشيءٍ من هذا المعلوم الذي فقدْتُ الثقة به.. وفي السقوط بهاويةٍ دون قرار.. يتحوّل الخوف تدريجيّاً وفي سرعة قياسيّة إلى لا وعيٍ ساهم... أو تناثر ذرّات الحياةِ في الفضاءِ.... كشرارات الأسهم الناريّة... تلفّت حواليه كمن سمع أصواتٍ تناديه دون أن يحدّد مصدرها.. هو متأكّد أنَّ من كانوا يُسمَّون أصدقاء شهدوا عليه.. أو لاذوا بصمتٍ مريب... ولَو.. ألا يجد الإنسان في محنته كائناً واحداً يقف إلى جانبه أو يواسيه..؟ كائناً واحداً حتّى لو كان كلباً أو هرّاً أو غراباً.. تُروى الأعاجيب عن وفاء الكلب.. ما أتعسه في غربةٍ قاتلةٍ بلا أصدقاء من بشر أو كلاب.. لقد اعتبروه علّة التقصير والهدر في الدائرة التي كان يعمل فيها.. وطوّقوا عنقه بالمخالفات الإدارية والقانونية الجائرة.. ورهنوا المساحة التي يستطيع التحرّك بها.. ولم يبق إلاّ أنْ يكيلوا حجم الهواء الذي يتوجّب عليه تنفّسه.. لكنّه توقّف فجأة عن هواجسه وقد تذكّر أنَّ المستخدم (جابر) دخل عليه عشيّة إبلاغه كفّ اليد عن العمل.. بعد مداولاتٍ مريرة.. ووضع طبق القهوة والشاي جانباً.. وانحنى على طاولته بحنوّ بالغ وتمتم قائلاً: وربّ السماء والأرض أنت بريء.. أضحّي بأحد أولادي إذا كان ما يقولونه عنك صحيح.. وانصرف جابر ولم ينصرف صدى كلماته المبلسمة.. لقد تجرّأ هذا المستخدم البسيط أن يقول قناعته ولكنّه مستخدم بسيط لا حول له ولا قوّة... ربّما هناك غيره ممّن يحجبون الحقيقة في أعماقهم.. ولأغراضٍ مُبيّتة لا يفرجون عنها... مَنْ يأخذ منطق الصمت بعين الاعتبار....؟.. أليس هو دليل إدانة في كثير من الأحيان..؟ أما أبرزوا في سياق التحقيق وثائق بشراء مواد وهميّة تحمل توقيعه.. وقد وضع ثمنها في حسابٍ مصرفيٍّ مفترض.. أيُعقَلُ أن تمرَّ هذه الوثائق المزوّرة دون أن تثير اشتباهاً ما؟ ومَنْ يتجرأ وحده التورّط في تزويرٍ على هذه الدرجة من الخطورة..؟ هذه الصفقات الملغومة تدور عادة في دائرة محكمةٍ من أصحاب المهام والمسؤوليّات المتدرّجة.. لضمان عبورها في نفق مظلمٍ وفق اتّفاقٍ مسبق من التقاسم النسبيّ للأرباح والعمولات.. لماذا اختاروه دون غيره لإسقاط التهمة عليه وإسقاطه.. ولم هذا التوقيت بالذات... الجناية الشنيعة تحتّم توكيل محام بارعٍ مدعومٍ للدفاع عنه.. مكاتب المحامين منتشرة في كلِّ الشوارع الرئيسية والفرعيّة والأزقّة والأحياء النائية... وكلُّهم فرسانٌ أشاوس في الدفاع عن الحقّ والحقيقة.. هزّ سليم رأسه.. زامّاً شفتيه.. مُصرّاً عينيه كأنَّ سيارة مجنونة على وشك أنْ تدهسه.. محامٍ بارعٌ مدعوم يدافع عن قضيّته في مواجهة مَنْ..؟ ومقابل ماذا..؟ مَنْ سيعرّض نفسه للخطر إذا قال الحقيقة؟ وأين المال الغزير لإرواء غليل المحامي الحصيف الذي سينتزعه من فكّ الضبع...؟ إنَّ ذلك المحامي العنيد سيعتبر خطورة القضيّة فرصة نادرة لامتصاص دمه.. وليس من المستبعد أنْ يختم مرافعاته ودفوعاته البليغة المقنّنة بأنّه فعل المستحيل لتبرئة ساحته وإعادة الاعتبار إليه لكنَّ نزاهة القضاء وصرامته حالتا دون التحايل على النصوص وإحداث خروقات اجتهاديّة فيها.. نعم.. ويكون بذلك قد قبض مرّتين: منّي ومن خصومي... وبعد أن يقول القضاء كلمته الأخيرة... مَنْ سيصدّق أنَّني ضحيّة مكيدة مدبّرة...؟ وأنَّ الوثائق المشبوهة تعرّضت لتزويرٍ دنيء على يد مقلّد خسيس..؟ أيكون هذا قدري بعد هذه السنوات من الإخلاص والمثابرة والانضباط..؟ إنَّه لقدر ظالم.. وعالمٌ كافرٌ بالقيم الإنسانيّة..عاد سليم إلى بيته بعد أن قام بزيارة اعتراضيّة قصيرة لأخيه... تمنّع عن مشاركته الغذاء.. استلقى على همومه على أمل أن يكون السرير تحته... جال بنظره على سقف الغرفة فتذكّر أنّ البناية التي تضمُّ منزله ستُهدم بعد حين بدعوى القدم والوهن.. وتذكّر أنَّ له حقّاً طبيعيّاً في العودة إلى شقّة في البناء الجديد.. لكنْ إذا حكم عليه فستجّمد حقوقه المشروعة ويفقد هذا الحقّ فتكون الكارثة مزدوجة.. ولا مهرب من استشارة قانونيّة بهذا الشأن.. قبل أشهر فاوضه صاحب العقار للتنازل عن حقّه لقاء مبلغ مناسب فرفض العرض بضراوة: أيريد هذا المالك الجشع أن يشتري مستقبل عائلتي بمبلغ من المال..؟.. أنا من أقرّر أوّلاً وأخيراً ماهي مصلحتي الحقيقية والغريب في الأمر أنَّ ذلك المالك قد قطع حبل المفاوضات.. ونام على الموضوع كأنَّ إشارة وصلته من جهة ما بأنَّه سيتمكن من دقَّ عنقي في وقت قريب.. فلِمَ التفاوض على جثّةٍ قادمة...؟ عاد إلى منزله، وجد زوجته مستسلمة لقيلولة ما بعد الطعام.. لِمَ لا يفعل مثلها.. لكنّه مازال دون طعام ارتدى سترة النوم خلاف رغبته الحقيقية.. هناك عادات لا تحتاج إلى رغباتٍ فائرة.. استلقى.. تقلّب.. لمعت عيناه ببريق متوهّج.. حرّك يديه ورجليه في الهواء... كأنّه يقاوم الغرق.. وفجأة قفز من سرير همومه... وراح يرتدي ثيابه من جديد... كاد أن يخرج دون أنْ يخبر زوجته النائمة لكنّه عاد عن رأيه وهزّها بقوّة فاستيقظت مذعورة: خير إن شاء الله.. ماذا حصل..؟ ـ لم يحصل شيء جديد.. لكنّي سأذهب بعيداً.. ـ لعلّك جُنِنْتَ لتبتعد عن عائلتك بسبب أزمة لابُدَّ من أن نجد لها حلاًّ.. ـ أظننتِ أنَّني سأترككم أيّتُها البائسة..؟ ـ هذا ما تراءى لي في الوهلة الأولى. ـ إنّي أضعف من أن أغيب لأكثر من ساعاتٍ عنكم فكيف أملك طاقة الرحيل القاتلة.. ـ أعصابي باتت أوهى من خيوط العنكبوت.. ـ لا تحمّلي نفسك فوق طاقتها... كلُّ مافي الأمر أنّني سأقصد القرية لتصريف القلق الفائض.. وشحن الروح بما يساعد على الصمود والدفاع عن النفس... ـ لابأس امضِ على بركات الله... لم تجد السيارة التي استقلّها صعوبة كبيرة في طيّ الطريق الجبليّة المتعرّجة المفضية إلى قريته.. وقد آثر أن يلازم النافذة المطلّة على السفوح المتدرّجة المتلاشية في أعماق الوديان.. شعر أنَّ النسائم الطريّة النظيفة كفا حبيبةٍ تمسح بلطافةٍ آسرة وجه حبيبها المتألّم فتسكّن أوجاعه وتفتح أمام عينيه أنداءها المتناغمة مع تباريح الجبال المترامية... تتوقّف السيارة عند مفرقٍ لطريق ترابيّة تستدير نزولاً حتى حفنةٍ من البيوت المتناثرة يهبط منها أحد القاطنين في بيت متطّرف.. يتابعه سليم حتى آخر المشهد يفرح أنَّ السفر مازال مستمرّاً بل يتمنّى أن يمتد به حتّى اللا نهاية.. الزيتون على جانبي الطريق حافل بثماره... على جذوعه أصابعُ سنواتٍ رمادية.. شجر التين غير المعمّر يسقط بعضه ويقاوم البعض الآخر سها الرجل عن حركة الحافلة.. وصوت محرّكها... ومفارق الطرق التي تجاوزتها والركاب الذين غادروها... ونسي عائلته... وأزمته الحارقة... ومشكلة هدم البيت.. والمزوّرين... والصامتين عن قول الحقّ... وغدا خيالاً هائماً في فضاءات هذه الطبيعة التي لا تعترف إلاّ بذاتها.. لكنَّ صوت السائق استردّه بتفهّم.. استغرب مستفسراً: أمتأكّد أننا وصلنا...؟ ابتسم السائق دون سخرية إذ لمح في وجه الراكب ذهولاً محزناً: نعم يا أخي هذه قرية (صخرة الوادي)... توجّه ببطء نحو البيت الوالدي بمحاذاة حاكورةٍ لها جدار حجري غير مُدَوزن على خيط البّناء.. مدَّ يده إلى شجرة تفاح دانية فقطف تفاحة مورّدة.. قلّبها.. شمَّ رائحتها.. وأخذ ينهشها.. كان المذاق مسكراً.. لم تُهرمَنْ.. ولم تسمّمها المبيدات.. وسمادها من روث طبيعيّ... دخل فناء البيت الذي عاش فيه صغيراً وتردّد عليه في فترات متفاوتة كبيراً.. وتخرج والدته مهلَّلة: ـ منذ الصباح وأنا ألمح وجهك على الحفافي والتخوم... وأسمع صوتك مختلطاً بزقزقة العصافير وهديل الحمام.. كم اشتقت إليك يا بهجة عيني... وعاد سليم يافعاً... أغمض عينيه على صدر أمّه... مسح بثوبها دموعه أراد أن يحملها كما حملته... رجته بروح أبيه ألاّ يفعل.. جلس على كرسيّه القديم.. بدقائق حضر طبق القش مزدحماً بالأطباق الشهيّة ناولته اللقمة الأولى.. وناولها الثانية.. وأكلا.. وشربا.. وتحلونا ونهض ليقبّل الصخرة التي سمّيت القرية باسمها.. دربها للمشاة فقط وَعرٌ.. تحفّه الأعشاب والأشواك على الجانبين... تمتم سعيداً: إنّها درب السماء.. قصرتْ.. بقي القليل منها.. وها إنَّه أخيراً فوق الصخرة... ثبّت قدميه... شدَّ قامته.. رفع رأسه فبدا له أنَّه فوق الجميع.. وأنَّ الوادي السحيق الذي تشرف عليه الصخرة لا يخيفه.. كان في الماضي يتنزّل إليه بطرق خطرة شديدة الانحدار والانعطاف.. أمّا الآن فلديه القدرة أن يهوي إلى الوادي كالنسر بجناحين سريّين.. ثمَّ يرتدُّ متسلقاً أدراج الرياح دون صعوبة أو خطر..اغرورق بالدموع سعيداً وهمس: يرى الإنسان من على هذه الصخرة أشياء كثيرة كانت محجوبة عن عينيه.. وبالمقابل تفقد كثير من الأشياء حجمها المتوهّم وتبدو حقيرة تافهة.. شعر أنَّ أشعّة تخترق كيانه.. وتفتح مساماته.. وتمسح الصدأ وكثافة الهموم من شرايينه ودماغه.. تهادت إليه مواويل الرعيان... ومناجيات العشّاق.. وحدها هيفاء كانت غائبة.. لا صوت ولا صدى.. لا نسائم ولا عبير ولا ندى.. وحين ثنى ركبتيه وجلس على الصخرة متأمّلاً بفيضٍ غامرٍ... أحسَّ أنَّها تتحرّك تحته.. وأنَّ كلَّ ما حولـه يهتزُّ... لعلَّه الزلزال... هذا غير معقول.. فالصخرة كما عوّدته راسخة.. عميقة الجذور يستحيل زلزلتها... ليته يعرف الحقيقة مبكراً... ماذا يمكن أن يحدث.. لم يتبقّ لـه إلاّ هذه الصخرة... وهي الآن على وشك الانهيار... وقبل أن يسقط في الهوّة المظلمة كانت زوجته تشدّه إلى الخلف.. لتخبره أنَّ مدير المؤسسة قد عزل... وعين شاب نزيه... تعهّد بإنصاف كلّ ذي حقّ ومظلمة... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |