|
||||||
| Updated: الاربعاء, آب 17, 2005 12:39 م | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
كومبارس فزّ مرتاعاً من النوم وهو يخبط بين الحلم واليقظة أخماساً بأسداس ويحاول إلقاء القبض على المكان والزمان اللذين وجد نفسه فيهما فجأة دون أن يتوصل إلى لمعة ضوء تشير إلى مخرج قريب ينقذه من هذا النفق.. أين هو الآن؟ وفي أي زمان؟.. أفي بيت أخيه أم في بيت أخته أم في بيت ابنة خالة أبيه.. اشتبكت الأمكنة عليه ودخلت إلى خلاط خفي دار في رأسه وظل يدور ويدوي حتى توقف بعد ثوان وأصدر أمره إلى الدماغ قائلاً: -أنت في بيت أختك الآن؟ -وكم الساعة الآن؟ نظر إلى النافذة فأوحى له ضياء الشمس الساطعة خارجها أنه قد تأخر لا محالة.. قفز من فراشه الممدود على الأرض واستوى واقفاً ثم صاح وهو يرتدي حذاءه على عجل: -كم الساعة الآن؟ فأجابه أحد الأطفال -التاسعة. أمر العمل الذي تسلمه من مساعد المخرج يقضي بأن يكون في موقع التصوير في التاسعة تماماً. -ويلكم.. لماذا لم توقظوني؟ لم يحظ بجواب محدد من أحد.. فقد كانت ملابس أخته مختفية من شماعة الغرفة وأطفالها الضاجون في المنزل يتعاركون باللكمات والرفسات والشتائم، لأن أحدهم قد تأخر في الخروج من الحمام فقام الآخر، نكاية به، بالتبول على حذائه الجديد. إذاً كان صحيحاً ما يقال عن انتهاء مستقر الرجل إلى المكان الذي قطع فيه حبله السري بعد الولادة، فمن المؤكد أن أمه قد قطعت سرته وهو وليد ورمتها في مكوك فضائي. فمنذ أن وعى هذه الدنيا وهو خارج حدود المجال المغناطيسي لأي بيت لا يكاد يستوي في مكان حتى ينتقل منه إلى مكان آخر ولا يعود ينضوي تحت سقف بيت مشغول حتى يتدحرج منه إلى باب بيت آخر أكثر انشغالاً وعندما انهى دراسته الجامعية وأصبح ممثلاً بدلاً من مهندس طائرات، كما كان يحلم أبوه دائماً، خف وزنه إلى الدرجة التي جعلته ينام من بيت إلى آخر بملابس الخروج ودونما حاجة إلى أي شيء يتركه خلف جدران هذا البيت أو ذاك سواء كان ذلك الشيء حقيبة أو بيجامة أو كتاب أو حتى فرشاة حلاقة.. الشيء الوحيد الذي يتأكد من اصطحابه قبل خروجه من أحد تلك البيوت هو أوراق النقود الموجودة في جيبه وهل تكفي للوصول إلى موقع العمل والعودة منه إلى البيت دون الاضطرار إلى الاستدانة من أحد..؟ ولم يكن ذلك يجعله يشعر بالسعادة قط، فقرر، عوضاً عن ذلك، التباهي بكونه ليس أخف رجل في العالم حسب وإنما أكثرهم ثرثرة وإسرافاً في الكلام. خارج الغرفة استقبله نعل طائر عبر المجال الجوي للبيت من غرفة إلى أخرى فاستطاع تحاشيه في اللحظة الأخيرة بعد أن انحرف عنه برشاقة ليدعه يسقط في برميل النفط الموضوع أمام باب البيت مباشرة فإذا كان ذلك النعل، فكر، مصنوعاً من مادة المطاط العالمية الشهيرة فسيكفل له النفط ذوبانه هناك على مهل قبل أن تكتشف أخته فقدانه من البيت. -دفع الله ما كان أعظم قال لنفسه وهو يتذكر فيلماً شاهده في التلفزيون قبل ليال عن سفينة قصفها الألمان في الحرب العالمية الثانية فغرقت في البحر وبعد خمسين عاماً على اختفائها في قاع مياه إحدى الأرخبيلات، لم يعثر الغواصون داخل هيكلها المتآكل، الذي كانت الأسماك تتنزه بين نوافذه إلا على مئات من أحذية الجنود المطاطية. تلفت يمنة ويسرة باحثاً عن سيارة أجرة تنقذه من المأزق الذي وجد نفسه فيه، ولكن الشارع كان خالياً من الجهات الأربع، لا من الجهتين فحسب.. وكأن قراراً بمنع التجول قد أصدره المخرج العولمي عن عمد لينكّل به ويجعله يتأخر عن موعد التصوير فيصبح ضحية سُعاله الديكي وغارات شتائمة المرعبه لهذا اليوم.. قال له أكثر من مرة، وهو يضع إبهامه العريض في عروة قدح شايه البارد، أن يضع مصلحة العمل العليا فوق كل المصالح والاعتبارات، وقال مرة أخرى وهو ينقل قدح شايه من يد إلى أخرى متخلياً فجأة، على طريقة الرجال المهمين جداً، عن عصبيته الشديدة ليتصنع فجأة دوراً شبيهاً بدور الأم: -يا ابني ليس صحيحاً أن الأرنب قد خسر سباقه مع السلحفاة لأنها أكثر دهاء وقدرة على التحمل منه ولكن الصحيح أنها فازت عليه لأنه هو الذي سمح لها بذلك.. فهل فهمت يا طرطميس* ؟ ولم يفهم طرطميس ما قصده المخرج بالضبط من ذلك التحوير المفاجئ على قصة بسيطة ومفهومة يحفظها كل الصغار والكبار عن ظهر قلب فحاول تلافي علامات البلاهة التي ظهرت على وجهه بالنظر، كما ينصح علماء النفس بذلك دائماً، إلى النقطة الواقعة بين حاجبي المخرج متجاوزاً فترة الصمت التي حلت بينهما بالترنم، في السر، ودونما إرادة منه بخاتمة نشيد الأطفال الذي يقول: "نأكل جزر ونأكل خس.. عدونا يلله عدونا... واحد اثنين.. ثلاثة وبس" خلال ذلك نقل المخرج عروة القدح إلى الإبهام الأيمن مرة أخرى ثم زفر هازئاً وهو يقول: -هه.. سلحفاة وتفوز على أرنب.. جئني بواحدة تستطيع أن تفعل ذلك وإن تناولت جميع أنواع المنشطات. ولم يجرؤ طرطميس على أن يضع نفسه موضع السلحفاة كما كان قد فهم من إشارة المخرج أول مرة. ولكن إشارته الثانية جعلته يرى نفسه خارجاً من كهف مظلم مع فوج من السلاحف المدرعة التي تتمايل ذات اليمين وذات الشمال. ولو كان قد شرب الشاي فقط قبل خروجه من البيت لاستطاع أن يتذكر ما هو دوره في العمل الذي سيدفع من أجله كل هذه الكمية من البلاهة والتنطط سراً من نشيد مدرسي إلى آخر دون أن تحاول خلية واحدة من عشرة ملايين خلية في دماغه مساعدته في العثور على مخرج من المأزق الذي هو فيه. عندي، قال في نفسه، دور الطبيب النفسي الذي يقع في حب مريضته المجنونة ثم يمرض بالكآبة بدلاً منها في مسلسل [اثنان على الطريق] ثم عندي دور الشاب المبتلي بتقمص أدوار النجوم البسيطة والمركبة في مسلسل [الأفيال الطائرة] ثم عندي دور الابن الضائع الذي يخرج من السجن ليلقن أباه درساً أخلاقياً رفيع المستوى في مسلسل [من يربي من].. أدوار سماها نقاد الجرائد والمجلات بمقطورات النمط الواحد لأنهم قالوا أنها تتشابه إلى حد اللعنة، هذا ما قالوه حرفياً، ثم عادوا وقالوا أنها تلغوا بنفس المفردات والكليشات وتقدم نمطاً واحداً يجر عرباته على خطين متوازين لا يلتقيان ولا يتقاطعان ولا يبتعدان الواحد عن الآخر.. وعندما قال له مخرج حديث أكمل دراسته العليا في دولة اشتراكية آفلة أنك قد أصبحت مصاباً بالإسهال صام صام، ثم قرر أن تكون أدواره كالاسعافات الأولية التي يقدمها رجال الإطفاء للمصابين مهمة.. ولكن بلا كلام كثير. النعل الطائر الذي أخطأ رأسه الشامخ قبل قليل يعني أن اليوم جمعة ويوم الجمعة هو يوم عطلة المدارس وموقع التصوير، تذكر فجأة، سيكون في مدرسة قديمة ذات طراز تراثي مصان بشكل جيد.. حيث، يا الله، سيقتحم مجلساً من مجالس العلم يضم شيخاً مع طلابه الجالسين على الأرض متفوهاً بجملة واحدة فقط يقولها لاهثاً وهو يندفع إلى شيخ المجلس: -التتار قادمون. وماذا سيقول أيضاً. -ممنوع الوقوف هنا التفت إلى مصدر الصوت فوجد شاباً بملابس مدنية يرتدي حزاماً جلدياً أسود اللون وتبدو عليه علامات الأهمية. قال الممثل: -أنا أقف هنا كل يوم. قال الشاب: -هكذا هي الأوامر.. ابتعد قليلاً عن هذا المكان "أوامر من "قال الممثل لنفسه.. لا يوجد في المكان جدار عال أو أسلاك شائكة أو مقطورة حراسة أو أية علامة تشير إلى وجود بناية مهمة تستدعي هذا المنع. كانت هناك فقط ساحة كبيرة مليئة بالأنقاض والأزبال يجاورها صف من البيوت المسكونة بالناس البسطاء يقابله من الجهة الخرى خلاء صفصف لا تشغله غير الأشواك وأجمات العاقول. ابتعد عن المكان ممتثلاً لأوامر غريبة غير متيقن من مدى جديتها وهو لا يشعر برغبة في الاعتراض عليها لأنه تذكر، وهو ينظر إلى الحزام الجلدي الأسود للشاب الذي منعه من الوقوف، بأنه بعد أن يقول جملته الأولى: -التتار قادمون سيخلع عنه جلبابه وعمامته وخفه المصنوع من جلد الأيائل ويسلم رأسه للماكيير العجوز ليضع عليه جدائل متسخة وشاربين متباعدين ويجعله يرتدي صديرياً مصنوعاً من فروة خروف أسود فيصبح جندياً في جيش التتار يركب حصاناً أبيض ويتفوه بجملة مفردة أخرى تقول: -هذا هو ابن تيمية. ولم يجد المخرج ضرورة قصوى في استئجار حصان حقيقي من أجل مشهد لا يستغرق سوى ثوانٍ معدوات، فجعل الممثل يقول تلك الجملة وهو يقف تحت شجرة توت مزروعة في باحة صغيرة تتوسط المدرسة ويستخدمها حارسها لتربية خمس دجاجات وديك حسن الصوت.. أضطر المخرج إلى تكميم منقاره بوشاح أصفر كان مساعد المخرج يلف به عنقه، لكثرة ما كان يقاطع الممثلين بصياحه الأهوج بين آونة وأخرى. اللقطة كانت مقرّبة جداً تستعيض عن طلاقة الصحراء وسكونها بقن لتربية الدجاجات الخمس وعن صهيل الخيل وإيقاع سنابكها بالمؤثرات الصوتية الجاهزة.. إذ لم يعد المخرجون الواقفون على سطوح المنازل وهم يتطلعون إلى الأقمار الصناعية، يدققون في هذه التفاصيل كثيراً.. ربما ضغطاً للنفقات التي أرهقت الواقفين على سطح الأرض.. وربما جزعاً من الإطراق ملياً لما يتركه الأجداد للأحفاد من صوت خفي راح يبدده فضاء بارد. ولكن طفلاً واحداً رأى نفس الممثل مرة يحذر العرب من التتار ومرة أخرى يدل التتار على إمام من أئمة العرب ليذبحوه، قال لأبيه: -بابا.. أليس هذا هو نفس الرجل الذي حذر ابن تيمية قبل قليل من التتار. قال الأب: -نعم.. إنه هو. فقال الطفل: -هل هو خائن يا أبي؟ ابتسم الأب لابنه بأسى ثم قال: -كلا يا ولدي.. إنه كومبارس. 1999 * طرطميس: عاميه عراقية بمعنى الأبله *** |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |