رومانس - ميسلون هادي

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: الاربعاء, آب 17, 2005 12:39 م
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

بداية ليل

هب الهواء العالي.. فتطايرت الأوساخ والخرق والقصاصات من كل شكل ولون واصطفقت سعفات النخيل بأسلاك الكهرباء واهتزت أعمدتها الراسخة في الأرض بشكل مترجرج وداك. انتشر غبار أحمر في الجو عكر صفو الغروب وأحال الجو إلى لون خابط كالرماد. وعندما لاحظ الأطفال المنتشرون في الزقاق اهتزاز أعمدة الكهرباء سبتوا في ذهول تام لعدة لحظات ثم أفاقوا من ذهولهم على ضحكات صغيرة أطلقها بعضهم لقهر الخوف والتردد، ثم سرعان ما فعلت مفعولها السحري في خلعهم منه وأعادتهم إلى ما كانوا عليه من هياج ومرح.. انفعالهم أصبح شديداً مع اشتداد الريح وغشيان الغبار الأحمر لوجوههم وعبث المحاولات التي قاموا بها لمنعه من الدخول إلى أفواههم وأنوفهم أو التعلق برموشهم وغرر رؤوسهم. اشتعل برق مفاجئ في السماء تبعته زمجرة شديدة ارتعد لها الأطفال شاهقين، ثم هاجوا وماجوا بعدها باضطراب شديد واصطدموا بعضهم ببعض متراكضين في كل اتجاه... منادين أسماء بعضهم بصوت عال دونما حاجة حقيقية أو ملحة. في أقصى درجات الخيال كانوا وهم يهيصون متمردين على صيحات أمهاتهم للدخول إلى المنازل اتقاء للعاصفة. أما الصغيرات، اللواتي لم يعجبهن ذلك الهياج الأحمق، فقد أدرن ظهورهن لسخف الأولاد وثورانهم ووقفن في وجه العاصفة الترابية واضعات أكفهن الصغيرة على وجوههن ومغمضات أعينهن بقوة لئلا يجرحها الهواء بغباره متظاهرات بالضيق والانزعاج من حره اللافح اللاهب، والحق أنهن كن يتضاحكن في سرائرهن لأن الهواء العالي يدفعهن إلى الخلف ويجعل فساتينهن ترفرف كالأعلام فينعمن بدقائق من الوقوف في مهب الريح حقيقية تشبه تلك التي تعبث بخصلات سميرة سعيد، ولطيفة التونسية، وأصالة نصري وهي تنطلق من مراوح عملاقة خفية ثم تدهم وجوههن الجميلة في الأغاني التي يعرضها التلفزيون.‏

اشتد الهواء أكثر وازدادت غبرته وحمل معه مزيداً من الأوساخ والنفايات وأوراق الأشجار وراحت أكياس النايلون الفارغة وقصاصات الورق الفضي الملّوث ببقايا الكاكاو المتيبس تشيل نفسها ثم تحطها على الأرض بقوة وهي تدور في دوامة تلك العاصفة المفاجئة التي ثارت بلا تمهيد أو توقع.‏

كررت الأمهات صيحاتهن على الأطفال للدخول إلى المنازل، فدخل بعضهم راكضين بالفعل ليس لكي يلوذ بمكان آمن أو مظلل وبعيد عن التراب... ولكن لكي يجلب دراجته الهوائية أو غترة أبيه أو نظارة أمه الشمسية ثم يعود بها إلى الشارع ليغترب بتماد أكثر مع تلك العاصفة الهوجاء التي بدت لهم أقرب إلى الخيال السينمائي منها إلى الحادثة الحقيقية. وبعثرت طفلة محتويات خزانة كاملة بحثاً عن وشاح وردي من الحرير مزين بشراشب من الخيوط الطويلة الملضومة بالنمنم. وبالرغم من حرارة الجو، إذ كان الجو أياراً فقد انطلق طفل آخر إلى الطابق العلوي لبيتهم كالقذيفة وانقلبت غرفة أخيه، الذي لم يكن موجوداً فيها، رأساً على عقب لتنفجر عن حذائه الرياضي ذي الرقبة العالية واللسان الجلدي المنفوخ الذي يظهر من بين أربطة الحذاء وكأنه إصبع متورم. وعلى هذا المنوال أخرج الأطفال من بيوتهم مناشف صغيرة وشراشف وشفقات ونظارات شمسية متخيلين العاصفة الهوجاء عدواً سينمائياً ينازلهم وأن عليهم أن يبذلوا جهوداً خارقة للتغلب عليه وصد هجماته.‏

ولسبب ما، لا علاقة له بالسينما، اعتقدوا أن تلك المناشف والشراشف والأمتعة والكوفيات هي أسلحة مبتكرة تناسب ذلك النزال.‏

يئست الأمهات من سحب أولادهن من تلك المعركة الوهمية مع العاصفة ولذن بالغرف والمطابخ يكفكفن ستائرها ويحكمن إغلاق نوافذها وينظرن بين الحين والحين إلى أولادهن من خلف الأبواب ليتأكدن من أن كل شيء مع ذلك الجنون المفاجئ الذي حل بهم، يجري على ما يرام. مدت إحداهن رأسها وقالت:‏

-ماما.. ابتعدوا عن الكهرباء.‏

فقال لها ابنها وهو يتحدث مثل رجل آلي:‏

-طارت الشفقة* ">* .. سألحق بها.‏

ثم تدحرجت الشفقة باتجاه ساق شجرة نارنج كثيفة الأغصان مزروعة على الرصيف واستقرت عند أسفلها في الوقت الذي كانت تحاول فيه حمامة فاخته أن تقلع من على أغصانها العالية فيدفعها الهواء إلى الخلف ليعيدها إلى مكانها على الغصن. عادت الشفقة وتحركت من مكانها مع سورة هواء جديدة ثارت في الزقاق فكرفت كل الأوراق الهامدة من مكانها وحركت سعف النخيل بشكل‏

أهوج فقدح، بعد احتكاكه بأسلاك الكهرباء، برعد مكتوم وشرر.. ثم هدأت السّوْرة تماماً.‏

كان الليل قد حل.. وانقطاع التيار الكهربائي جعل ظلامه يبدو حالكاً بوضوح داخل البيوت إزاء الضوء الشحيح الذي كان لايزال متبقياً خارجها. المرأة التي مدت رأسها قبل قليل قالت لها جارتها:‏

-يبدو أن العطل في زقاقنا فقط.‏

فلم ترد المرأة إنما قالت لطفل قريب منها:‏

-مروان ذهب خلف الشفقة.. هل تراه.‏

قال الطفل على عجل:‏

-نعم.‏

قالت الأم:‏

-ناده.‏

ثم نظرت باتجاه شجرة النارنج.. فرأت الحمامة المذعورة وقد عادت واستقرت على غصن الشجرة متخلية، فيما يبدو، عن فكرة الطيران.. الكثير من الأطفال تخلو عن قبعاتهم وأقنعتهم ودرّاجاتهم الهوائية بعد أن هدأت العاصفة.. وعادوا يصارعون الظلام الذي أخذ يحل في الزقاق بأسلحة جديدة مستقطرة من بقايا خيال متعب استهلكته تلك العاصفة المثيرة فلم يتمخض هذه المرة سوى عن أفكار معقولة في غاية الواقعية. خرجت الأم من خلف الباب وقالت تتأكد:‏

-مروان معكم؟‏

قال الأطفال:‏

-نعم. إنه هنا.‏

قال أحدهم:‏

-أنا.. هنا.‏

الرجال الذين كانوا يعودون من مشاغلهم للتو، أخذوا يتسربون إلى الزقاق ويقفون فرادى في أبواب منازلهم هاربين من الحر الشديد إلى حر أشد. أما الأطفال فاستمرؤوا البقاء على الرصيف حول الشموع القليلة التي أوقدوها طلباً للمتعة أكثر منه للضوء.. كانت مختلفة الأشكال والألوان شبعوا من النفخ عليها وإيقادها من جديد مترنمين في كل مرة بعيد ميلاد سعيد لواحد منهم. ولما انتهوا من ترديد أسمائهم واحداً بعد الآخر أصابهم التعب ولم يعثروا على فكرة أفضل يدحرون بها الملل سوى التحلق حول الشموع وإلقاء نفس الحزورات التي حفظوا أجوبتها عن ظهر قلب بعد أن يئسوا من العثور على حزورات أخرى تستحق أن تذكر في جلسة استثنائية كتلك التي ضمتهم على الرصيف:‏

* ">* ماهو الشيء الذي له أسنان ولا يأكل؟‏

-المشط‏

* ">* ما هو الشيء الذي له عين ولا يرى؟‏

-الإبرة.‏

* ">* ماهو الشيء الذي له لسان ولا يتكلم؟‏

-الحذاء.‏

* ">* ماهو الشيء الذي له أرجل ولا يمشي؟‏

-المنضدة.‏

* ">* ماهو الشيء الذي له ظهر ولا يحكه؟‏

-الكرسي.‏

* ">* ماهو الشيء الذي له فم ولا يضحك؟‏

الرجال الذين كانوا يحادثون بعضهم البعض عن بعد خضعوا لخبطة الظلام الدامس فاقتربوا من بعضهم البعض وشكلوا أكثر من حلقة وراحوا يتحدثون... أصبح الزقاق مليئاً بالأصوات والحدائق مليئة بالنسوة والفتيات.. مع ذلك فلو أتيح لأحد ما أن ينظر من مكان عال إلى ذلك الزقاق لوجده على شكل أخدود أسود مظلم يوحي بأنه خرابة خلاء متروكة داخل شبكة من الأحياء المضاءة والعامرة التي تجاوره وتحيط به من جميع الجهات. كان مروان لا يزال يندفع إلى رأس أمه بين الحين والآخر على شكل خاطر بارق فتخرج إلى الرصيف لتجده جالساً مع أصدقائه حول الشموع ثم ينظر إليها صامتاً بوجوم وكأنه يفكر.‏

قال أبوه لمجموعة الرجال:‏

-أعطوني مسماراً كبيراً.. سأصعد بنفسي لإصلاح الخلل.‏

قال رجل آخر:‏

-لا.. لا.. لا تعرض نفسك للأذى... سيقومون بإصلاحه بعد قليل.‏

قال أبو مروان:‏

-الخلل ليس في المحولة الرئيسية.. ثمة شورت حدث في شارعنا فقط.. سأقوم بإصلاح الفيوز الذي ضربته العاصفة فعطلته.‏

قال الرجل:‏

-لا تفعل ذلك.... اتصلنا بالهاتف وسيأتون لإصلاح الخلل.‏

قال أبو مروان:‏

-الساعة تقارب العاشرة.... ولم يأت أحد.. لعل سيارة التصليح غير موجودة.‏

قال الرجل:‏

-قالوا أنهم سيبعثونها.. لننتظر قليلاً.‏

مازال مروان ينقل بصره بين الشموع وبلاط الرصيف. وكان يشعر أنه في تلك اللحظة يقوم بالنظر إلى الشموع بشكل مقلوب... أي من عينيه إلى داخل رأسه وليس من عينيه إلى الخارج: ليبحث من ذاكرته عن شيء فاته أو ضاع منه.. كان منفياً عن ذلك الملل الأظلم يبحث في ذاكرته عن شيء حدث أو وشيك الحدوث.. بينما الأفواه مازالت تلوك نفس الحزورات التي عُلكت طويلاً حتى أصبح طعمها باهتاً في الفم. الوقت يقارب الحادية عشرة ليلاً...‏

والرجال لا زالوا ينتظرون سيارة التصليح بعد أن صرفوا النظر عن فكرة تصليح العطل بمسمار كبير... وبدون عشاء نامت النسوة على الأرائك والفرش الممدودة على الأرض بعد أن يئسن من مشاهدة المسلسل التلفزيوني الذي كانت حلقته الأخيرة، ستعرض في ذلك اليوم، أما الأطفال، الذين أصبحوا في مأمن من غضب الأمهات بحكم انتشار آبائهم في الزقاق، فقرروا أن يكفوا عن إلقاء الحزورات ويعودوا إلى الترنم بعيد ميلاد سعيد لكل واحد منهم بعد أن ذابت الشموع وأوشكت على الانطفاء.. ولم يكن بمقدورهم إيقاد بعض تلك التي أطفؤوها، مرة أخرى لأن شمعها الذائب اختلط بفتائلها وماع على الأرض... فأطبقوا على ما تبقى من شموع صغيرة لا زال فيها بعض النفس، أطبقوا عليها بالنفخ والإيقاد ملتفتين إلى كل واحد منهم، يتردد اسمه في أغنية عيد الميلاد، بالضحكات صائحين عليه بشكل أهوج لينهض ويدخل إلى بيته لينام.. وهكذا اسماً بعد آخر بعد آخر.. شمعةً بعد أخرى بعد أخرى... والرجال الذين ملوا من الثرثرة بانتظار سيارة التصليح، تسربوا واحداً بعد الآخر إلى منازلهم وأغلقوا الأبواب جميعها وساد صمت عميق في الزقاق.. صمت سادر وعريض مديد.. فيه فراغ صاخب حل محل وشيش المصابيح الكهربائية التي لم يعد لها وجود على الجدران... صمت وجيز مؤقت لم يقطعه سوى صوت أم مروان وهي تمد رأسها من خلف الباب بعد قليل لتنادي:‏

-مروان.‏

* ">* شفقة: عامية عراقية بمعنى قبعة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244