|
||||||
| Updated: الاربعاء, آب 17, 2005 12:39 م | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
يــــدان كل يوم يحار بهما "يديه" لا يعرف أين يضعهما وهو ينام.. أيشبكهما على بطنه كمن يصلي أم يضعهما تحت رأسه من الخلف أم يعقدهما على جبهته...... أتحت اللحاف أم فوقه.. أيسبلهما على جنبيه؟ أيكتفهما فوق صدره؟ يضايقه هذا الوجودان الأمغوانيان اللذان يلتفان عليه في الليل ولا يعرف أين أو كيف يتخلص منهما..... ويظل هكذا حتى ينام. قال لنفسه: -سأشلعهما وأنام. وفي الصباح أرتديهما ثانية. وراقت له الفكرة كثيراً... وبدت له أيدي مثل أيدي الدمى تخلع وتلبس متى شاء الإنسان، فكرة عملية جداً واقتصادية أكثر في صناعة أسرة وملابس النوم وربما علمية وعبقرية لتنظيم النسل في المستقبل والحد من الانفجار السكاني الذي يتهدد العالم فهاتان اليدان تنموان في الليل وتشاكسان الأماكن الخفية وتتحولان إلى أغرب المخلوقات وأكثرها إزعاجاً.. ولو لم يكن الأمر كذلك لما قضى ليلته مؤرقاً وهو يفكر بأن كل أيدي الكائنات الأخرى هي أطراف للمشي أو الجري أو التقاط الثمار أو اقتناص الفرائس إلا أيدي الإنسان فهي: تصافح وتلوح وتكتب وتأكل وتغسل وترسم وتنحت وتزرع وتصبغ وتكوي وترمي وتكنس وتمسح وتطبخ وتدفع وتسحب وتسرق وتضرب وتلكم وتربت وتلعب وتحمل وتبني وتهدم وتصفق وتعد النقود وليس أقل من ألف عمل يمكن لليدين البشريتين أن تقوما به فهل هناك أكثر حاجة منهما إلى فترة راحة تكفان فيها عن العمل؟ انقلب الرجل مرة أخرى ووضع يده تحت رأسه من الخلف وقال لنفسه: -نعم تحتاج. ثم تخيل مشجباً مديداً للأيدي في ثكنة ينام فيها الرجال بالعشرات.. هنا يستوجب الأمر، فكر الرجل الذي جافاه النوم، أن توضع الأيدي تحت أسماء أصحابها لئلا ينهض أحدهم في الصباح فيرتدي يدين غير يديه... فيأخذ الرسام مثلاً يد الصباغ... والجراح يد القصاب.. والنحات يد النجار.. والتاجر يد الحرامي.. والشاعر يد العرضحالجي.. والعازف يد الحداد.. والقاضي يد القاتل.. والخزاف يد الخياط.. وطبيب الأسنان يد الحلاق.. والمعلم يد الشرطي.. أو، ربما، تعلم كل واحدة منها بوشم خاص يصعب تزويره لكي لا تتخابط الأيدي فيختلط الحابل بالنابل. -إذن نخلعها وننام. قال الرجال لنفسه ثم مد يديه إلى أمام وخلع اليسرى باليمنى... أيقظ زوجته وطلب منها أن تخلع له اليد الأخرى بعد أن لم يعد بمقدوره أن يفعل ذلك... نهضت زوجته من النوم فوجدته بيد واحدة ولم تبد استغرابها أو خوفها من الأمر بل ظنت أن ذلك من عمل الماكيير باعتبار أن زوجها يعمل في فرقة مسرحية ولا يعود إلى البيت كل يوم وهو في مثل هذه الحالة أو في حالة أمر منها وأشد غرابة. عادت إلى النوم وهي تقول: -كم الساعة الآن؟ ثم غطت في النوم قبل أن تسمع الجواب.. حاول أن يخلع يده الثانية بقدميه ولكنه لم يفلح.. وضع يده اليسرى جانباً ونام.. وأثناء نومه حلم بأن مدير الفرقة التي يعمل فيها قد جاء في الليل وسرق يده اليسرى.. ثم أخذها إلى غرفة أمين الصندوق وفتح بها الخزانة وسرق مافيها من أموال تاركاً بصمات تلك اليد على الخزانة. نظر له القاضي بوجه شائخ ومتورد يشبه وجوه القضاة المسنين في المسلسلات الإنجليزية وقال له: -ماذا تقول؟ قال الرجل: -كنت نائماً عندما سرقت يدي. جوبه بقهقهات عالية من أفواه الجالسين في قاعة المحكمة، بينما وجه المدعي العام كان يبتعد ويقترب منه أثناء الضحك وكأنه يفعل ذلك من خلال حركة زوووووووم تصويرية تشفط الوجه ثم ترميه بشكل خاطف ومتناوب لتتركه يدور مذعوراً بين زوايا قفص الاتهام دون أن يتمكن من الانزواء إلى زاوية آمنة فيه أو الاطمئنان إليها في مكان أصبحت قضبانه مفخخة بحيث تتعوج أو تتفوه أو تتجوف أو تتجعد أو تتموج أو تتحول فجأة إلى قفص معلق في فضاء موحش ورهيب. قال للقاضي: -سرقوا يدي عندما كنت نائماً. فقال له المدعي العام وفمه لازال يبتعد ويقترب: -لا تخلعها بعد اليوم. ثم انقلب إلى زوجته وأيقظها وطالبها أن تساعده بالبحث عن يده اليسرى التي خلعها قبل قليل. أطلقت الزوجة آهة كل يوم ثم زمجرت بصوت مكتوم فصاح بها بعصبية: -قومي... ابحثي عن يدي... لقد قلت للقاضي بأني لن أخلعها بعد اليوم. تمتمت الزوجة وهي تنقلب إلى الاتجاه الآخر وتواجهه بظهرها: -العرق بلاش..................... عقلك هم بلاش. *** |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |