رومانس - ميسلون هادي

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: الاربعاء, آب 17, 2005 12:39 م
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أقراص السعادة

اشتعلت الإشارة الحمراء فتوقف. لوى عنقه إلى اليمين وإلى اليسار وكأنه يبحث عن شيء ما فاته أو ضاع منه.. ولم يكن يبحث عن أي شيء.. كان فقط يريد التخلص من ذلك الإحساس الممض الذي ينتابه منذ الصباح.. الإحساس بفقدان الأمل والضيق والرغبة في ترك كل شيء وراء ظهره والمضي وحده بلا هدف ولا مشاعر ولا مسؤوليات.. إلى مكان فارغ فراغاً مطلقاً.. إلى فضاء ليس فيه أحد... إلى أفق ليس فيه شيء.. تنهد بعمق وراح يتشاغل عن طول الوقت.. الذي استغرقته الإشارة الضوئية بالنظر إلى عينيه في المرآة فتحهما على سعتهما وهو يرفع نفسه إلى أعلى ليقترب أكثر من مكان المرآة. ثم فتح فمه بما يشبه الابتسامة ليتأكد من نظافة أسنانه.‏

منذ زمن طويل وأصدقاؤه يقولون عنه أنه قادم من كوكب آخر بعيد جداً بمسافة ملايين السنين الضوئية عن كوكب الأرض ولكن أهله يمتلكون القدرة على السفر بين الكواكب بسرعة لا يعرفها أهل الأرض.. كوكب لا مكان فيه للكراهية والغيرة والحسد.. ساكنوه كالملائكة بلا أهداف وقلوبهم كالماء بلا لون ولا طعم ولا رائحة.. وكانوا يقولون عنه أيضاً أنه الآن يجلس على حافة كوكبنا الأرضي بانتظار أن يعود أهله ذات يوم لاصطحابه معهم إلى كوكبه الوطن.‏

كان يفكر وهو خلف المقود كم هي طويلة فترة التوقف.. طويلة جداً.. ثم فكر أيضاً في أن يسترخي ويتأمل شيئاً ما لعله يشخص أمامه موضوعاً يصلح لأن يتحول إلى تفصيل ثانوي للوحة من لوحاته. ثم فكر أن ضيقه وضجره يتساقطان على روحه كذرات الغبار ويدفنان أي رغبة لديه بتأمل أي شيء.. ثم ماذا يتأمل؟ ولماذا؟ لقد انتهت به دهور من التأمل إلى الصمت.. وانتهى به الصمت إلى اليأس.. وعندما تساقطت الثوابت أمام عينيه كالورق اليابس انتهت به استحالة بلوغ اليقين إلى الحزن ثم إلى الكآبة ثم إلى مزيد من الصمت.. لمح طفلاً يراقبه من سيارة مجاورة ويضحك.. فأقفل فمه وعاد إلى جلسته الطبيعية خلف المقود.‏

اشتعلت الإشارة الخضراء فمضى إلى أمام وهو يتساءل بلا قصد منه ترى من هو البطل؟!! من هو من؟! عاد وسخر بقصد من تلك الفكرة التي هاجمته واستسخفها.. ولكن السؤال ظل يراوغه ويلح عليه ويقطع عليه كل محاولة قام بها لإزاحته من رأسه. ترى ماهو الصحيح الآن؟ ومن هو البطل؟ أهو من ينظر إلى العالم من شبابيك زائفة أم هو من يعيش في ذلك العالم بقلب مسموع وصوت مسموع؟!! اللعنة.. عاد وفكر.. أي بطل وأي صواب.. ألم يقل فؤاد التكرلي في رجعه البعيد أن فرويد وزبال في خرنابات سيتساويان في النهاية.‏

ولكن هل قال التكرلي هذا فعلاً؟!!‏

كان قد حسم أمره بعد تردد.. وخرج من البيت في نوبة حزن شديدة ليبتاع أقراصاً من الدواء الجديد وهو لا يصدق أن امرأة عاطلة عن الجمال يمكن لها أن تسبب له كل تلك التعاسة وكل ذلك الجنون.. تبدو أقداره الآن وكأنها مرسومة ومرتبة لكي يراها ويتعلق بها ويهيم بها وينشغل بحبها عن كل شيء آخر في حياته.. يخيل إليه أحياناً أنها لم تكن سوى محض وهم... محض فشل.. محض سراب.. وأن أوقاته معها كانت محض أشياء لم تحدث.. ولكنه يعود ويتأكد بعد قليل أنه غير واهم.. وأنه رأى النجوم في عز الظهر بسبب ابتسامة عابرة من عينيها.‏

لم تكن جميلة ولا ساحرة.. كانت فقط تستطيع أن تبتسم من دون أن يتحرك فمها. وأن تلزم الصمت عشر سنوات إذا ما جرح أحدهم إحساسها بكلمة. كان قبلها يفكر بأن الجروح، كل الجروح، إذا ما تركتها للصقيع فإنها ستلتئم ويتخثر دمها من تلقاء نفسها على أن لا يجللها أحد بحرارة الأوهام والتوقعات والوعود.. أما بعدها فلا شيء أصبح سليماً ولا شيء معافى.. إفراط غيابها قتل كل شيء جميل في الحياة وحوله إلى فانتازيات سادية تصلح لرسم لوحات أوريجينال خالدة.‏

أراد أن يضع شريطاً لخاتشودريان في المسجلة ولكنه عدل عن ذلك ومد يده إلى راديو السيارة وأداره قالت له مرة:‏

-لماذا تستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية فقط ولا تقرأ إلا الأدب الأجنبي. جرب أن تسمع (جذاب) لطالب القره غولي أو (حن) لياس خضر.. أنهما أفضل من كل سيمفونيات العالم.. جرب أن تقرأ قصة واحدة لفؤاد التكرلي أو محمد خضير أو جليل القيسي.. جرب.. وأؤكد لك أنك لن تخسر شيئاً.‏

قلت لها:‏

-سأجرب:‏

ولكني لم أجرب ذلك فعلاً إلا بعد أن رحلت. وهي معي كنت مهووساً بما أحبه.. وبعد أن رحلت أصبحت مهووساً بما كانت تحبه وتتولع به ونتحدث عنه دائماً.. أصبحت ألاحقها في كل ما كانت تسمعه من أغان وما كانت تقرؤه من قصص.. أصبحت أرتاد كل محال التسجيلات الغنائية لأشتري أشرطة لوحيدة خليل وسعدي الحلي وعباس جميل وياس خضر ورضا علي ورياض أحمد وهيثم يوسف.. وأزور المكتبات لأشتري كتباً بالعشرات لأدباء محليين لم أكن أفكر، ولا حتى في الحلم، أن أقرأ لأحد منهم فيما سبق.. الغريب أن هذا كله كان يعزيني ويطيب جروحي فعلاً.. فبين كل جملة وجملة كنت أعثر على "حنين" وأذكرها.. وبين سطر وسطر كنت أحادثها وأناقشها وأضحك معها أحياناً.. وعندما يجن الليل وآوي إلى فراشي لكي أنام كنت أختار الأغاني على مزاجها وأضعها في المسجلة التي قرب رأسي.. وأروح أغني لها كل كلمة كانت تحبها وكل جملة وكل مقطع.. يا إلهي.. لقد جننت بها من دون أن أعلم.. بل كنت أعلم أني سأجن بها ذات يوم ولكني لم أكن أعلم أني سأجن أيضاً بمن تحبهم أجمعين: رضا علي وعباس جميل ووحيدة خليل ورياض أحمد ويوسف عمر وهيثم يوسف والغزالي والقبانجي والفروه جي والقره غولي والحلي والتكرلي والركابي والدليمي والقيسي والربيعي والعبادي والجبوري والناصري والبصري والسياب والنواب.‏

كانت تسميهم أخوتها في الجمال.. وكانت تقول أن الأخوة يجب أن يحبوا بعضهم بعضاً حباً جماً حتى لو كانوا من الغجر.. فكيف إذا كانوا من عشاق النيازك والشموس والفراشات‏

-أهل الحب صحيح مساكين.‏

غنى لها ذات يوم (حكيم عيون) بصوته الرخيم مقلداً النبرة الأصلية المفخمة لصوت محمد عبد الوهاب وعندما قال لها:‏

-والشخص دة شايفاه دلوقت قدامك؟‏

كان يريد أن يطرح سؤالاً حقيقياً بلا تمثيل.. فقالت له:‏

-بالطبع لا.‏

ثم تصنعت في غنج راقية إبراهيم ودلالها وقالت له:‏

-يامحسن يامحسن.. بونجور يا محسن.‏

يقولون أنها الآن في واحدة من ثلاث: السويد أو نيوزليندة أو اليمن. توقفت السيارة مرة أخرى فقال لنفسه: "ترى ماهو الشيء المشترك بين السويد ونيوزليندة واليمن؟‏

-التفاح مثلاً.‏

-أو الموز.‏

-أو راقية إبراهيم؟‏

سؤال فكر أن يطرحه بجدية على الصيدلانية التي هبط من منزله ليبتاع منها تلك الأقراص الجديدة التي ملأت شاشات التلفزيون وشغلت الناس طيلة الأيام التي استغرقتها ضجة طرحها إلى الأسواق التجارية.. والتي مازالت محدودة التداول غير مرغوب بها بالرغم من أنها اجتازت مرحلة التجارب المختبرية ودخلت التصنيع الصيدلاني الواسع شأنها شأن الأسبرين والبروفين والتتراسايكلين.‏

لعل الصيدلانية بعد سماع السؤال لن تحتاج إلى ما يؤكد أحقيته في ذلك الدواء.. سيكتفي فقط بطرح ذلك السؤال ولن يخبرها بأنه رسام مشهور أخذ يبيع لوحاته في الآونة الأخيرة بالعملة الصعبة وأنه يقضي أيامه في بحبوحة من العيش ويملك بيتاً به مرآب وسيارة وماكنة لعصر الجزر.. هل يسألها أيضاً ما هو الشيء الذي لا يباع بعد العصر.. لا.. لا هذا السؤال سيجعله يضحك وقد تدمع عيناه من شدة الضحك على سؤال سخيف كهذا.." ولكن لم لا، لم تعد السخافة مضحكة..‏

سأسألها فعلاً ماهو الشيء الذي لا يباع بعد العصر".‏

قالت:‏

-البرتقال:‏

قال:‏

-كلا.‏

-الطماطة‏

-كلا.‏

قالت:‏

-ماذا إذن‏

قال:‏

-أنا.‏

ابتسمت الصيدلانية بلطف وبانت له أسنان منضدة وجميلة ومصنوعة بطريقة ساحرة. قال محمد عبد الوهاب:‏

-بصراحة أنا مش شايف أسنان أنا شايف صفين لولي!‏

"حنين لم تكن أسنانها جميلة.. ولكنها أجمل من تلك الصيدلانية مليون مرة.. كنت أتعمد إضحاكها لمجرد أن أَراها تضحك.. لمجرد أن أراها تبتسم من دون أن يتحرك فمها.‏

كان يكفي لأن أنظر إليها لكي أشعر بالسعادة.. لأن أنتظر قدومها لكي أشعر بالسعادة أو أسمع وقع خطواتها على بلاطات الممر فأستند إلى أقرب مقعد لكي لا يغمى علي من فرط السعادة.‏

سألتني ذات يوم:‏

-هل أن خطواتي جميلة؟‏

ولم أجرؤ على الكذب عليها... فأخبرتها أنها تمشي مثل قائد كردوس مبتدئ في استعراض عسكري.. ولكني مع ذلك كنت كلما سمعت وقع تلك الخطوات على الممر قادمة نحوي أشعر أن قلبي يسقط إلى هاوية من السعادة".‏

-ولكن فعلاً ماهو الشيء المشترك بين اليمن ونيوزلندة والسويد؟‏

ابتسمت الصيدلانية ابتسامة عريضة جداً تكفي لابتلاع رقبة جمل هذه المرة. فقال محمد عبد الوهاب.‏

- أنت لازملك جواهرجي مش طبيب أسنان‏

ثم عاجل أفكاره المتلاحقة تلك بضربة قاضية‏

وبادر الصيدلانية بجملة حاسمة:‏

- أريد أقراص السعادة‏

لم تكن الصيدلانية في شك بعد كل تلك الأسئلة الغريبة التي سمعتها بأنه يحتاج إلى عون فسألته:‏

- هل تعرف شروط تناول الدواء؟‏

قال لها:‏

- كلا‏

قالت له:‏

- الجرعة الأولى ستسبب لك نوبة مرح شديد جداً أو رغبة في الضحك بصوت عالٍ.. يستحسن أن تأخذها وأنت وحدك‏

كاد أن يبتسم ولكنه لم يفعل. قال:‏

- وبعد ذلك؟‏

قالت:‏

- بعد جرعتين أو ثلاث سيتحسن الوضع.. ستشعر فقط بالرغبة في اللهو.. وبحب شديد للحياة.. والاندماج في جميع مباهجها وملذاتها.‏

قال:‏

- هذا حسن‏

قالت:‏

- بعد الانتظام في تناول الأقراص ستنسى كل أحزانك القديمة.. والأفكار السود التي كانت تسبب لك التعاسة.. حتى الأذى سيمر دون أن يسبب لك الكثير من الألم.. ستكون سعيداً باختصار.‏

"الأفكار السود؟ ما هي إلا فكرة واحدة تسبب لي أشد الحزن وأكبر التعاسة.. حنين.. التي أخذت قلبي من مكانه وزرعته في مكان آخر.. فهل سأنساها مع أفكاري السود وأحزاني القديمة"؟؟‏

قالت له الصيدلانية‏

- نعم بالتدريج‏

ثم ناولته قنينة الأقراص وقالت له:‏

- ستشعر بالتجدد التام.. وبالرغبة في نسيان كل فشل مر في حياتك.. وفي ضرب كل مصائب الحياة عرض الحائط‏

"هو حزن واحد.. وفشل واحد.. ومصيبة واحدة هي حنين.. فهل سأضرب بها عرض الحائط.‏

- ثمن الدواء‏

صمت ولم يفعل شيئاً.‏

- عفواً أستاذ. الثمن رجاء‏

القنينة جميلة.. تخرخش بها الأقراص بطريقة ملونة ومرفهة..‏

- ألن أتعذب من أجلها بعد ذلك؟‏

- ستنساها.. وستبدأ من جديد‏

ثم ضحكت وقالت وهي تتناول النقود من يده.‏

- ولكن ما هو الشيء المشترك بين اليمن والسويد ونيوزلندة؟‏

أراد أن يبتسم ولكنه لم يستطع.. قالت وهي تغلق درج النقود بيدها وتقف متاهبه لسماع الجواب:‏

- ها؟ ما هو الشيء المشترك؟‏

قال لها وعيناه تلتمعان:‏

- حنين.‏

ضحكت بلا مبالاة واضحة أكدت لـه أن تلك الصيدلانية تتناول أقراص السعادة منذ اللحظة الأولى لنزولها إلى الأسواق التجارية ثم قالت شيئاً لم يسمعه وهي تبتسم.. اللمعة في عينيه تحولت إلى خيط من الدمع راح يتشكل أمام يديه ويجعل قنينة الدواء تتغوش بينهما وتتحول الأقراص في داخلها إلى موشور من الخيوط الملونة. كاد يبكي من أجل حنين وهو يشعر أن أقراصاً ستمحو اسمها من ذاكرته هو آخر ما يفكر بالحصول عليه من تلك الصيدلانية البلهاء ذات الصفين البيضاوين من الأسنان السعيدة.‏

***

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244