|
||||||
| Updated: الاربعاء, آب 17, 2005 12:39 م | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
رومانس أو نصف هنا.. نصف هناك " إن أفضل دواء لضيق التنفس هو العناق الطويل من محبوب " إيزابيل اللندي لا أدري كيف وجدت نفسي فجأة أحب الاستماع إلى أغنية [أنساك] لأم كلثوم وأدحرج مؤشر الراديو ذات اليمين وذات اليسار، لكي أبحث عنها في إذاعات الليل السهرانة بعد أن كانت، فيما مضى تبعث الخوف في نفسي بموسيقاها الكئيبة وتثير ضجري ومللي بإيقاعها البطيء ذي الوقع الغامض في النفس.. بت أتساءل أيضاً، كلما سمعتها، فيما إذا كانت أم كلثوم قد حوّلت لغز النظرية النسبية لاينشتاين إلى محض شعر وتأوهات عندما قالت لحبيبها في مقطع عاطفي جداً من مقاطع تلك الأغنية بأن السنين قد مرت مثل الثواني معه وفي حبه.. أم أن الخيال قد بلغ بها درجة التجلي عندما تحدثت عن فكرة الاستنساخ البشري قبل اكتشافه بسنوات، فقالت لحبيبها في مقطع آخر من تلك الأغنية، وبصوت مسحته اللوعة بالأسى بأنها إن كانت تقدر أن تحب ثانية فستحبه هو.. أم أنني أهذي الآن لأن طبيب الأمراض النفسية قد بالغ في وصف العقاقير المهدئة والمسكنات لي ونصحني بأن أترك عادة التحدث إلى نفسي بصوت عال وأن أتحدث، بدلاً عن ذلك إلى الناس عن أمور يومية وإن لم تعد مهمة من أجل الرفاهية فهي مهمة من أجل البقاء على حافة الحياة.. كالتحدث في أمور الانقطاع المبرمج للتيار الكهربائي وأسعار الطماطم والبطاطا والخيار والباذنجان وفي أمور أخرى لا تخلو كثيراً من الأهمية كمناقشة مزايا صوابين النجار والزنابيلي وشبارق وحسن قدح.. والتداول في شؤون جودة مواد الحصة التموينية ودقة موازينها لكي أعرف فقراتها أولاً بأول فلا يكتشف الوكيل، لم يكن (خوش) ولد، غفلتي عن هذه الأمور فيطفف في الميزان أو يستبدل نوعيات المواد الجيدة بنوعيات رديئة ورخيصة لا تصلح للأكل. ثم سألني الطبيب: - هل الفاصولياء لهذا الشهر كانت جيدة؟ قالت له: - نعم قال: - أرأيت؟! إذن وكيلكم (خوش) ولد. نحن استلمنا فاصولياء تالفة لا تصلح للأكل ثم قال ضاحكاً: - مع ذلك أكلناها قلت له: - كيف؟ قال وكأنه لم يسمع سؤالي: - أتعرفين أنني كنت لا أستطيع في الماضي أن أسمع أغنية [كفاية نورك عليَّ] لعبد الحليم حافظ دون أن تتغرغر عيناي بالدموع وتنتابني الكآبة... كانت ترفعني إلى الدرجة التي يتساوى فيها الحزن مع الفرح أي الدرجة التي يطلقون عليها اسم الشجن.. تلك كانت قصة حب فاشلة من الماضي فلماذا أُعذب نفسي بها طوال الوقت.. والآن أينتابك الإحساس بأن الماضي دائماً هو الأجمل؟ قلت له: - نعم. قال: - هذا هو ما يعذبك إذن.. لا تتوقفي لسماع الأغاني الرومانسية الحزينة لأنها توقظ الحنين في دواخلنا وتجعلنا نعتقد أن الماضي دائماً هو الأجمل وإذا ما أردت أن يأتي عليك اليوم الذي ترتاحين فيه من أحزانك فانشغلي بيديك لا بعينيك: أي ابتلعي الأشياء ولا تتأمليها طولياً.. ودعي الثقب الذي خلف عينيك مباشرة يمتلئ بالحجارة لا بالنجوم.. ثم رطن بالإنجليزية قائلاً: - Stones not Stars - باختصار؟ - باختصار.. أنت لست مريضة.. أنت حزينة حسب والحق يقال أن الطبيب كان يتمتع بحس عال للفكاهة إذ قال بعد ذلك مباشرة: - وما أخبار المجمدة؟ قلت له: - المجمدة؟ قال - نعم المجمدة... أليست لديكم مجمدة؟ قلت له: - كلا.. لقد بعناها منذ زمن.. فقهقه قائلاً: - هذا هو أحد ثلاثة أجوبة أسمعها من مرضاي عادة. قلت له: - وما هما الجوابان الآخران؟ قال: - في التصليح.. أو عاطلة فحولناها إلى كنتور * قلت: - أحقاً.. تسأل مرضاك عن مجمداتهم؟ قال وهو يرفع حاجبيه اهتماماً: - طبعاً.. لأن الحديث عن فرزنة الخضار، هو جزء مهم من وسائل العلاج الذي أتبعه مع مرضاي......... فإذا كان ربيعاً نتحدث عن تجميد الباقلاء وعصير النارنج وإذا كان صيفاً نتحدث عن تجميد البامية والفلفل والباذنجان وإذا كان الوقت خريفاً نتحدث عن كبس التمور وحفظ معجون الطماطم وهكذا... قلت لنفسي هل هذا الطبيب مجنون جداً.. أم عاقل جداً.. يقطع علي طريق الصعود إلى أعلى كلما أردت إخباره أن الدورق الذي خلف عيني مملوء بالماء لا بالحجارة وكلما سألني أحد: -ما بك؟ سال الماء منه دمعاً مدراراً لا يليق إلا بطفلة صغيرة رفضت أمها أن تصطحبها معها إلى السوق القريب من البيت. -... ولكن ما بك؟ خلته يرفع إصبعيه بشارة النصر من خلف زجاج الحافلة ثم فهمت بأن سمك الزجاج يجعله يستخدم لغة الإشارات ليخبرني بأنه عائد بعد شهرين. -وهل عاد؟ -ثماني سنوات مضت ولم يعد. أعجب من الخيال طبيبي هذا، فقد طلب مني بعد ذلك أن أقول أي شيء يخطر على بالي، عدا حكاية الإصبعين المرفوعين بشارة النصر، ربما لأنه مل سماعها، وأن لا أتردد في قول ذلك شيء مهم كان غريباً أو خارجاً عن المألوف.. كان قميصه مخططاً بألوان متدرجة تعود موضتها إلى عقود مضت، وعندما قلت له ذلك- حسب طلبه- قهقه ضاحكاً ثم قال: -أحقاً يبدو لك ذلك.. لا بأس.. لماذا لا تدعيني أسألك بكم صمونه حجرية* يستبدلون كيلو الطحين في منطقتكم؟ قلت له: -بثلاث قال: -في منطقتنا بأربع. ثم ضحك وأعاد ظهره إلى الوراء وتنهد بعمق. أنه يضحك كثيراً هذا الماكيير.. والمخرج لم يطلب منه سوى أن يجعل وجهي يبدو أقل بؤساً مما هو عليه ببضعة قراريط فلماذا يسأل كل تلك الأسئلة؟. ويطلق كل تلك القهقهات؟. قلت: -وشعرك أيضاً يبدو كالباروكة.. هل أنت أصلع؟ قال: -كلا توقعت أن يستغرق في نوبة ضحك جديدة ولكنه لم يفعل إنما صمت قليلاً ثم قال: - هل أعطوكم علبة معجون طماطمه في حصة الأسواق المركزية لهذا الشهر؟ قلت له: -ليس لدي دفتر للأسواق المركزية. خلته قد لدغ بثعبان خفي تسلل إليه من تحت المنضدة إذا انتفض من مكانه فجأة وجر نفسه إلى أمام وقال: -ولكنك موظفة.. أليس كذلك؟ قلت له: -نعم قال وهو يحرك يديه بحركة تشبه التأنيب: -إذن لماذا أنت بدون دفتر؟ فهمت قصده من السؤال جيداً ولكني أجبته متظاهرة بعدم الفهم عن عمد: -بلى أنا أحمل شهادة ماجستير في الإحصاء قال: -كلا.. أقصد الدفتر.. لا الشهادة قلت له: -دكتور.. أنا لم أجئ إليك لنتحدث في شؤون الحصة التموينية ودفتر الأسواق المركزية.. أنا غاب عني إنسان عزيز.. وهو بعيد عني منذ ثماني سنوات.. ولا هو يستطيع المجيء إلي ولا أنا أستطيع الذهاب إليه.. فماذا أفعل؟ قال وقد تغير صوته وكأنه أصبح يأتي من عالم آخر: -ألا زلت تحبينه؟ قلت له وأنا أشعر لأول مرة أنه قد بدأ يفهمني: -وأشعر أني قد أصبحت نصفين.. نصف هنا.. ونصف هناك قال بعد صمت: -أن الأمر لا يستدعي سوى صورة فورية وهوية أحوال مدنية وبطاقة سكن. قلت له: -أتقصد جواز السفر؟ أنه يستدعي أكثر من ذلك بكثير. قال: -كلا أقصد دفتر الأسواق المركزية. قلت بضيق: -دفتر الأسواق المركزية مرة أخرى؟ وما علاقته بما أشكو لك منه؟ قال بعصبية: -الزيت ماما الزيت.. زيت الذرة التركي.. أنه يباع بضعف سعره قرب باب الأسواق.. والسكر ارتفع سعره مع ارتفاع سعر الدولار وأصبح بـ (500) دينار للكيلو الواحد.. أي أنك تربحين حوالي (1000) دينار إذا ما بعته في باب الأسواق.. هل أنت من عالم آخر أم ماذا؟ ثم أعاد ظهره مرة أخرى إلى الوراء وقال: -لا تأتي إلى الجلسة القادمة إلا ومعك دفتر الأسواق المركزية. لم أجد الطلب غريباً.. بل وجدته ماكراً لطبيب يعتقد أن بإمكانه أن يشد غيمة سابحة في السماء، بحبل غليظ، ويسحبها إلى أسفل لكي تمشي على الأرض. لذلك حملت ألبوم وصور تذكارية كنت أريد لطبيبي أن يراها ووضعته تحت دفتر الأسواق المركزية ثم جلست وتركت الاثنين على حافة مكتبة. قال وهو يرفع الدفتر من فوق الألبوم: -ما هذا؟ قلت: -أنها صورنا.. أنا وهو. قال وهو يقلب الألبوم بفضول كعادة كل البشر الذين يطلّعون على صور غيرهم التي لم يروها من قبل: -كنتم فعلاً عائلة سعيدة قلت: -وأصبحت نصفين قال: -نصف هنا.. ونصف.. رفع رأسه وقال محاولاً التذكر: -أين قلت؟ في الأردن أم في اليمن أم في ليبيا؟ قلت له: -لا يهم قال وهو يغلق الألبوم بقوة وكأنه يرديه بضربة قاضية: -هذا هو الدفتر إذن.. حسن.. ألم تسألي عن اليوم الذي تتسوق فيه وزارتكم ومن أي سوق؟ قلت له: -نعم.. أنه الثلاثاء قال: -هذا عظيم.. نحن إذن نتبضع من سوق واحد.. إذا يمكنني أن أستعمل دفترك في الأشهر التي لا تحتاجين فيها إليه قلت له: -بالطبع يمكنك ذلك.. ولكن دكتور انتظاري قد طال وأنا أشعر بأني.. لم يدعني أكمل كلامي إنما قال وكأنه يفكر بصوت عال: -سأحتاج هويتك في هذه الحالة قلت له: -خذها.. ولكني أسأل نفسي دائماً هل أنا أنتظر الشخص نفسه أم أنتظر ماضياً ذهب ولن يعود كصورة من صور هذا الألبوم.. أتعرف؟ بماذا يذكرني غيابه؟ بجارنا الأسير الذي عاد في العيد الماضي من إيران بعد ست عشرة سنة قضاها في معسكر قرب الحدود الإيرانية الروسية.. أولاده لا يعرفونه.. وبناته يخجلن منه وكأنه رجل غريب. أليس هذا مؤلماً للغاية؟ قال: -وماذا فعل؟ قلت وأنا غير متأكدة عماذا يتحدث: -من؟ قال: -جاركم؟ قلت: -لازال يتأرجح وضع الدفتر مع هويتي على جنب ثم قال: -أحذية؟ قلت له: -ماذا؟ قال: -أحذية رجالية.. ألم يوزعوا لكم الأحذية الرجالية في الجمعيات الاستهلاكية هذا الشهر؟ قلت له: -نعم.. وزعوا.. هل تحتاج واحداً؟ قال وقد اختفت ضحكته تماماً: -كلا لست من هواة الأحذية.. ولكن ماذا يوجد في جمعيتكم أيضاً؟ قلت وأنا أرفع الألبوم من على مكتبه وأستعد للمغادرة: -الدجاج.. أنهم يوزعون الدجاج.. قال دون حماس كبير: -مدعوم؟ قلت له: -مدعوم. ثم أخذ يحدثني عن الفرق بين مذاق الدجاج المدعوم وغير المدعوم وقال أنه لم يجرب أي منهما، شخصياً إنما عرف عن طريق السماع ولكنه سيستطيع التأكد من ذلك بنفسه إذا ما جئت إلى الجلسة القادمة وأنا أحمل معي دفتر الجمعية الاستهلاكية. وكان صوته قد أصبح ضعيفاً ومتعباً وكأنه قادم من جوف صندوق للتجميد أحكم غطاؤه جيداً لأنه لم يعد صالحاً للعمل منذ فترة طويلة بغداد 1998 * نوع من أنواع الخبز يصنع في أفران حجرية. *** |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |