|
||||||
| Updated: الاربعاء, آب 17, 2005 12:39 م | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
دانتيللا.. في يوم ممطر إهداء إلى سهيلة داود سلمان بمناسبة يوم ممطر. لم تسمع البائع وهو يناديها لتعود إليه وتأخذ ورقة منفردة من فئة مئة دينار هي الباقي من ألفي دينار دفعتها له لشراء كيلوين من البطاطا وكيلو واحد من اللالنكي* . التفتت المرأة إليه، بعد أن علا صوته بالصياح، فرأته يلّوح لها بالورقة الزرقاء وهو لا يزال ينادي خلفها بطريقة صاخبة وخرقاء.. حاولت أن تفهم ماذا يريد منها البائع بالضبط، وعندما عادت إليه لتفعل ذلك، تذكرت بأنها قد أخذت حاجاتها ومضت دون أن تأخذ منه باقي النقود. لم تعد تستغرب كثيراً لهذه النسيانات التي كانت تضعها في مواقف محرجة كثيرة من هذا النوع.. وحمدت الله في سرها أنها لم تأخذ حاجاتها وتمضي دون أن تدفع النقود للبائع، كما حدث وأن لم تدفع لأكثر من مرة، لأنها لو كانت قد فعلت ذلك لكان الموقف أكثر إحراجاً وإثارة للخجل. - عمي الناس دايخة. قال الصبي لعمه البائع... وهو يعيد بعض حبات اللالنكي من جوار الميزان ويرتبها في السلة الموضوعة خارج المحل.. تدحرجت إحدى الثمرات على الأرض دون أن يلحظها الصبي فنبهه إليها صاحب المحل بهزة من رأسه ثم نظر إلى السماء وقال: -السماء ملبدّة بالغيوم... يجب أن ننقل السلال إلى داخل المحل. قال الصبي: -سأفسح لها المجال في الداخل أولاً. وكان لا يزال يفكر بالمرأة التي كانت قد ابتعدت عنهما قليلاً ووقفت تنظر على الرصيف وهي تحمل كيس البطاطا في يد وكيس اللالنكي في اليد الأخرى. قال الصبي لعمه البائع: -الأكياس توشك على النفاذ.. لم نعد نلحق عليها وقد أصبحنا نستعمل كيسين بدل الكيس الواحد للحاجة الواحدة. نقلت المرأة كيلو اللالنكي الذي كان موضوعاً في كيس مفرد أسود اللون إلى الكف الأخرى حيث يتدلى كيسان أسودان يبطن أحدهما الآخر لكي يتحملا سوية ثقل البطاطا.. ثم رفعت الكف الأيسر فوق رأسها لتحميه من المطر الذي بدأ يتساقط. قال البائع: -ماذا نفعل الأكياس القوية أصبحت غالية الثمن.. والأكياس الأقل سعر لا أمان لها. كانت المرأة قد أخرجت لسانها لنفسها في المرآة قبل أن تخرج من البيت.. فقد شعرت أن جمالها الثلاثيني الفاتر لم يعد له وجود إطلاقاً بعد اختفائه تحت كوكتيل من الثياب لا يمت بعضها إلى بعض لأي صلة من صلات الذوق المعروفة.. بعض تلك الأسمال، كما كانت تسميها، هي فساتين محورة عن تلك الثياب الفاخرة التي ارتدتها أثناء شهر العسل وبعده قبل أكثر من عشر سنوات. والبعض الآخر يعود إلى زمن الحقائب الكبيرة التي تحتفظ بداخلها بكل الأصواف الغالية مطوية بين حبات النفتالين لحين تكبر بناتها الصغيرات وتدور الأيام دورتها من جديد لتدير معها الرؤوس وتقلب القديم جديداً والجديد قديماً دونما سبب محدد أو مهم. وبالرغم من أن خامات تلك الملابس لا تزال تحتفظ برونقها البهي الذي كانت عليه فيما سبق، إلا أن حجومها الفضفاضة وموديلاتها القديمة كانت تجعلها تبدو امرأة أكثر تعاسة وأكبر سناً مما هي عليه فعلاً.. نظرت إلى الحذاء الكريمي المصنوع من الدانتيللا المبطنة بالجلد، وتذكرت أنها عندما همت بخلعه أمام زوجها لأول مرة بعد عودتها معه من الفندق الذي قضيا فيه شهر العسل، قال لها أن لونه الأشهب المائل إلى البياض ليس أكثر إشراقاً من اللون الحليبي الطازج لقدميها الجميلتين. لم يعد الصبي منشغلاً بالنظر إلى المرآة بعد أن احتمى مع سلال الفاكهة داخل المحل.. وعندما سأله صاحب المحل عن الوقت قال دون أن ينظر إلى ساعته المتوقفة عن العمل: -إنها السادسة والنصف. قال العم: -هل أذن للعشاء؟ قال الصبي: -ليس بعد. السيارات المسرعة تركت فسحة للمرأة كي تعبر أخيراً وكانت الأكياس السوداء لا تزال موضوعة في كفها الأيمن... وكفها الأيسر مرفوعة فوق رأسها لحمايته من المطر الذي خفت شدته وأصبح يسقط رذاذاً. خطوتان وأصبحت المرأة في نهر الشارع ثم خطوة ثالثة وتلكأت المرأة.. تأرجحت حركتها.. شعرت بشيء ما يتخلخل داخل الأكياس.. يتحرك.. ثم خطوة أخرى وخف وزن اللالنكي وأصبح بلا ثقل كالهواء............... ثمرة واحدة انفرطت وتمزق قشرها البض فور سقوطها على الأرض أما الأخريات فطاشت وتبعثرت بعيداً منها في كل اتجاه. جمدت المرأة في مكانها لا تعرف ماذا عليها أن تفعل بالضبط.. بدا عليها أنها تنظر إلى ما حدث تواً وكأنه شيء لا يحدث لها وإنما لشخص آخر. بل بدا وكأنها تنظر إلى شيء لم يحدث على الإطلاق وأنه لا يمكن لهذا الكيس المبعثر على الأرض أن يكون نفس الكيس الذي كان في يدها قبل قليل والذي يجب أن يكون في اليوم التالي داخل باص للرحلات المدرسية يقل ابنتها إلى القبة الفلكية في منتزه الزوراء. بدا عليها صعوبة أن تصدق أن الخطأ الذي حدث قبل قليل يمكن تلافيه أو تصحيحه فوراً، فالسيارات مقبلة من بعيد ولن تستطيع في هذا الجو المدلهم أن ترى ثمرات اللالنكي فتتفاداها... لم تعرف ماذا عليها أن تفعل في تلك اللحظة.. وهجست أن على كل تلك السيارات أن تتوقف في الحال وتترك لها المجال لكي تلم ما تعبثر منها على الأرض.. شعرت أنه ليس ثمة وقت للتفكير أو الانسحاب وليس ثمة قدرة لديها أن تواصل عبور الشارع وتترك حبات اللالنكي وراءها نهباً لعجلات السيارات.. وبدون أن تعي ما تفعله تماماً انحنت على الحبات تلمها من على الأرض وهي لا تعرف أن تقدر كيف ستتفاداها السيارات وهي تقبل مسرعة بعد لحظات. هي بالأحرى لم تكن تفكر بذلك أثناء انشغالها بجمع ثمارها القليلة المبعثرة على الأرض.................. كما لم تكن تعرف السبب الذي من أجله توقفت كل السيارات في لحظة واحدة وكأنها تمتثل ليد مونتير خفي يوقفها عن الحركة كما يحدث أحياناً في أفلام السينما.. رفعت رأسها لتتبين حقيقة ما يحدث فرأت شابين يقفان في نهر الشارع ويحولان بينها وبين السيارات التي توقف بعضها على مضض، توقف أيضاً بائع الخضراوات وهو في طريقه إلى صلاة العشاء وقبل أن يتململ ملتفتاً إلى محله سبقه جاره القصاب وحمل إلى المرأة كيساً جديداً تضع فيه ثمار اللالنكي بدلاً من الآخر الذي تمزق.. تلفت يمسح الأرض بعينيه على عجل ثم هرول وعاد إليها بثمرة كبيرة كانت قد تدحرجت بعيداً عنها واستقرت قرب الرصيف. شكرته المرأة بقوة وقالت: -ليحفظك الله. ثم نظرت إلى الشابين الواقفين في نهر الشارع وقالت: -ماذا حدث؟ وبدا واضحاً أن همهمات الناس وأصوات مزامير السيارات كانت خارج مجال النفق الذي خرجت منه لتوها بكيلو من اللالنكي، طالما اعتقدت جازمة أنه أخف وزناً من كيلو البطاطا أو كيلو البصل أو كيلو الطحين ولكنها كانت تشعر، في تلك اللحظة، بوجوده ثقيلاً ومحسوساً بين أصابعها إلى درجة أنها شعرت بالسعادة لأن حذاء الدانتيللا ذا اللون الكريمي المائل إلى البياض قد تلطخ بالوحل وأصبح مبللاً تماماً. بغداد 1998 * عاميه عراقية لنوع من الفاكهة يطلقون عليها في بعض الأقطار العربية اسم "اليوسف أفندي". *** |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |